مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

عقيدة: عوامل الانحراف عن الفطرة وإثبات وجود الله‏

تحدثنا في الدروس السابقة عن خمسة عوامل تبعث على انحراف الإنسان عن الفطرة (ونبحث في هذا الدرس عاملين آخرين) في إضافة إلى إكمال الأدلة على وجود الله.

و: الاعتقاد الخاطئ بأن الدين يخالف التنعم بالحياة

من الأمور البديهة والمسلَّمة، أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أي شي‏ء إلا وله هدف معين، والغرائز التي أودعها داخل كل إنسان لا تخرج عن هذا الإطار فهي السبيل إلى بلوغه أعلى درجات الكمال إن أحسن التحكم بها وهي المردية إلى أسفل الدركات أن انقاد وراءها، إذاً المطلوب هو التحكم بها وليس قمعها فمن الواضح أنه لا يمكننا مقاومة أمر طبيعي وجد فينا فمثلاً لا يمكننا أن نقنع البشر أن لا يشربوا ولا يأكلوا ولا يتزوجوا والخ. فهذه أمور يحتاجها كل إنسان بشكل يومي أما عملنا فهو السعي الدؤوب للسيطرة على فوران الغريزة والتحكم بها.

إن من الأمور التي أبعدت الناس عن الدين هو الطلب منهم قمع غرائزهم، فترى المسيحية تدعو للرهبنة وترفض الزواج وتعتبره شيئاً ملوثاً بالذنوب، وتحارب العلم والعلماء وتدعو إلى الفقر وعدم الغنى وتصوره على أنه هو السعادة بذاتها وأشياء كثيرة أخرى تعارض التنعم بالحياة والمواهب الإلهية وقد أدت هذه الأعمال إلى تنفر البعض من الدين لمخالفته رغباتهم وطريقة حياتهم فنشأ عن ذلك تيارات كافرة وملحدة. يقول "برتراند رسل" وهو من المرتدين عن الدين: "إن إرشادات الكنيسة وضعت أمام الإنسان خيارين، عليه القبول إما بالحرمان في الدنيا أو بالحرمان في الآخرة ولا مجال لنيل الاثنين معاً". وبناءً على ذلك. اعتقد البعض أن الإسلام حرَّم الخمر والميسر والزنا كل الأعمال الشهوانية، لأنها تجلب السعادة للإنسان وأراد الله من ذلك أن لا ينالوا السعادة في هذه الدنيا بل في تلك الدار، ولكن حقيقة الأمر تختلف عن هذا لأن الله سبحانه وتعالى إنما حرَّم المحرمات لأنها تضر بالإنسان وليس لأنها تسعده، فإذا لاحظنا كل المحرمات نرى فيها مفاسد وأضراراً لا تحصى، والواجبات إنما أوجبها لأنها هي السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة وعند التدقيق في الآيات التالية ندرك الأمر جيداً:
﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.
﴿
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
﴿
قل إنما حرم ربي الخبائث و.....

ي: الاعتقاد الخاطئ‏ بأن الدين أفيون الشعوب
اشتدت الحملة الإعلامية والدعائية على الإسلام في عصرنا الحاضر ووصل بهم الأمر إلى أن ادَّعوا أن المادية أو المذهب المادي هو رمز الثورة والعصيان وأن الدين هو رمز الخمول والاستسلام، ساد هذا الاعتقاد بين شبابنا المتوهج بالطاقة فأدى بهم إلى رفض الدين وأتباع الماركسية والاشتراكية وما إلى ذلك من تيارات ملحدة. ولهؤلاء نقول، إن قراءة بسيطة للتاريخ تثبت عكس ما قالوا، فأكثر الأنبياء كانوا ثواراً وقواد حرب، انتفضوا مع المحرومين ضد الظالمين. ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (آل عمران، 146) وتكاد لا تخلو آية من القرآن الكريم إلا وتدعو للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما بال هؤلاء القوم. الظاهر أن علة هذا الاعتقاد الخاطئ‏ ناشئة عن التصرفات والأعمال غير السليمة وغير الصحيحة التي قام بها الحكام الذين يدَّعون الإيمان والدعاة المسيحيون خير دليل على ذلك، فتحت ظل لباس الدين تحكموا بالشعوب وقمعوهم للطاعة والقبول بحكمم لأنهم يمثلون الله على الأرض (استغفر الله) وبذلك يكونون قد برروا الظلم والاستبداد للحكام الآخرين. ولم تتضح الصورة الحقيقة للدين لبعض المصلحين الاجتماعيين فعملوا على رفض هذه القيود الموضوعة، ورفضوا معها التسليم لله والقبول بالدين، فاتبعوا المادية عليها تفكهم من قيودهم وليس لأنها جيدة بل لأنها تعطيهم نوعاً من الحرية. على أن المتتبع لتاريخ الإسلام والأئمة عليهم السلام يدرك تماماً أنه الدين الرافض للظلم والاستبداد وأنه يدعو للحرية والمساواة، وفي عصرنا الحاضر قامت عدة ثورات وحركات إسلامية رائدة منها على سبيل المثال:
1- حركة وانتفاضة التبغ: حركة قادها المرجع الأعلى للطائفة آية الله ميرزا الشيرازي عندما أمم ناصر الدين شاه التبغ والتنباك بامتياز لصالح شركة بريطانية وكمقدمة للاستعمار في إيران، فانتفض المرجع وأصدر فتواه الشهيرة سنة (1270 هـ. ش): بسم الله الرحمن الرحيم استعمال التبغ والتنباك اليوم هو بمثابة محاربة إمام الزمان سلام الله عليه. وقد أدت هذه الفتوى إلى إلغاء الامتياز وقطع يد الأجانب المستعمرين.

2- الثورة الإسلامية في إيران التي بدأت في 15 خرداد سنة 1963 من المدرسة الفيضية في قم وبنداء الله أكبر وتحت قيادة الإمام الخميني قدس سره والتي انتهت بتحطيم أكبر عروش الظالمين وإقامة الحكومة الإسلامية مكانه.

* الدليل الثاني: النظام والتنظيم‏
أشرنا سابقاً إلى ضرورة تحصين الفطرة الإلهية عبر الأدلة العقلية وذلك لصونها من الانحراف مع التيارات المنكرة الملحدة ومن الأدلة العقلية على إثبات واجب الوجود هو النظام والتنظيم السائد في الكون.
النظام هو عبارة عن علاقة وتناسب تربط عدة أمور مع بعضها وتسير بها نحو هدف معين قد رسم لها من قبل عقل مدبر وحكيم. إن نظرة واحدة إلى الكون توصلنا إلى حقيقة واضحة، أن كل أجزائه تسير بشكل منظم ومنسق كجيش واحد له وحداته المتفرعة وكلها تسير نحو هدف واحد وتحت قيادة واحدة. وكما هو معلوم فإن أي موجود حي يحتاج في وجوده وبقائه إلى شروط خاصة متفقة ومتناسقة، فمثلاً الشجرة التي نزرعها تحتاج إلى التربة، الماء، الهواء، الحرارة المناسبة والبذر الجيد الخ، وكل هذه الأسباب لا يمكن أن توجد بشكل متناسق يبعث على نمو الشجرة إلا إذا كان وراءها عقل مدبر يرسم لها الخط والسبيل ووصل البشر في علمه إلى إثبات أن لكل عمل منظم هناك منظماً يرعاه.

*الدليل على التنظيم من وجهة نظر القرآن والأحاديث
آيات كثيرة وردت في القرآن الكريم تثبت وجود الله عبر بيان عظمة التنظيم السائد في الكون ونكتفي هنا بذكر آيتين:
1- ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شي‏ء شهيد (فصلت، 53).
2- ﴿
الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (الرعد، 3).

هذا في القرآن الكريم أما ما جاء في الروايات فكثير أيضاً وهذه مناظرة حدثت بين الإمام الصادق عليه السلام وأبي شاكر الديصاني، كان أبو شاكر من الزنادقة وصادف أن اجتمع مرة مع الإمام الصادق عليه السلام وسأله: يا جعفر بن محمد، دلني على ربي، فقال له الإمام عليه السلام: اجلس يا أبا شاكر، ووقعت هنا عين الإمام عليه السلام على طفل يلعب ببيضة دجاجة، فقال للطفل أعطني إيَّاها فأعطاه، ثم التفت سلام الله عليه إلى أبي شاكر وخاطبه: يا ديصاني، ترى هذه البيضة،قلعة محكمة، ومقفلة، لها غشاء خارجي صلب وتحته غشاء زلال، ثم يأتيك الزلال الأبيض "البياض" ويكون بعد الأصفر "الصفار". كلهم داخلها ولا يختلطون أبداً، وهذه البيضة لا يعرف أحد إن كانت فاسدة أو صالحة فلم يدخلها أو يخرج منها أحد ليخبرنا على صلاحها أو فسادها وكذلك لا أحد منا يعلم ما الذي بداخلها أذكر هو أم أنثى وما لونها. فهل ترى يا أبا شاكر في أمرها مدبر أو لا؟ مكث أبو شاكر يفكر قليلاً في قوله ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنك الإمام الحجة على الخلق وإني أتوب إلى الله منذ الساعة.

آيات الله في خلق الإنسان: ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة آياتٌ لقوم يوقنون.
عن مراجعتنا للنصوص الإسلامية نجد التأكيد المكرر حول مسألة معرفة النفس بعنوانها المدخل لمعرفة الله والخالق سبحانه وتعالى فهذا علي عليه السلام في حديثه المشهور: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".
وأبسط درجات معرفة النفس هي إدراك عملية التركيب الخارجي والداخلي لعناصر البدن ومنها يدرك الإنسان أنه يستحيل وجود هكذا نظام متقن بدون مدبر وصانع يقول الصادق عليه السلام: "العجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حُجته..".
في الدروس القادمة سنبحث باختصار في آيات الله في خلق الإنسان إن شاء الله.

* بعض آيات الله في خلق الإنسان
أ- مراحل نشوء الإنسان
﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب (الروم، 20).
﴿
وهو الذي خلق من الماء بشرا (الفرقان، 54).
﴿
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين(المؤمنون، 12 - 14).
﴿
يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث... (الزمر، 6).

ب- النظام في بدن وجسم الإنسان
1- الدماغ ومركز القيادة
مادة رمادية اسمها الدماغ تملأ جمجمة كل منا وتعتبر من أهم وأدقّ أجهزة وأعضاء البدن لأنها هي التي تتحكم بكل قوى الجسم عبر سلسلة شبكات من الأعصاب والتي بدورها تنقسم إلى قسمين:

 1 - سلسلة أعصاب إرادية كإرادة المشي والنظر واللمس.

 2 - سلسلة أعصاب غير إرادية مثل حركات القلب والمعدة والتنفس و....
والقسم الأهم في الدماغ هو المخ الذي يحتوي على الإرادة والشعور والذاكرة وهو القسم الأكثر حساسية في الدماغ فمن خلاله تتم عمليات السعادة والغضب والألم والخوف وما إلى ذلك من أمور تصادفنا يومياً، على أن القسم الغريب والعجيب أكثر في الدماغ هو الذاكرة ففي جزء بسيط جداً من المخ تخزن كل ذكريات المرء المرة والحلوة وكل خصوصيات وأشكال الأشخاص وأسماءهم وأخلاقهم وو... فالإنسان منا يصنع ملفاً لكل صديق في مخه وهو لا يدري، حتى إذا شاهده أمامه عادت به الذاكرة إلى الملف المخصص لذلك الشخص وترتسم الصورة أمام عينيه، وكل ذلك يتم في أقل من لحظات. قرأت في الجريدة مذ مدة أن طالباً من مدينة شيراز حصل معه حادث سير في خوزستان وجاءته الضربة على رأسه، في الظاهر أنه لم يصب بشي فجميع أعضاء بدنه سالمة وعقله يعمل بشكل جيد يوفهم الأمور إلاّ أنه فقد ذاكرته فلم يعرف أمه ولا أباه ولا حتى بيته أين يقع وهو من أين وعندما جلبوا له أعماله الي صنعها بيده قال متعجباً: إني لم أرها من قبل، نتيجة التحليل تبين أن الضربة جاءت على الخلايا الدماغية التي تربط الفكر بالذاكرة فعطلتها كما يعطل الفيوز أكبر آلة كهربائية عندما يحترق. ولعل حجم هذه الخلايا لا يصل إلى رأس إبرة ولكن عملها يؤثر بشكل عميق على الحياة ومن هنا تبرز أهمية الدماغ والمخ والمحافظة عليهما.
والآن هل يمكننا أن نصدِّق أن هذا العضو أو الجهاز "المخ" العظيم، الهائل في الدقة قد وجد عن طريق الصدفة أو ما يسمونه التطور غير الواعي؟؟؟
﴿وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون (الذاريات، 20 و21).

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع