مع الإمام الخامنئي: الرسول مظهر الوحدة الإسلاميّة(*)  نور روح اللّه: آداب القراءة في الصلاة مع إمام زماننا: وظائف المنتظرين(4)(*) قرآنيات: تفسير سورة الماعون (1)(*)  أخلاقنا: الأسرة والحاجة المعنويّة(*) تعزية عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام

خيرات الديار: أيدٍ تَصنعُ بحبّ

تحقيق: نانسي عمر

في السابع من شهر تمّوز 2020م، أعلن الأمين العام لحزب اللّه سماحة السيّد حسن نصر اللّه (حفظه الله) عن إطلاق مشروع "الجهاد الزراعيّ والصناعيّ" في لبنان كلّه، لتشجيع المواطنين على الاستفادة من إمكاناتهم ومهاراتهم، واستغلال أراضيهم، لتحريك عجلة الاقتصاد من جهة، وتأمين لقمة عيش كريمة لعائلاتهم من جهة أخرى.

لاقت الفكرة رواجاً واسعاً بين الناس، فبعضهم قد بدأ قبل إطلاق المشروع، بتعلّم بعض المهن البسيطة التي تؤمّن له بعضاً من احتياجاته، كزراعة "حاكورة" المنزل أو حتّى الشرفات، وتربية الدواجن. كما تعلّمت بعض الأمّهات صناعة الخبز المنزليّ والحلويات، بعد أزمة الطحين التي كانت تشتدّ أحياناً في البلاد.

مخبوزة بحُبّ
خلال الأزمة الاقتصاديّة التي بدأ يعاني منها البلد منذ أشهر عدّة، وبعد الحديث عن حصار وحرب واشتداد الأزمة، كثيرات من ربّات المنازل تعلّمن كيفيّة صنع الخبز المنزليّ على الصاج والتنّور والمناقيش والفطائر، ووجدنها أقلّ تكلفة وأفضل بكثير من تلك التي تباع في الأفران الآليّة. تقول أمّ أحمد (ربّة منزل وصاحبة فرن لخبز الصاج): "تعلّمتُ أن أخبز في المنزل، ثمّ فتحت فرناً لمساعدة زوجي المريض في المصاريف وتأمين متطلّبات المعيشة، ويوماً بعد يوم بدأ الزبائن يتهافتون بشكلٍ أكبر على فرني؛ لأنّهم يعرفون أنّهم يأكلون لقمةً نظيفة وصحيّة ومخبوزة بحبّ كالتي أخبزها لعائلتي". وتتوجّه أمّ محمّد بنصيحة إلى كلّ الزوجات والأمّهات قائلة: "يجب على كلّ زوجة وأمّ أن تتعلّم صناعة الخبز والعجين المنزليّ بكلّ أنواعه، وحتّى لو لم تنجح التجربة الأولى، فبالتكرار ستكتسب المهارة، وستشعر بالسعادة بالخبز الذي تصنعه بيدَيها لعائلتها".

ازرع أرضك بيدَيك
"إذا جار الدهر عليك، ازرع أرضك بيدَيك.. هكذا علّمنا الزمن"، يقول الحاجّ أبو غسّان (مزارع)، ويتابع: "نزرع في كلّ موسم ما نجد أنّنا والناس بحاجة إليه، فنستفيد منه منزليّاً، ونبيع للزبائن ما تيسّر. ففي الصيف مثلاً، أزرع الملوخيّة والبامية والفاصولياء، وأستخرج مونة عام كامل لبيتي، ولم أحتج يوماً إلى شرائها من السوق، وأبيع أيضاً الزبائن بأسعار تناسب الأوضاع المعيشيّة الصعبة. كذلك في موسم الشتاء، أزرع أنواع الحشائش والخضار الشتويّة كافّة، وما ألذّ صحن الفتّوش عندما تكون كلّ خضاره من أرضي، وقد زرعتها وسقيتها وقطفتها بيدَيّ".

اليوم، وبعد الغلاء الذي طرأ على الفاكهة والخضار، توجّه العديد من المزارعين لزراعة الأشجار المثمرة والحمضيّات، "وهذا سيشكّل فارقاً في الأسواق، ويعيد الأسعار إلى ما كانت عليه سابقاً إن شاء الله"، يقول أبو غسّان.

صابون بنكهات الطبيعة
يُعدّ الصابون من المواد الاستهلاكيّة الأساسيّة لكلّ عائلة. ولكنّ الصابون الذي يباع في الأسواق مصنّع من مواد كيميائيّة بعضها مضرّ بالصحّة والبيئة. ثمّة من فضّل صنع الصابون الطبيعيّ من زيوت وموادّ طبيعيّة.

ترى فاطمة (مدرّبة حرفيّة) أنّ صنع الصابون ليس عملاً شاقّاً، بل بسيط ويوفّر على المستهلك كلفة شرائه، خصوصاً أنّه يمكنه الاستفادة من موادّ طبيعيّة موجودة في المنازل. "تعلّمت صنع الصابون الطبيعيّ منذ سنوات، أصنعه بالنكهة التي أريد، كالأفوكا والكاكاو واللافندر والحامض وغيرها من المواد الطبيعيّة ذات اللون الجذّاب والرائحة العطرة، ولا أستخدم سوى الزيوت الطبيعيّة العطريّة التي لها تأثير واضح وسريع على البشرة بأنواعها كافّة". وتتابع: "كثير من الناس طلبوا منّي أن أعلّمهم كيفيّة صناعة الصابون؛ لذلك أجريتُ دورات عديدة في جمعيّة جهاد البناء حول صناعة الصابون الطبيعيّ، كي تتعلّم ربّات المنازل كيف يستفدن من الموادّ المنزليّة الزهيدة لتحضير صابون صحيّ ومفيد، واللافت أنّ عدداً بات يطلب سلّة صابون مزيّنة لإهدائها لأصحابهم في المناسبات السعيدة، ما يشير إلى أنّهم يشجّعون الصناعات اليدويّة والصحيّة".

حتّى الحياة الريفيّة متطلّبة
"انتقلتُ للعيش في الريف، فوجدتُ أنّ الحياة في القرية لها متطلّبات أكثر من المدن؛ لأنّ المحالّ التجاريّة والأسواق بعيدة عن المنازل، والأسعار أكثر ارتفاعاً من المدينة، ما يشكّل أزمة حقيقيّة، خصوصاً في أيّام الشتاء والثلوج، حيث تُقطع الطرقات ويصعب الخروج من المنزل"، يقول أبو حيدر (أب لأربعة أولاد). ويتابع: "ارتأيت أنا وزوجتي أن نربّي عدداً من الدواجن للاستفادة منها في إنتاج البيض البلديّ واللحوم، ثمّ رحت أبيع الجيران. وكذلك صرنا نحضّر المونة المنزليّة على أنواعها، وكذلك خبز الصاج المنزليّ، وزرعنا (حاكورة) المنزل بأنواع عدّة من الخضار والفاكهة التي نستهلكها كلّ موسم، ما وفّر علينا الكثير من فاتورتنا الاستهلاكيّة". وختاماً، ينصح أبو حيدر كلّ من لديه مجال ومكان بتربية الدواجن "لأنّها تجربة ناجحة ومفيدة، وتُمكّن المربّي من التأكّد من أنّ الدجاج الذي يأكله ملقّح من الأمراض، وصحّي، ولا يأكل إلّا الحبوب والطعام النظيف، وليس معرّضاً للهرمونات والأدوية والطعام الفاسد، كبعض ما يُباع في الأسواق".

مونة البيت من قلب الأمّ إلى أبنائها
أمّا أمّ علاء (ربّة منزل)، فكانت تبتاع المونة من أقاربها، ولكن بعد أن أصبحت عائلتها كبيرة، وجدت أنّ صنع المونة البيتيّة أقلّ كلفة. تقول: "صرت أصنع كلّ أنواع المونة، من كشك ومكدوس وكبيس وبندورة وزعتر وغير ذلك ممّا نحتاج إليه، بشكل خاصّ في فصل الشتاء". وتتابع: "عندما كبر أولادي وتزوّجوا، صرت أكثر سعادة بصنع المونة؛ لأنّني أطعم أولادي وأحفادي من صنع يديّ، وأوفّر عليهم ثمن شرائها من مصادر السوق التي لا نعلم إن كانت تراعي شروط النظافة والطهارة التي نراعيها نحن في صنع مونتنا".

كأمّ وربّة منزل، تنصح أمّ علاء كلّ أمّ وزوجة أن تحضّر مونتها في بيتها بنفسها حتّى لو تعبت قليلاً؛ لأنّ الفرحة بلقمة البيت النظيفة والصحيّة ستنسيها كلّ ذلك التعب.

عسل الطبيعة إبداع الخالق
العسل مادّة استهلاكيّة مطلوبة، ولكن مع دخول العسل المغشوش المستورد إلى الأسواق بأسعاره الزهيدة، لم يعد المستهلك قادراً على التمييز بين الطبيعيّ منه، والمغشوش المضاف إليه مواد أخرى وسكّريات.

يقول باسم الحلاني (نحّال): "العسل الذي ننتجه طبيعيّ مئة في المئة، وغنيّ بالفيتامينات والعناصر الغذائيّة التي يحتاجها الجسم، فالناس يشترون العسل للاستفادة منه غذائيّاً وليس للتحلية؛ لهذا نحن لا نغشّ في إنتاجه، كما يحصل في بعض العسل المستورد الموجود في الأسواق، هذا وتتمّ تجربته على مرضى السكّري للتأكّد من أنّه طبيعيّ وصحّيّ". ويضيف: "مهنتنا موسميّة، إذ ينتج النحل أنواع العسل بحسب الفصل والطقس والأزهار التي يتغذّى منها، ما يضفي عليه تنوّعاً بالعناصر الغذائيّة المفيدة لجسم الإنسان، فنحن ننقل النحل من منطقة إلى أخرى، ومن بستان إلى آخر بحسب كلّ فصل، كي يتمكّن من جمع الرحيق من أزهار ونباتات متنوّعة". ويتابع: "ثمّة صعوبة وتعب في تربية النحل، فهي تحتاج إلى بستان واسع وبعض الأدوية الخاصّة والمتطلّبات والمعدّات، ولكنّها في المقابل مهنة ممتعة وتدفعنا إلى تسبيح الخالق عندما نراقب تنظيم النحل وطريقة عمله التي يعجز الإنسان عن تقليدها".

حياكةٌ بخيوط القلب
"جدّتي الأولى تحيك الصوف، وجدتي الثانية بارعة في الخياطة، وأنا ورثت حبّ الإبرة والخيط عنهما"، تقول رباب (30 عاماً وأمّ لطفلين)، وتضيف: "اختصاصي في الأصل تربية وتعليم، ولكنّني لم أجد فرصة عمل يناسبني في المدارس، وبما أنّني كنت أحبّ الأشغال اليدويّة منذ صغري، وجدت الجلوس في المنزل فرصة لإعادة إحياء موهبتي". وتتابع: "تعلّمتُ فنّ الكروشيه من (اليوتيوب)، وبدأت أصنع أشياء جميلة لأولادي، ثمّ لاحظت أنّ الناس باتوا يطلبونه بعد أن أصبح يشكّل هديّة قيّمة يتهادونها في المناسبات السعيدة والولادات، على الرغم من قلّة كلفتها. وبما أنّهم يعطون قيمة لهذه الأشغال اليدويّة، بدأت أبيع كميّات منها، وكانت تجارةً جيّدة".

وترى رباب أنّ من يحبّ العمل اليدويّ ولديه صبر ومتّسع من الوقت، فليلجأ إلى هذه الأشغال كتسلية من جهة، وباب للتوفير من جهة أخرى، كما أنّها تعيد الاعتبار للتراث القديم في المجتمع، الذي بات يستسهل إهداء الهدايا الجاهزة التي ليس لها أيّ قيمة معنويّة؛ فالهدية تصل أسرع من اليد إلى القلب؛ لأنّها مصنوعة بحبّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع