منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر خيرٌ من ألف شهــر وإليــــك يـــا ربِّ مدَدْتُ يــدي التربية الإيمانيّة فــي الصحيفـــة السجّاديّــة هل الدعاء يردُّ القضاء؟ ادعوني أستجب لكم الدعاء في كلمات الإمام الخامنئـيّ دام ظله  مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*)

وصال (10) - شرح وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ


الشيخ أبو صالح عبّاس


"اعلموا -وأنتم تعلمون- أنّ أهمّ إنجاز مميّز للإمام الخمينيّ قدس سره العزيز، أنّه جعل في بادئ الأمر الإسلام القاعدة الأساس لإيران، ومن ثمّ جعل إيران في خدمة الإسلام. فلو لم يكن الإسلام، ولو لم تكن تلك الروح الإسلاميّة سائدة لدى هذا الشعب، لنهش صدّام هذا البلد كذئب مفترس، ولقامت أمريكا بالأمر نفسه ككلب مسعور، لكنّ ميزة الإمام الخمينيّ قدس سره أنّه جعل الاسلام ركيزة ورصيداً، وجعل عاشوراء ومحرّم وصفر والأيّام الفاطميّة سنداً لهذا الشعب. لقد أشعل الثورات داخل هذه الثورة. ولهذا جعل الآلاف من الفدائيّين في كلّ مرحلة من أرواحهم دروعاً تحميكم وتحمي الشعب الإيرانيّ وتراب الأراضي الإيرانيّة، والإسلام، وجعلوا أعتى القوى الماديّة ترضخ ذليلة أمامهم".


•ركيزتان أساسيّتان
بعد أن تحدّث القائد الشهيد قاسم سليمانيّ عن رفعة إيران وتقدمّها وتطوّرها في الميادين شتّى، كما استعرضناه في المقال السابق، ينتقل للكلام عن أعظم إنجاز قام به الإمام الخمينيّ المقدّس قدس سره، وهو أنّه جعل الإسلام قاعدة أساسيّة لإيران، ومن ثمّ جعل إيران مركزاً متقدّماً لخدمة الإسلام.

وهو بذلك يشير إلى معادلة تتقوَّم بركنين أساسيّين هما:

1- بناء قاعدة أساس لقيامة إيران من خلال حاكميّة الإسلام.

2- تحويل إيران إلى خادمة وفيّة للإسلام في سبيل الدعوة إلى الله تعالى ونشر مفاهيم الدين وقيمه الأصيلة من جهة، ومقارعة الظالمين والتمهيد لإمام العدل المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف من جهة أخرى.

ثمّ يشير إلى عوامل الإسناد التي عزّز بها الإمام الخمينيّ قدس سره شعبه الفدائيّ، وهي: عاشوراء، ومحرّم، وصفر، والأيّام الفاطمية، بعد أن جعل الإسلام ركيزة ورصيداً له، والتي لولاها لخبت الروح الإسلاميّة في نفوس الجماهير الثائرة، ولتمكّن صدام من أن ينهش إيران الاسلام كذئب مفترس، ولقامت أمريكا بذلك ككلب مسعور.

•ثورات في ثورة
وفي آخر هذه الفقرة من الوصيّة، يتحدّث القائد الشهيد عن ميزة أخرى من مميّزات الإمام الخمينيّ قدس سره -وهي أيضاً ممّا امتازت به الثورة الإسلاميّة في إيران-، وهي أنّه استطاع أن يشعل العديد من الثورات في قلب الثورة الإسلاميّة، فبينما كانت تظهر للعلن كثورة واحدة، كانت في حقيقتها مجموعة من الثورات، وذلك من خلال عوامل الإسناد المذكورة، وعلى رأسها عاشوراء التي قال فيها الإمام الخمينيّ قدس سره ذات يوم: "إنّ كلّ ما لدينا من بركات عاشوراء". وبهذا الرصيد الإسلاميّ، واعتماداً على هذه المرتكزات، انطلق الآلاف من أبناء إيران بروح استشهاديّة ورايات حسينيّة، لمقارعة المستكبرين، وتحوّلوا إلى دروع لحماية الإسلام والشعب الإيرانيّ، واستطاعوا أن يجعلوا أعتى القوى الماديّة ذليلة أمامهم.

•ضمانة الرصيد الإسلاميّ
ولأنّ الوحدة أصل، يعود القائد الشهيد إلى التحذير من الفرقة، ولا سيّما الوقوع في مقتل الاختلاف على المبادئ، فيقول: "أعزّائي، إيّاكم أن تختلفوا في المبادئ".

نعم، ففي الوقت الذي يعدّ فيه الاختلاف في الآراء أمراً طبيعيّاً، إلا أنّ الاختلاف على المبادئ لا يمكن أن يعدّ مراً طبيعيّاً أو مقبولاً؛ لأنّه يؤدّي إلى السقوط، وضرب المرتكزات وعوامل الإسناد المتقدّمة الذكر، وخصوصاً حينما نلحظ المبادئ من منظور القائد الشهيد الذي يعنونها بعنوان الوليّ الفقيه. وبهذا، فإنّ قطب الجمع، وضمانة المحافظة على المرتكزات والرصيد الإسلاميّ، هو التمسّك بالوليّ الفقيه.

•اتّصلوا ببحار الله
"الشهداء محور عزّتنا وكرامتنا جميعاً، وهذا الأمر لا ينحصر بيومنا هذا فقط، بل إنّ هؤلاء اتّصلوا منذ الأزل ببحار الله جلّ وعلا الشاسعة، فلتنظروا إليهم بأعينكم وألسنتكم بإكبار وإجلال كما هم حقّاً. عرّفوا أبناءكم بأسمائهم وصورهم، وانظروا إلى أبناء الشهداء الذين هم أيتامكم جميعاً بعين الأدب والاحترام. فلتنظروا بعين الاحترام إلى زوجات الشهداء وآبائهم وأمّهاتهم، وكما تعاملون أبناءكم بالصفح والتغاضي، عاملوا هؤلاء بعناية واهتمام خاصّين في غياب آبائهم وأمّهاتهم وأزواجهم وأبنائهم".

يتحدّث القائد الشهيد عن أولئك الذين استطاعوا أن يفجّروا الثورات في داخل الثورة، وأن يسطّروا الملاحم في ميادين القتال، وهم الشهداء وأبطال الميدان، كما استطاعوا أن يدوّنوا في كتاب التاريخ أروع القصص البطوليّة، وأن يسكبوا في الكلمات أروع معاني الإيثار، وعشق الله تعالى، والقيام له تبارك وتعالى، وهم الذين قال عنهم الإمام الخمينيّ قدس سره: "أتمنّى أن تُسجّل أسماء هؤلاء الشهداء في صحيفة شهداء بدر وكربلاء"(1)، وقال عنهم الإمام الخامنئيّ دام ظله : "كلّ الناس يموتون، إلّا أنّ الشهداء يقضون هذا المصير المحتوم على أحسن وجه. موت الشهيد معاملة مربحة، ما دامت هذه الروح لا تريد البقاء في البدن، فخير لها أن تمضي في سبيل الله"(2). وقد وصفهم القائد الشهيد هنا بصفة لا يمكن أن تُفهم خارج إطار أدبيّات العرفان، وذلك حين قال: "بل إنّ هؤلاء اتّصلوا منذ الأزل ببحار الله جلّ وعلا الشاسعة"؛ وهو يتحدّث عن الذوبان في المطلق، حيث لا مكان ولا زمان، عن روعة الاتّصال في لوعة الانفصال، عن الاتّصال ببحار الله تعالى، وهو اتّصال محقّق للسراية من الأعلى إلى الأسفل، وَفق مراتب الوجود التشكيكيّة. ولأجل ذلك، فإنّ الشهداء يصبحون في حياتهم أعظم من ذواتهم الماديّة، ويمسون بشهادتهم منارات تضيء للسالكين صراط الوصول. وبالمناسبة، لقد سبق للإمام الخمينيّ قدس سره أن أشار إلى هذه الحقيقة بقوله ذات مرّة: "إنهّم اتّصلوا بعشقهم، بالله العليّ الكبير، بالمعشوق، ووصلوا إليه..."(3).

•قداسة الشهداء
يتخطّى المجاهد الشهيد في حياته الدنيويّة إطاره الماديّ، وتتّسع حقيقته بحسب قوّة وجوده، بحيث ترى الواحد منه بحجم فصيل، أو كتيبة، أو لواء بأكمله - والتوصيف هنا للقائد الشهيد قاله ذات يوم في دردشة له مع مراسل قناة المنار عند تواجده في أحد مراكز الحشد الشعبيّ في العراق-، وكذلك تتّسع حقيقته في حياته الأخرويّة، بحيث ينمو دمه، وتسطع قضيّته، وتسمو ذاته، ويستحيل مدماكاً ومحوراً لعزّة الأمّة وكرامتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، ولأنّ الشهادة ثقافة عمليّة تجسّد نهضة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، ولأنّ الشهداء هم نماذج القدوة الحقيقيّة التي يُحتذى بها، ولأنّ تقديرهم يعدّ محافظة على محور عزّ الأمّة وكرامتها، يوصي القائد الشهيد بالنظر إلى الشهداء بإكبار وإجلال، وبالتحدّث عنهم بما يليق بشأنهم، وبتعريف الأجيال الصاعدة بسيرتهم العطرة وتضحياتهم الجسيمة المخضَّبة بالدمّ، وأن يهتمّ الآباء بهذه القضيّة لتربية أبنائهم على تقديس الشهداء، والتعلّق بصورهم وأسمائهم كمقدّمة للاقتداء بهم.

•الله الله في الأيتام
ثمّ يوصي باحترام الأيتام، فهم أمانة الشهداء في أعناق المجتمع، وهم دليل تضحيات الشهداء، وهم تَرِكَتهم التي يستودعونها في أيدي المقدّسين على أعتاب الدنيا حينما يسافرون إلى الملكوت الأعلى. ولأجل ذلك، لا بدّ من التعامل معهم كما يتعامل الآباء مع أبنائهم بعين التغاضي والرحمة. 

وبهذه الروحيّة أيضاً، يوصي بالنظر إلى زوجات الشهداء وآبائهم وأمّهاتهم بعين الاحترام والتقدير، وإيلائهم العناية الخاصّة في ظلّ غياب الآباء، أو الأمّهات أو الأزواج، أو الأبناء.

•القوّات المسلّحة والشعب
"عليكم باحترام قوّاتكم المسلّحة التي يقودها الوليّ الفقيه اليوم، وذلك من أجل الدفاع عن أنفسكم، ومذهبكم، وعن الإسلام والبلاد. وعلى القوّات المسلّحة أن تدافع عن الشعب والأعراض والأرض كدفاعها عن منازلها، وأن تعامل الشعب بأدب واحترام، وأن تكون بالنسبة إلى الشعب كما قال أمير المؤمنين ومولى المتّقين عليه السلام مصدر عزّة وقلعة وملجأ للمستضعفين والناس، وزينة للبلاد".

في هذا المقطع من الوصيّة، ينتقل القائد الشهيد إلى الكلام عن القوّات المسلّحة من ناحيتَين:

1- تعامل الشعب مع القوّات المسلّحة: فيوصي الشعب باحترامها لما تمثّله من اقتدار إسلاميّ عظيم، تقوده المبادئ المتمثّلة بالوليّ الفقيه، كونه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، ما يضفي عليها قداسة خاصّة. وهذا الاحترام من شأنه أن يحقّق للشعب المنعة التي يتمكّن بها أفراده من الدفاع عن أنفسهم ومعتقداتهم، وعن الإسلام والبلاد.

2- تعامل القوّات المسلّحة مع الشعب: فيوصيها باحترام الشعب من موقع كونه الجمهور الإسلاميّ الذي تطلّع وقاتل وضحّى من أجل إحلال الإسلام في أرجاء إيران، وعلّق الآمال على النظام الإسلاميّ وحاكميّة الوليّ الفقيه. وهو ينظر إلى القوّات المسلّحة على أنّها امتداد لقيادة الوليّ الفقيه، ومن هذه الناحية، فإنّ لها تأثيراً كبيراً على مستوى تحديد طبيعة نظرة الناس إليه.

كما يوصي القوّات المسلّحة أن تكون بالنسبة إلى الشعب قلعةً وملجأ، مستنداً في ذلك إلى وصايا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وأحسب أنّه يقصد ما ورد في عهد الأمير عليه السلام لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) من قوله: "فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّه حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وزَيْنُ الْوُلَاةِ، وعِزُّ الدِّينِ، وسُبُلُ الأَمْنِ. ولَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ"(4).


1.نقلاً عن موقع ويكيبيديا، الصناعة في إيران، 27/5/2020م.
2. (م.ن).
3. (م.ن).
4.نهج البلاغة، ص432.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع