مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف


آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ


عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما خرج ولا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحدٌ، ليدفع ظلماً أو ينعش حقّاً، إلّا اصطلمته البليّة، وكان قيامه زيادةً في مكروهنا وشيعتنا"(1).

انطلاقاً من هذا الحديث الشريف، قد تُطرح إشكاليّة مصير الثورات قبل قيام الحجّة المنتظرعجل الله تعالى فرجه الشريف، ما يحتاج إلى قراءة في عموم الروايات والمبادئ للإجابة عنها. فهل هذا الفهم صحيح؟!

•"ما خرج ولا يخرج..."
قال المتوكّل بن هارون راوي الصحيفة السجّاديّة: "لقيت يحيى بن زيد بن عليّ (حفيد الإمام زين العابدين عليه السلام) وهو متوجّهٌ إلى خراسان بعد مقتل أبيه، فسلّمت عليه، فقال لي: من أين أقبلتَ؟ قلت: من الحجّ. فسألني عن أهله وبني عمّه بالمدينة، وأحفى السؤال عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، فأخبرته بخبره وخبرهم وحزنهم على أبيه زيد بن عليّ عليه السلام. فقال لي: قد كان عمّي محمّدٌ بن عليّ عليه السلام أشار على أبي بترك الخروج، وعرّفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيتَ ابن عمّي جعفر بن محمّد عليه السلام؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعته يذكرُ شيئاً من أمري؟ قلت: نعم. قال: بِمَ ذكرني؟ خبّرني (...) فقلتُ: سمعته يقول: إنّك تُقتل وتُصلب، كما قُتل أبوك وصُلب. قال زيد: والله يا متوكّل، لولا ما ذكرت من قول ابن عمّي أنّني أُقتلُ وأُصلب، لما دفعتها (الصحيفة السجّاديّة بإملاء الإمام زين العابدين عليه السلام) لك... فإذا قضى الله من أمري وأمر هؤلاء القوم ما هو قاضٍ، فهي أمانة لي عندك حتّى توصلها إلى ابنَيْ عمّي محمّد وإبراهيم ابنيْ عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ عليهما السلام.

قال المتوكّل: فقبضت الصحيفة، فلمّا قُتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة، فلقيت أبا عبد الله عليه السلام، فحدّثته الحديث عن يحيى، فبكى واشتدّ وجْدُه به، وقال: رحم الله ابن عمّي، وألحقه بآبائه وأجداده.... ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: ما خَرَجَ ولا يَخرُجُ..."(2).

•متى تكون الثورة عزّاً للدين؟
يُستفاد ممّا تقدّم، أنّ من قام قبل قيام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، وادّعى الإمامة، ودعا الناس إلى نفسه، وجمع الناس حوله، أو لم يدّعِ الإمامة، ولم يدعُ الناسَ إليه، دون أن تتوفّر شروط الثورة بعد، فإنّ قيامه لن يكون مصيره إلّا الفشل. أمّا مَن دعا الناس إلى إمام زمانه -سواء أكان الثائر مجاهداً أم إماماً معصوماً كسيّد الشهداء عليه السلام- فقد تهيّأت له شروط الثورة على أساس "حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر"(3)، ولو أدّى ذلك إلى شهادة مثله عليه السلام؛ فإنّ في ذلك عزّاً للدين وقيامه وكرامته؛ إذ لا منافاة بين الشهادة وبين ضرورة الثورة وانتصار المجاهدين في سبيل الله.

•"ما وسعني القعود"
نقل شارح الصحيفة السجّاديّة في مقدّمة بيانه للخبر المتقدّم الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّ مفاده مشروعيّة الثورة التي تتوفّر على الشروط المذكورة أعلاه، وإن كان عدد الناصرين قليلاً. فقد روى سدير الصيرفيّ قال: "دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: والله، ما يسعك القعود. فقال: ولِمَ يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك. والله، لو كان لأمير المؤمنين عليه السلام ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عديّ. فقال: يا سدير، وكم عسى أن يكون؟ قلت: مائة ألف [إلى أن قال] سرنا حتّى صرنا إلى أرض حمراء، ونظر إلى غلام يرعى جداء، فقال: والله، يا سدير لو كان لي شيعةٌ بعدد هذه الجِداء، ما وسعني القعود. ونزلنا وصلّينا فلمّا فرغنا من الصلاة عطفت على الجِداء، فعددتها فإذا هي سبعة عشر"(4).

•الغلبة في بقاء الدين
لمّا وصل سيّد الساجدين عليه السلام إلى الشام، سأله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله: لمن كانت الغلبة؟ فأجابه عليه السلام: "إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة، فأذِّن ثمّ أقِم"(5)؛ أي: إذا أردت معرفة مَن غلب في الميدان عد إلى الأذان والإقامة لتعرف من يُذكر اسمُه ممّن لا يُذكر اسمُه. وإن شئت قلت: إنّ أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلاموإن قدّموا عدداً من فلذات أكبادهم في كربلاء قرابين في سبيل الله -لا سيّما حجّة الله سيّد الشهداء عليه السلام- إلّا أنّ عاقبة ذلك لم تكن إلّا إحياء ذكر الاسم المبارك لنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، بل إحياء لأصل الإسلام. ومعه لا يُعقل أن يكون القتل والاستشهاد أو الأسر علامة على هزيمة هؤلاء القادة الإلهيّين والمجاهدين، كما أنّ الهزيمة ظاهراً ليست دليلاً على عدم صحّة ثورة هؤلاء وصوابها، بل هي كما أفاد القرآن الكريم: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (التوبة: 52).

•الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تفيد روايات عديدة أنّ كلّ قيام وثورة قبل الظهور محكوم بالفشل ولا قيمة ولا أثر له، إلّا أنّ مخالفة ما ذكر للخطوط الأصليّة للمعارف القرآنيّة والسنّة القطعيّة قيد يفيد عدم اعتبار هذه الروايات؛ إذ في المقابل وردت أخبارٌ متعدّدة تحضّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وإقامة الحدود الإلهيّة، وإحياء كلمة الله، وهي مطلقة غير مقيّدة بزمان أو مكان دون آخر، ما يجعل الحيلولة دون إحياء الدين -لو كانت الظروف مهيّئةً لذلك أو دعت الضرورة إلى ذلك- أمراً بعيداً عن الصواب وزعماً باطلاً آفلاً. ثمّ إنّ الإفتاء بحرمة إقامة الحكومة الدينيّة في عصر الغيبة لا يعني إلّا الإفتاء بحاكميّة القوانين غير الإلهيّة وبحكومة أفراد غير لائقين لزعامة الأُمّة الإسلاميّة، وهو ما لا يرضى به الله تعالى، ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

•الثورة الإسلاميّة مثال ناجح
إنّ قيام الثورة الإسلاميّة في إيران كان قياماً مباركاً؛ إذ لم يكن قائدها يدعو إلى نفسه بحالٍ، وشروط القيام على تشكيل الحكومة الدينيّة كانت متوفّرة لديها. وقد انتهى هذا القيام المقدّس إلى تشكيل حكومة غيّرت المعادلات السياسيّة العالميّة، ومثّلت قدوةً لحركة عددٍ كبيرٍ من المسلمين وسائر البشر. لقد دعت هذه الثورة الناس إلى إمامة صاحب العصرعجل الله تعالى فرجه الشريف، واجتمع تحت ظلّها القائد والرعيّة، وهي التي تنتظر بفارغ الصبر لحظة تسليم مقاليد الحكم وراية النظام الإسلاميّ إلى هذا الإمام حال ظهوره.

•عواقب تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات المسلّمة، بل من آكد الفرائض الباعثة على إحياء وإقامة الأحكام الإلهيّة. كما أنّ الإعراض عنها سببٌ في نقص الهداية والسقوط في تيه وادي الضلالة والوقوع تحت طائلة خوفين (خوف من الله ومن خلق الله). ثمّة طائفة ترى أنّ على البشر في عصر غيبة إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يطأطئوا رؤوسهم ويهتمّوا بأمورهم الخاصّة دون غيرها. وقد استندت هذه الطائفة إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105).

ويدرك كلّ عاقل أنّ رأيهم هذا ليس إلّا مغالطة؛ إذ لا يشكّ اثنان في أنّ تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع والجهاد، وسائر تعاليم القرآن القطعيّة، يغلق الباب أمام هداية الفرد، فلا يقال إنّ ضلال من ضلّ بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يضرّ بإيمان من آمن؛ لوضوح أنّ تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع والجهاد، أو غيرها من الأحكام الإلهيّة، لن يكون قائماً بالقسط، فهو ليس بمهتدٍ، بل هو من الضالّين المضلّين.

 


(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الأول- الباب الثاني- بتصرّف.
1.الصحيفة السجادية، 12، رياض السالكين، ج1، ص188-192.
2. الصحيفة السجّاديّة، 8- 12. إنّ هذه الروايات وإن كانت توهم بأنّ زيد بن عليّ عليه السلام خرج من دون إذن المعصوم عليه السلام ودون رضاه، إلّا أنّ سائر الروايات والمصادر التاريخيّة تدفع هذا التوهّم. وللاطّلاع أكثر، راجع كتاب: شخصيت وقيام زيد بن علي (شخصيّة زيد بن عليّ وقيامه)، منشورات جامعة المدرّسين.
3. نهج البلاغة، الخطبة 3.
4. الكافي، الكليني، ج2، ص242.
5. الأمالي، الطوسي، ص677..

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع