مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا


لقاء مع الجريح المجاهد محمّد حسن علّوش (سراج)
حنان الموسويّ


لا أعرف كيف وصلت تلك الجميلة إلى قلبي، ومن أيّ الجروح اخترقته، ما أعرفه أنها خليلتي منذ ذلك الحين، حيث ظلّت كلمات السيّد ترنُّ في مسامعي عن أميرٍ طاغية، خطّط أن يلوك العرض والشرف بجهله: "نساء كفريا والفوعا الجميلات مغنمٌ لا يمكن التفريط به أو التنازل عنه مهما تكبّدنا". سافرت ورفاقي في كلمات سماحته من حرفٍ إلى حرفٍ على خطر، ورسم السبي شاخصٌ في البال، نأبى أن يتكرّر والجرح يُنكَأ عند ارتدادة طرف عينه، وبإشارة السبابة نُهرِقُ الأرواح، وتستقرّ في الخافق ألف ألف شظية ولا نبالي.

فالعبرة أنّ انتصارنا في معركة الزبدانيّ محتومٌ منذ الأيّام الأولى، لكن ربْط الدواعش مصير مدينة الزبدانيّ بمصير قريتي كفريا والفوعا، خلق معادلةً صعبة، فهل بإمكاننا الادعاء أننا ثقة المؤمنين ونتخلّى عن هاتين القريتين؟ هل نحن أنصار الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف إن تقاعسنا وأبحنا سبي لحمنا ودمنا من جديد؟ 

•شبيه العباس عليه السلام
"يا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف". بذا لهجتُ بعد أن فَرَت تشريكة المتفجّرات أعضائي حين فتحت باب السطح. يقيني أنّ الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف حضر وإنْ لم أرّه. تلك القوّة التي سرت في مجرى دمي لم تكن عبثيّة؛ صُبَّت في أوردة إنسانٍ بُتِرت يداه، ولفظ بطنه الأحشاء بعنفٍ خارج محيط المكان، كانت قوّة مكّنتني من توضيب أمعائي مكانها بيدي. الأحمر الذي كسا وجهي وجمُد على عينَيّ، لم يمنعني من رؤية طريقي. نزلت السلالم حتّى وصلت إلى الآليّة وسط ذهول المجاهدين. فتح رفيقي بابها، استقللتها، ومن ثمَّ اتّكأت على جنبي الأيمن ليسكن الوجع. حافظت على وعيي وفي يقيني شعورٌ أنَّ بلوغ الموت لم يَحِنْ. 

•أحتسبها عند ربّي
وصلنا إلى المشفى الميدانيّ. ترجَّلتُ على الرغم من النزيف، وتوجّهت نحو الطبيب. إدراك الجريح لوضعه يساعد مَن سيطبّبه على العناية به؛ لذا حاولت مساعدة الطاقم الطبّي الذي أحاط بي. لفتت الممّرض إلى ضرورة وضع رباط عند معصمي لوقف نزفه بسرعة، وساعدت آخر للحصول على معلوماتٍ تخصُّني، وجهدت على الرغم من كمِّ الأوجاع أن أحتسبها عند ربّي. 

•مزاح الدمع
رحت أقيس العمر بشراهة الضحكات، بعد أن أطلعني الطبيب على وضعي الجديد: يدان مبتورتان، وجراحة في البطن، وتوضيب أمعاء، وجراحة في العين، ونزف في الأذن، وشظيّة في القلب من أتراب النبض، إن مالت قليلاً أغادر الدنيا وهي معي. تبسّمت في وجهه شاكراً له. أمّا بعد وصولي إلى لبنان، فقد أضْفَت عناية الأهل والمتابعة الحثيثة من مؤسّسة الجريح جوّاً أكثر وئاماً، لكنّ القلق المسيطر منذ الغروب الأوّل لجرحي حتّى اليوم الخامس عشر، أبقى الجميع في دوّامةِ اضطراب. وبين غيابٍ عن الوعي لأيّام وخضوع لجراحات متكرّرة، بقيت في المشفى مدّة شهرين تقريباً.

الرفق الإلهيّ ظلّلني؛ فبين موقف الأهل، وخصوصاً والدتي التي نذرتني للموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف حين كنت جنيناً، والإنسانة المجاهدة، المؤنسة وبلسم الآلام التي اقترنت بها، وابني حيدر هديّة السماء لي، وأصدقائي الذين واكبوني وما تخلّوا عنّي يوماً، مَن كانوا السند والعون بعد الله، والعوض عمّا فقدت، تسير بي المعاني لجوهرٍ واحد هو: "واصبر لحكم ربّك فإنك بأعيننا"، وأيّ حالة بعد هذا يعيشها الإنسان؟! 

•هوى الجهاد
كنت قد تدرّجت في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف منذ الصغر. نشأتي كانت على يد صهري، شربت من ملامحه ملء الوقت، فكان قدوتي في الجهاد، هو من سيّرني في دروب هواه، إلى أن خضعت لدورة مقاتل في الخامسة عشرة من عمري. ما زالت كلمات مدرّبي حينها مقيمة في وجداني: "توجّهك الآن إلى معسكر إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس كأيّ توجّهٍ إلى مدرسةٍ تعليميّة؛ لأنّ كلّ ما فيه من لباسٍ وعتادٍ ملكٌ لإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهذا حَرَمُه، فاسعَ لأن تنال رضاه". ومذ ذاك الوقت، عاهدت صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف على أن أكون المتميّز والأوّل في المجالات كلِّها، كرمى لعينَيه. ورد أنَّه عند ذكر الإمام الحجّة عليه السلام يلتفت إلى رؤية مَن ذكره؛ لذا كنت على يقينٍ من حضوره، وفي كلّ مكانٍ هو الورقة الرابحة، خصوصاً عند الثغور، فالتعلّق به يبقى طيّ النبض والزمان. خضعت بعدها إلى دورة في اختصاص الهندسة. وفي الثامنة عشرة من عمري صرت قائد مجموعة. وفي العام 2012م، التحقت بقوّة الرضوان.

•ولادة جديدة
نفضت وجعي عنّي بعد أشهرٍ ثلاثة من الإصابة. أحببت ولادتي الجديدة، وتأقلمت معها، على الرغم من معاناتي مع الشظيّة المزروعة داخل قلبي، وهجوم الجراثيم المتكرّر. تابعت دراستي في اختصاص الحقوق بعد أن عدلت عن اختصاص علوم الحياة. قدْتُ سيّارتي دون مساعدة. سافرت إلى العراق، وسرت درب العشق بعد أن ضجّ بي الشوق إلى غربةٍ تئنّ بساكنيها بين النجف وكربلاء، وهناك كان اللقاء بالكفيل وأخيه سيّد الشهداء عليه السلام بحياء الوصال والقرب، وإن كانت المواساة طفيفة. 

•إن عاد الزمان
عندما يعيش الإنسان جوّ الجهاد، ينمو غصن الغربة فيه، فيتوق إلى موعد قطاف الثمار بالملتقى، لذا عند كلِّ مهمّةٍ، كنّا نودّع بعضنا بعضاً قبل الهجوم؛ لأنّ عددنا سينقص لا محالة، سيحلّق من بيننا شهيدٌ أو سيسقط جريحٌ. هذه الروحيّة لا يساورها شكٌّ في أنَّ أيَّ واقعٍ ينتج عن ذاك الجهاد سيكون برداً وسلاماً ومحلَّ ترحاب، أليست سيّدة نساء عالمها زينب عليها السلام ما رأت إلّا جميلاً على الرغم من سيل البلاء؟

وما رسالتي للإمام القائد السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله للاستفسار عن دولة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ودوري كجريحٍ قطيع اليدين وتكليفي فيها، سوى دليلٍ على أنّ بلائي جميلٌ، وأنَّ إتقاني لأيّ عملٍ أقوم به هو تأكيدٌ على قناعتي البِكر أنّ ما عند الله هو مطلق الخير.

"حيث يجب أن نكون سنكون"، كلمات تزهر عزّاً وشموخاً، وسنخدمُ مجتمعنا المقاوم، وإن بصورة كربلاء الحيّة فينا كجرحى. من أحبِّ الأعمال التي أزاولها متابعتي مع كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ لأنّها الشريان الأساس للمقاومة. وإن عاد الزمان بي إلى تاريخ 15/2/2016م، سأقف أمام الباب وسأفتحه مجدَّداً دون تردُّدٍ أو تقاعس. 

•رسالةٌ وفنّ
جهادي مستمرّ، أوصله بصوتي من خلال فرقة "جراح". وفّقنا الله لأن نعيش عبارة: "يا ليتنا كنّا معكم" بالفعل، فلم نتّخذ الليل جملاً، بل قاتلنا التكفيريّ الذي قال للعقيلة: "سترحلين مع النظام، وستسبَين مرّتين"، وهزمناه. اختبارنا في كربلائنا خضناه، والقبول يبقى بيد الله حسب نيّة كلّ فردٍ منّا. وما معاناة الجريح وتقبّلها بصبرٍ سوى دليل على صدق السريرة ونقائها. جرحه الحيُّ الراعف بعد كلّ نشاطٍ في سبيل إحياء المسيرة، الذي يبقيه في السرير لأيّام مليئة بالوجع، هو عين الجهاد. ونحن في كلِّ حينٍ، إصبع المؤتمن على الأنفس التي يهدّد بها الأعداء، مقاومون أصحّاء وجرحى، وعلى الرغم من كلِّ الجراح، سنبقى في كلِّ ساح، نحن الوعيد.

أتمّنى أن يعطيني الله القدرة لإثبات جدارتي في عملي، ولأتشرّف برؤية سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)، وأقول له: "حبّي لك ألقيته في بئر يوسف، وقلبي دائماً يرجو لقاء قافلتك".


الجريح: محمّد حسن علّوش.

الاسم الجهاديّ: سراج.

تاريخ الولادة: 21/5/1993م.

مكان الإصابة وتاريخها: فليطة - القلمون 15/2/2016م.

نوع الإصابة: بتر اليدَين، وإصابة في العين.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع