مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

حكايا الشهداء: لا أبرح المكان إلّا وهو معي..


محمّد لمع


كان يوماً شتويّاً صافياً، والشمس تنشر خيوط دفئها فوق رؤوسنا، بعد أيّامٍ من المطر والبرد. جلسنا على أرضٍ اعشوشبت باكراً ذلك العام، نحتسي الشاي ونستمتع بالبساط الأخضر والزهرات اللواتي تفتّحن مع أوّل صحوٍ، على غفلةٍ من بقايا الثلج الذائب، لكنّ الهواء لم يخلُ من قرصةِ بردٍ منعشةٍ تنبئ باقتراب الربيع.


مرّ الوقتُ سريعاً قبل أن تتوقّف سيارة "الڤولڤو" قربنا، ويترجّل منها محمّد. سلّم على الجميع، ثمّ أخذني جانباً وقال:

- "بلال، الليلة سنغادر، تجهّز جيّداً".

- "إلى أين؟".

- "العمليّة في منطقة النبطيّة وليست هنا في الإقليم، ما زلت لا أعرف التفاصيل، لكنّ الظاهر أنّه اقتحام موقعٍ. سأمرّ لاصطحابك بعد صلاة المغرب".

أنهى محمّد كلامه ثمّ اعتذر وغادر، وبقيتُ أنا مكاني أفكّر في الليلة وما ستحمله معها.

•صاحب الصوت الشهير
كنتُ مصوّراً في الإعلام الحربيّ، وسلاحيَ الكاميرا، لكنّي بالطبع كنت أحمل رشّاشاً وأشارك في المواجهات متى دعت الحاجة، أمّا محمّد فكان خبيراً في التفخيخ ونسف الدشم والتحصينات.

عند الغروب، كنّا في مركزٍ في مدينة النبطيّة، نتسلّم العتاد اللازم، وأذكر أنّ الكهرباءَ كانت مقطوعةً، فحصل التوزيع على ضوء الشموع. بعد ساعةٍ، كنّا في حرج "عليّ الطاهر" في خراج النبطيّة الفوقا وكفرتبنيت. أنزلتنا سيّارةٌ هناك، فأسرعنا بعتادنا نلوذ بشجرة سنديانٍ كبيرة.

بعد قليلٍ، سمعتُ صوتاً أعرفه جيّداً، لطالما أحببتُ صاحبه الذي ذاع صيته بين المجاهدين في المحاور جميعها. راح صاحب الصوت يتنقّل بين المجموعات المستريحة تحت الأشجار، يشرحُ تارةً، ويضحكُ أخرى، ويصلّي على النبيّ وآله بصوتٍ عالٍ أحياناً، فحرّك قدومه الإخوة جميعهم حتّى صاروا كخليّة نحلٍ تتهيّأ للرحيل بعد أن أطلّ الربيع وضاق بها القفير. لقد كان سمير مطّوط، صاحب ذلك الصوت، قائد العمليّة التي سنخوضها.

•على وقع التكبيرات
لم نهاجم الموقع تلك الليلة، لأسبابٍ لها علاقةٌ بأداء جنود العدوّ وكمائنهم، تبعاً للأخبار الآتية من الراصد، فبتنا في الغابة ننتظر الليلة الثانية.

وفي الليلة الثانية، تقدّمتُ ومحمّداً باتّجاه موقع "عليّ الطاهر" من جهة كفرتبنيت، بعدما تلقّينا الأوامر بذلك إيذاناً باقتراب موعد الهجوم. وقبل أذان الفجر، كان الموقع يشتعل بالقذائف التي تساقطت على كلّ زاويةٍ من زواياه، وكذلك اشتعلت التكبيرات في حناجر مجموعة الهجوم والالتحام، ومن بينها حنجرة سمير بلكنته المميّزة. دقائق، وصار الموقع تحت سيطرة الإخوة الذين دخلوه من بوّابته دون حاجةٍ إلى شقّ طريقٍ إليه. لم يكن لي ولمحمّد أيّ دورٍ بعد، فأنا لا أصوّر في الليل، ومحمّد لا حاجة إلى عبواته، فجلسنا خلف صخرةٍ قرب سواتر الموقع ننتظر أمراً، قبل أن يحدث ما هو متوقّع عادةً، لكن ليس بهذا الشكل.


•"حجابي سيحميني"
بدأت دبّابةٌ في موقع الدبشة القريب من "عليّ الطاهر" تصبّ حمم قذائفها على رؤوس المجاهدين الذين اقتحموه وصاروا داخلَه. وبوضوحٍ كبيرٍ استطعنا سماع صوت استغاثةٍ من خلف السواتر العالية، وكان صاحب النداء أحد أفراد مجموعة الهجوم. أطرقنا رأسَينا إلى الأرض كمن لا حول له، وأصوات الاستغاثة تبلغ مسامعنا، فقال لي محمّد:

- "لا يمكن أن نبقى هكذا، علينا فعل شيء. أفكّر في دخول الموقع"!

- "كيف؟ والقصف؟".

- "معي حجابٌ سيحميني"، أجاب ضاحكاً.

- "أيّ حجاب؟".

- "عندما غادرتُ البيت يوم أمس، أعطتنيه أمّي وقالت إنّه سيحميني، فسألتها ممازحاً إن كان مضادّاً للطائرات أيضاً، فردّت بالإيجاب".

وبينما نحن نكمل الحوار، ازداد الأمر صعوبةً، فقد سمعنا صوت دبّابةٍ أخرى راحت تتقدّم تُجاه "عليّ الطاهر" من جهة الجرمق، أتت للمؤازرة.

فجأةً، رأيتُ محمّد ينهض من مكانه ويقول:

- "أنا داخلٌ إلى الموقع، اِبقَ هنا".

لم أملك في هذه اللحظاتِ إلّا الدعاء له وللباقين، لكنّ شبحَ إنسانٍ قصيرٍ بجسمٍ هزيلٍ يجرّ خلفه جسداً أكبر منه، جعلني أفيق من حالة الدعاء هذه. كان محمّد قد عاد بجريحٍ لا يستطيع حمله، فراح يسحبه على الصخور، ولمّا رآني، طلب منّي أن أحمله معه، وهكذا فعلت وأنا مذهول من نجاته، وقد صرت متيقّناً أنّ العناية الإلهيّة ببركة حجاب والدته هي التي أرجعته سالماً.

•"لن نتركه هنا"
- "بلال، علينا الانسحاب تُجاه الحرج فوراً، لم يعد هناك فائدةٌ من البقاء هنا، فدبّابة الجرمق كادت أن تصل إلينا، والإخوة داخل الموقع استشهدوا". قال محمّد بلهجةٍ حاسمةٍ، فنفّذت أمره دون تردّد. لم يكن معنا حمّالةٌ، والتعب أنهك جسدَينا في تلك الليلة التي كاد فيها دمي أن يتجمّد في العروق، وتصلّبت عضلات قدميّ، فلم أعد أقوى على الركض وحمل الأخ الجريح.

وبينما نحن كذلك، سمعنا صوت شيءٍ يدوّي فوق رؤوسنا، فانبطحنا أرضاً ظنّاً منّا أنّه قذيفةٌ. انبطحت أنا فوق جسد الأخ الجريح، فاستطعت رؤية عينيه وقد ابيضّتا، وهي من علائم الموت، فصحتُ بمحمّد: "لم يعد وضعه يحتمل، والعلم عند الله ربّما يكون قد استشهد"، لكنّ محمّداً أصرّ على حمله وقال: "سنحمله ولو استشهدنا معه، لن نتركه هنا، لا أبرح المكان إلّا وهو معي". وصلنا إلى الحرج ونحن نلتقط أنفاسنا، حيث لاقانا مجموعةٌ من الإخوة الذين جاؤوا بحمّالةٍ نقلوا عليها الجريح إلى سيّارة إسعافٍ للهيئة الصحيّة، فيما لذنا نحن إلى مكانٍ آمن. وقد علمنا لاحقاً، أنّ الجريح استعاد عافيته، على الرغم من النزيف الشديد الذي تعرّض له.

•الوصيّة الأخيرة
حمل إلينا ضوء النهار خبر استشهاد سمير مطّوط، فما عرفنا خبراً أشدّ وطأةً علينا منه، لكنّ الأقسى من ذلك كان أسر جثمانه الطاهر. سمير الذي كان ينوي العودة بأسرى من "عليّ الطاهر" ليبادلهم بأسرى معتقل الخيام، صار جسدُه أسيراً عند الصهاينة. قبل العمليّة، ترك وصيّةً وصفها بأنّها "الأخيرة، إن شاء الله"، طلب فيها من الله أن لا يلقاه سليم الجسد تأسّياً بالإمام الحسين عليه السلام.. لعلّ أسر جثمانه هو استجابةٌ لدعائه، فقد دام انتظارنا عشرة أعوامٍ قبل عودته بالتبادل عام 1996م.

•أعوام إضافيّة في خدمة المقاومة
توقّف بلال عن الكلام، رفع نظّارته، مسح دموعه، وطال صمته قبل أن يعاود: "بعد مرور ثلاثين عاماً، ما زال محمّد قادراً على تحريك مشاعرنا واستنزال الدموع، رحمة الله عليه، لم يكن أوان شهادته قد حان بعدُ في (عليّ الطاهر)، أو ربّما أخّر دعاء والدته وحجابها أجله، وادّخره الله ليكون قائداً وملهماً ومعلّماً لكثيرٍ من رعيل المقاومة الأوّل في إقليم التفّاح".

لا يمكن لأحدٍ تخيّل المشهد حين اقتحم الموت بشجاعةٍ لينقذ الأخ الجريح، تلك النخوة والشجاعة نادرتان، وجسده النحيل لم يكن ليساعده لولا أن كان له قلبٌ ممتلئٌ باليقين والحبّ لإخوته. كان مكتوباً له أن يعيش نحو ثلاثة أعوامٍ إضافيّةٍ ليزرع المقاومة في فكرِ ووجدانِ كلّ من عرفه في الإقليم، قبل أن يستشهد في مليتا ويطوف نعشه في شوارع عربصاليم. شيّعه من تتلمذوا على يديه، وتخرّجوا من مدرسته، كأمثال الشهيدَين أبي عيسى ومصطفى حيدر وكثيرين ما زالوا أحياءً يقودون المسيرة وشعبهم نحو الحرّيّة.


1.(*) الشهيد محمد علي مقلّد، مواليد عربصاليم، استشهد في مليتا بتاريخ 3/11/1988م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع