مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*) أخلاقنا: الذرّيّة الصالحة..حياة(*) الحاج قاسم سليماني عن قـرب الشهيد المهندس.. في القلب والذاكرة مناسبة: أمُّنا فاطمة عليها السلام  أسرتي: الجفاف العاطفيّ يهدم الأسرة آخر الكلام: شعورٌ مؤقّت أوّل الكلام: أقوياء ولكن...

تجليات رحمانية

بسم الله الرحمن الرحيم‏
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على مُحمدٍ وآلِ الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله، وأن علياً أمير المؤمنين وأولاده المعصومين صلوات الله عليهم خلفاؤه، وأن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقٌ، وأن القبر والنشور والجنة والنار حقٌ، وأنّ الله يبعث من في القبور.

وصيةٌ من أب كهل أمضى عمراً عاطلاً، لم يتزود منه بزاد الحياة الأبدية، ولم يرفع خطوة خالصة لله المنان، ولم يتخلص من الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية؛ إلا أنه لم ييأس من فضل الله الكريم وكرمه، ويأمل بعفوه وعطفه، وهما وحدهما زاد طريقه؛ إلى ابن ينعم بنعمة الشباب وأمامه فرصة لتهذيب النفس وخدمة خلق الله، وكما أن أباه الكهل راضٍ عنه، يؤمل أن يرضى الله الكبير عنه أيضاً، ويرزقه أكبر توفيق في خدمة المحرومين، وهم يمثلون أكثر أبناء الشعب، ممن أوصى بهم الإسلام.

ولدي أحمد الخميني -رزقك الله هدايته- سواء أكان العالم أزلياً وأبدياً أو لم يكن، وسواء أكانت سلالات الموجودات متناهية أو لم تكن، فإنهم جميعاً فقراء ولأن وجودهم ليس من ذاتهم. فلو تمعّنت بإحاطة العقلية بجميع السلالات اللامتناهية لاستمعت إلى نغم الفقر الذاتي والاحتياج في وجودهم وكمالهم إلى موجود، هو موجود بالذات وكمالاته ذاتية؛ ولو خاطبت السلالات (الفقيرة بالذات) رفع احتياجاتكم؟"، لأجابت جميعها بلسان فطرتها: إننا محتاجون لموجود ليس بذاته فقير مثلنا في الوجود وكمال الوجود، وهذه الفطرة أيضاً ليست من ذاتهم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ففطرة التوحيد من الله، والمخلوقات الفقيرة بالذات لا تتبدل إلى غنية بالذات، ولا يمكن أن يحدث مثل هذا التبديل، ولأنها فقيرة ومحتاجة بالذات، فإنه لا أحد غير الغني بالذات يمكنه أن يرفع فقرها؛ وهذا الفقر الذي يعتبر لازمهم الذاتي هو دائم سواء أكانت هذه السلالات أبدية أم لم تكن، ولن يحل أمورهم غيره؛ ومهما تميز أيُّ منهم بالكمال والجمال فإنها ليست ذاتية، بل إنها مظهر أو انعكاس لكماله وجماله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى؛ وهذه القاعدة تصدق على كل شي‏ء فعل وقول وتصرف؛ ومن يذعن لهذه الحقيقة ويتذوقها فإنه لن يعتمد على أي أحدٍ سواه، ولن يطلب أية حاجة إلا منه...
إذن اسع لأن تفكر بشأن هذه البارقة الإلهية في خلواتك، ولقن فؤادك وملكوتك ذلك مراراً حتى تظهر على لسانك وتتجسد في مُلك وملكوت وجودك، وتتصل بالغني المطلق لكي تكون مستغنياً عن سواه، واطلب منه توفيق الوصول، وأن يرزقك شرف الحضور عنده وإذن الدخول.

ابني العزيز: إنه جل وعلا الأول والآخر والظاهر والباطن، ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن، "أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المُطهِرَ لك. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلُ عليك، ومتى بعُدت حتى تكون الآثار التي توصل إليك، عمِيت عينُ لا تراك عليها رقيباً"... والشاعر يقول:

بنهان نئى زديده كه يداكنم ترا

غايب نبوده أي كه تمناكم ترا

ومعناه: لم تكن غائباً حتى أطلبك، ولم تكن مختفياً عن الأنظار حتى أبحث عنك. إنه ظاهر، وكل ظهور فهو له، وإننا لسنا سوى حجاب، حيث إن أنانيتنا هي التي جعلتنا محجوبين: تو خود حجاب خودى حافظ ازميان برخيز، ومعناه: (إنك - يا حافظ - حجاب نفسك، فقُم). إذن لنلجأ إليه ونطلب منه - تبارك وتعالى - بتضرع وابتهال أن ينقذنا من الحُجب. "وإلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قُلُوبنا بضياء نظرها إليك. حتّى تخْرِق أبصارُ القُلوب حُجُب النّور، فتصل إلى معدن العظمة. وتصير أرواحنا مُعلقة بعز قدسك، إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق لجلالك".

ولدي: إننا لا زلنا في قيد حجب الظلام التي تليها حُجب النور، ونحن المحجوبون لا زلنا داخل ملتويات أحد أزقتها.

بني: إن لم تكن من أهل المقامات المعنوية، اسع لأن لا تنكر المقامات الروحية والعرفانية، لأن الإنكار من أكبر المكائد الشيطانية، ومن وساوس النفس الأمارة التي تحول دون سمو الإنسان في المراتب الإنسانية والمقامات الروحية، إن الشيطان يدفع الإنسان إلى الإنكار، وأحياناً إلى الاستهزاء بالسلوك إلى الله الذي يؤدي إلى معاداته ومخالفته، وبالتالي القضاء على كل ما جاء به جميع الأنبياء العظام صلوات الله عليهم، والأولياء الكرام سلام الله عليهم، والكتب السماوية لا سيما القرآن الكريم، هذا الكتاب الخالد والمربي للإنسان. أجل، إن هذا القرآن الذي يمثل كتاب معرفة الله وطريق السلوك إليه - جل وعلا - قد تم تحريف معانيه على يد الأصدقاء الجهلة، وأدوا به إلى الانزواء والانكفاء، كما تغلغلت إلى ساحته الآراء المنحرفة والتفاسير الارتجالية التي نهى عنها أئمة الإسلام عليهم السلام مراراً، وتعامل معه كل شخص حسب نفسيته ومزاجه الخاص. لقد نزل هذا الكتاب العزيز في عصر وبيئة، تميزت بأنها أشد البيئات ظلاماً، وعاش في ذلك العصر أكثر الناس تأخراً، كما أنه نزل على القلب الإلهي لشخص كان يعيش في مثل هذه البيئة والظروف... وقد تضمن هذا الكتاب حقائق ومعارف لم يألفها من قبل عالم تلك الأيام والبيئة التي نزل فيها؛ وكانت هذه أكبر وأسمى معجزة تميز بها.

أجل تضمن القرآن مسائل عرفانية كبرى، لم يسمع بها فلاسفة اليونان، وكانت كتب أرسطو وأفلاطون اللذين يعتبران من أكبر فلاسفة تلك العصور، أعجز من أن تصل إلى تلك المعارف. حتى أن فلاسفة الإسلام الذين تربوا في مهد القرآن الكريم. ونهلوا من منهله، أوّلوا الآيات التي تحدثت بصراحة عن وجود الحياة عند جميع موجودات الكون، كما أن عرفاء الإسلام الذي أخذوا معارفهم من الإسلام، واقتبسوها من القرآن الكريم، ذكروا أن المسائل العرفانية التي يتطرق إليها القرآن الكريم ليست موجودة بهذا الشكل في أي كتاب آخر، وهذه بذاتها معجزة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي له معرفة بمبدأ الوحي إلى درجة بحيث يمكنه أن يكشف أسرار الوجود، وقد كشف الحقائق بعروجه إلى قمة الكمال الإنساني، حيث يراها دون أي حجاب؛ وفي ذات الوقت له حضور في جميع الأبعاد الإنسانية وكافة مراحل الوجود، وهو المظهر الأعلى ل ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن ويريد أن يصل جميع بني الإنسان إلى هذه المرتبة، ولأنهم لم يصلوا إلى هذه المرتبة فإنه يتألم من ذلك، وكأن ما ورد في هذه الآية: ﴿طه* ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إشارة رائعة لذلك المعنى؛ كما أن الحديث الشريف: "ما أذوي نبي مثلما أُوذيت" يرتبط بهذا المعنى نفسه.

إن من يصل إلى هذا المقام أو ما يشبهه لا يختار الانكفاء عن العباد والابتعاد عنهم، فالأنبياء كانوا مكلفين بتعليم الضالين مثل هذه الأمور وإرشادهم، رغم أنهم لم يوفقوا إلا قليلاً... وحتى الذين وصلوا إلى بعض المقامات وتجرعوا جرعة منها وذابوا في البحر الإلهي، ظلوا في حالة (الصعق)، بعد أن تحلى الحق له، استيقظ ثانية بقدرة الله، وكلف بأداء الرسالة، كما أن رسول الله الخاتم الذي وصل إلى أعلى مراتب الإنسانية، بعيداً عن تصور بني البشر، وأصبح مظهر الاسم الأعظم الجامع، خوطب من قبل الله ب:﴿يا أيها المدثر قم فأنذر، وكلف بإرشاد الناس وهاديتهم.

ولدي العزيز: إن ما أشرت إليه آنفاً - رغم أنني لا شي‏ء بل أقل من ذلك - هو لكي أؤكد لك أنه لم تصل إلى أية مرتبة، ينبغي أن لا تنكر المقامات المعنوية والمعارف الإلهية، وكن من الذين يوادون الصالحين والعارفين، حتى لو تكن منهم، ولا تغادر هذه الدنيا وأنت عدو لأولياء الله المتعال.

بني: تعرّف على القرآن أكثر، فإنه كتاب المعرفة الأعظم، حتى لمجرد قراءته فإنه يفتح السبيل إلى المحبوب، ولا تظن أن قراءة من دون معرفة لا أثر لها، حيث إن ذلك من وساوس الشيطان... لأن هذا الكتاب صادر من قبل المحبوب لك وللجميع... وإن كتاب المحبوب محبوب، حتى لو كان المحب يجهل فحواه، وعن طريق هذا الدافع ستنال حب المحبوب، وهو الكمال المطلوب وقد يأخذ بيدك. فلو أننا سجدنا في جميع لحظات عمرنا شكراً لله على أن جعل القرآن كتاباً لنا، فلن نوفي حق هذه النعمة.

ولدي: إن الأدعية والمناجاة التي وصلتنا من الأئمة المعصومين عليهم السلام تمثل أكبر دليل ومرشد إلى معرفته (جل وعلا) وأسمى السبل المؤدية لعبوديته، وأفضل رابط بين الحق والخلق؛ وتشتمل على المعارف الإلهية، وهي الوسيلة للأنس به، وهي ثمار أهل بيت الوحي، وأنموذج لأحوال أصحاب القلوب وأرباب السلوك... فلا تدع وساوس الجاهلين تغفلك عن التمسك بهؤلاء، أو الأنس معهم إن استطعت... ولو أننا عبدنا الله طوال عمرنا شكراً له، على أن جعل هؤلاء الأبرار والأخيار والمرتبطين بالحق أئمة لنا ومرشدينا، فإننا لن نوفي حق هذه النعمة.

من وصاياي -وأنا ألفظ آخر أنفاسي وأقف على أعتاب الموت- إليك وأنت تتمتع بنعمة الشباب: أن تختار معاشريك وأصدقاءك من الأشخاص الملتزمين والمستقيمين والمهتمين بالمعنويات، والذين لا يميلون إلى حب الدنيا وزخارفها، ويكتفون بالقدر المعقول والعادي من الأموال والحاجات الدنيوية، والذين تتميز محافلهم ومجالسهم بالبعد عن الذنوب والمعاصي، والمتميزين بالأخلاق الكريمة، لأن المعاشرة والمصاحبة تترك تأثيرها على الطرفين إصلاحاً أو إفساداً. واسع من أجل الابتعاد عن المجالس التي تدفع الإنسان للغفلة عن ذكر الله، لأن الاستئناس بمثل هذه المجالس لربما يؤدي إلى حرمان الإنسان من التوفيق؛ وهذا بحد ذاته مصيبة لا يمكن جبرها.

اعلم أن في كل إنسان - إن لم نقل في كل موجود - حباً فطرياً للكمال المطلق، وحباً للوصول إلى الكمال المطلق، ويستحيل أن ينفصل عنه هذا الحب. كما أن الكمال المطلق يستحيل أن يكون اثنين أو مكرراً، لأن  الكمال المطلق هو الحق جل وعلا، والجميع يريدون الكمال المطلق ويتعلقون به، رغم أنهم لا يدركون ذلك، ويغوصون في حجب الظلام والنور التي تصور لهم أنهم يريدون أشياء أخرى، وهم لا يقتنعون بأي كمال وجمال أو قدرة، أو مكانة يصلون إليها، ولا يجدون ضالتهم فيها. وإن القوى المتكبرة والعظمى لا تقنع بأية قدرة تصل ءليها، وتبحث دوماً عن قدرة أعلى، كما أن طلاب العلم لا يقتنعون بأية درجة علمية يصلون إليها، حيث يطلبون دوماً درجة علمية أعلى ولا يجدون فيها ضالتهم التي يغفلون عنها هم أنفسهم. فلو منح اللاهثون خلف القدرة قدرة التسلط والتصرف في كل العالم المادي، بما يشمل الكواكب والمنظومات الشمسية والمجرات وكل ما يفوقها، ثم قيل لهم: "إن هناك قدرة أخرى فوق تلك القدرات، وعالم آخر أو عوالم أخرى أعلى منها، فهل ترغبون في الوصول إليها"؟. يستحيل أن لا يتمنوا ذلك، بل إنهم يقرّون بلسان الفطرة: يا ليتنا نصل إليها...

كذلك الأمر بالنسبة لطالب العلوم؛ فإذا شك أن هناك مقاماً آخر فوق ما يملكه، فإن فطرته المطلقة الباحثة ستقول: يا ليته كان موجوداً وكان لي قدرة التصرف به، أو ليت سعة علمي تشمله أيضاً.  إن الأمر الذي يطمئن الجميع ويخمد نيران النفس الملتهبة والطاغية يكمن في الوصول إليها - جل وعلا - وفي ذكره الحقيقي، لأن الاستغراق في هذا الذكر، وهو المعبر عن وجوده وعظمته، يبعث السكينة والاطمئنان: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وكأن الذكر يقول: انتبه، اجعل ذكر الله مستعراً دوماً حتى يطمئن قلبك المتحير والمندهش والمتنقل من طرف لآخر ومن غصن لأخر. لهذا، يا ولدي العزيز الذي أدعو له أن يُطمئن الله قلبه بذكره، استمع إلى نصيحة ووصية أبيك المتحير والمندهش، فلا تطرق الأبواب من أجل الوصول إلى مقام أو شهرة، أو ما يلبي الشهوات النفسية؛ لأنك أينما وصلت فإنك ستتأثر بما لم تستطع أن تصله من مقام أعلى، وتتحسر على ذلك المقام، وسيزداد انزعاجك الروحي... ولو قلت: لماذا لم توجه هذه النصيحة إلى نفسك، لقلت: "انظر إلى ما قيل، لا إلى من قال".
 
إن هذا الكلام صحيح، حتى لو صدر عن مجنون أو مفتون. والقرآن الكريم بعد أن يقول: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها يضيف بالقول: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. فالإنسان في هذا العالم معرض للتحولات، فقد تنهال عليه المصائب أحياناً، أو تظهر الدنيا له حسنها، أو تقبل عليه أحياناً أخرى ويصل إلى المقام والمنصب والجاه ويحقق المكاسب والأهداف والآمال، وينال النعم والقدرة، وكلا الحالتين زائلتان ولن تدوما. لذا فلا تحزنك الحالة الأولى، إن عرضت لها، وأصبت بالنقص والمصائب، ولا تفقد الصبر أبداً، لأن المصائب والنقائص تكون أحياناً سبباً للخير والصلاح لك. ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.... وإن أقبلت عليك الدنيا ونلت ما اقتضته الشهوات، فلا تنسَ نفسك وتصاب بالتكبر والفخر على عباد الله، فعسى أن ترى شيئاً خيراً لك وهو شر لك.
 

ولدي: إن سبب كل مذمة، وأساس كل شقاء ومصيبةٍ وهلاك ورأس جميع الخطايا والأخطاء، هو حب الدنيا، وهو ينشأ من حب النفس. إن عالم المُلك (الكون) لا يقبل الذم، بل إنه مظهر الحق ومقام ربوبيته ومهبط ملائكة الله، ومسجد ومكان ومحل تجلي الحق على قلوب عشاق المحبوب الحقيقي. وإن حب عالم الملك لو كان ناشئاً عن حب الله ومظهراً له - جل وعلا - فإنه أمر مطلوب وموجب للكمال، ولو كان ناشئاً من حب النفس فإنه رأس كل خطيئة. إذاً فالعالم المذموم يتجسد فيك... حيث إن التعلق والاعتماد القلبي على غير صاحب القلب يؤدي إلى السقوط.

إن جميع حالات مخالفة الله والابتلاء بالمعاصي والجرائم والخيانة ناتجة عن حب النفس الذي ينشأ منه حب الدنيا وزخارفها، وحب المقام والجاه والمال والآمال؛ في حين أن الفطرة الإنسانية تقتضي أن لا يرتبط أو يتعلق أي قلب بغير صاحب القلب، إلا أن حجب الظلام والنور هي التي تؤدي إلى غفلتنا وغفلة الجميع عن صاحب القلب الحقيقي؛ وهي تنيب خطأً صفات صاحب القلب الحقيقي إلى غيره؛ إنها ظلمات فوق ظُلمات. إننا وأمثالنا لم نصل إلى الحجب النورانية، ولا زلنا أسرى الحجب المظلمة... وإن من يقول: "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حُجب النور"، فتصل إلى معدن العظمة، فهو مجتاز للحُحب المظلمة. إن الشيطان الذي عصى أمر الله، ولم يخضع لآدم كان قد أصابه التكبر في حجبه المظلمة، حيث قال: ﴿خلقتني من نار وخلقته من طين. وقد طرد من الساحة الربوبية. ونحن أيضاً ما دمنا في حجابنا النفسي، ولا نفكر إلا بأنفسنا وما دمنا أنانيين فإننا شيطانيون ومطرودون من محضر الرحمان، وكم هو صعب تحطيم هذا الصنم الكبير (النفس) الذي يعتبر أم جميع الأصنام؛ وما دمنا خاضعين له وننفذ أوامره لا يمكن أن نكون خاضعين لله ومنفذين لأوامره جل وعلا. وإن لم يتحطم هذا الصنم، فإن حجب الظلام لن تزال، ولن تجتث أبداً.

ينبغي أولاً أن نعرف ما هو الحجاب، لأننا لو لم نعرف ما هو الحجاب فلن نتمكن من رفعه أو على الأقل إضعافه، أو الحؤول دون زيادة سماكته وقوته كل يومٍ كحدٍ أدنى. جاء في الحديث أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا عنده وطرق مسامعهم صوت؛ فسألوا: ما هذا الصوت: فقال لهم: إنه صوت حجر تحرك قبل سبعين عاماً من شفا جهنم، وقد وصل الآن إلى قعرها؛ وهناك عرفوا أن كافراً مات منذ سبعين عاماً. ولو كان هذا الحديث قد صدر فعلاً، وسمع صوت الحجر من قبل أحد العارفين، أو أنه وصل إلى مسامعهم بتصرف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتنبيه الغافلين وتوعية الجاهلين، أو أنه لم يصدر - مع أني لا أذكر الآن نص الحديث - إلا أن أصل القضية يكمن في هذا الأمر: فنحن نقضي عمراً كاملاً في السير نحو جهنم، ونؤدي خلال عمرنا الصلاة - التي تعتبر أكبر مذكر بالله تعالى - ونحن نوجه طهرنا للحق وبيته (جل وعلا) ونوجه وجوهنا إلى أنفسنا وإلى بيت النفس، وكم هو مؤلم أن تكون صلاتنا سبباً لأخذنا إلى أنفسنا وإلى منفانا الجهنمي بدل أن يكون معراجنا نحو الله وإلى جنة لقائه جل وعلا.

ولدي: إن ذكر هذه الإشارات هو ليس لكي يجد ى‏مثالي وأمثالك طريقاً نحو معرفة الله وعبادة الله بما يستحقه جل وعلا، وقد روي عن أعرف الموجودات بالحق المتعال أنه قال: "ما عرفناك حق معرفتك وما عبدناك حق عبادتك"؛ بل حتى نفهم عجزنا وندرك أننا لا شي‏ء أبداً ونمحو أنانيتنا وإنّيتنا، ونقلل من غرور وعناد هذا الغول. ونأمل أن نوفق ف يلجمه، وهذا مما ينقذنا من خطر عظيم مجردٌ تذكره يحرق الروح.
يا له من خطر كبير يواجه الإنسان في اللحظات الأخيرة من فراقه لهذا العالم ونزوحه نحو المنزل الأبدي. الذي ابتلى بحب النفس، والذي يتبعه حب الدنيا بأبعاده المختلفة، فقد يتبيّن للإنسان خلالها بعض الأمور، ويدرك أن المكلف من قبل الله يهم بفصله عن محبوبه ومعشوقه. نقول إن مثل هذا الإنسان يفارق هذه الدنيا مع معاداته لله وغضبه ونفرته منه، وهذه هي عاقبة حب النفس وحب الدنيا، وقد أشارت الروايات إلى هذا الأمر .

وقد نقل أحد العبّاد الثقاة أنه حضر عند فراش محتضر وسمعه يقول: إن ما يصبّه الله علي الآن من ظلم لم يظلمني مثله أي أحد، لأنه يفرّقني عن أولادي الذي ربيتهم وكبرتهم بكل مشقة وتعب... وقد قمت من عنده، وبعدها فارقت روحه جسده ومات. (ربما تختلف بعض العبارات التي قلتها عما قاله بالضبط ذلك الشخص العابد)... على أي حال إن ما قلته - حتى لو كان هناك احتمال بأن يكون صحيحاً - فإنه مهم إلى درجة بحيث يجب على الإنسان أن يفكر بحل هذه المعضلة. لو تفكرنا لساعة في موجودات العالم التي نحن منها، وأدركنا أن كل موجود لا يملك أي شي‏ء من عند نفسه أبداً، وإن ما حصل عليه وغيره في هذه الدنيا ليس سوى ألطاف إلهية وهبات منه جل وعلا، وإن الألطاف التي تفضل بها علينا الله المنان، سواء قبل ولادتنا أو أثناء حياتنا في هذه الدنيا، منذ الطفولة وحتى آخر العمر أو بعد الموت بفضل العوامل الوسيطة المكلفة بهدايتنا، قد تكون بارقة من حبه -جل وعلا- ونحن محجوبون عنها، ظهرت عندنا وعرفنا من خلالها مدى خوائنا. وهذا يفتح علينا سبيلاً نحوه - جل وعلا - أو كحد أدنى ننجو من الكفر الجحودي، وأن لا نعتبر إنكارنا للمعارف الإلهية والفضائل الرحمانية فخراً لنا وشرفاً نعتز به، لأننا آنذاك سنحبس في بئر أنانيتنا وفرديتنا المظلم.

يُذكر أن الله تعالى خاطب أحد أنبيائه بأن يأتيه بمن هو أسوأ منه، فأخذ جيفة حمار ميت ودفعها عدة أقدام إلى الأمام، إلا أنه ندم وتراجع مباشرة، فخوطب: لو كنت قدمته لسقطت من مقامك... لا أعرف هل لهذه الرواية أصل أم لا؟ إلا أنها تبين أن الأولياء إذا فكروا بأنهم أفضل من غيرهم، فإن ذلك سيؤدي إلى سقوطهم من مقامهم؛ وهذا هو عين الأنانية والغرور. ولهذا كان النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم يأسف ويتألم بكل روحه وكيانه على عدم إيمان المشركين برسالته، مما يدعو لمخاطبته من قبل الله: ﴿لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً. ألا يدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعشق كل عباد الله؟ وأن عشق الله هو عشق مظاهره... إنه يتألم بسبب الحجب المظلمة لغرور وأنانيات المنحرفين التي تؤدي إلى شقائهم، وبالتالي إلى عذاب جهنم الأليم، الناتج عن أعمالهم التي اقترفوها في هذه الدنيا. كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد السعادة للجميع، قد بعث من أجل سعادة الجميع، إلا أن المشركين والمنحرفين فاقدي البصيرة كانوا يعادونه بالرغم من أنه جاء لإنقاذهم.

فلو استطعنا أن نوفق في إيجاد بارقة من هذا العشق لمظاهر الحق المتجلي في أوليائه، في أنفسنا وطلبنا الخير للجميع نكون قد وصلنا إلى درجة من الكمال المطلوب. ندعو الله تعالى بأن يحيي قلوبنا الميتة بفيض رحمته وحمة مختارة الذي بعث رحمة للعالمين. وأهل المعرفة يعرفون أن اتباع أسلوب الشدة مع الكفار، وهو من صفات المؤمنين، وقتالهم يعتبر رحمة أيضاً، وهي من ألطاف الحق الخفية. وأن الكفار والأشقياء، مع كل لحظة تمر من عمرهم، فإنه في الحقيقة تحصل زيادة كمية ونوعية إلى ما لا نهاية في عذابهم الذي يتحمّلون مسؤوليته أيضاً.. إذاً فإن قتل هؤلاء الذين لا يؤمل بإصلاحهم هو في الواقع رحمة بشكل غضب، ونعمة بشكل نقمة. كما أنه رحمة للمجتمع. لأن العضو الذي يجر المجتمع نحو الفساد يشبه أي عضو في بدن الإنسان، الذي إن لم يقطع يؤدي به إلى الهلاك. وهذا هو نفسه الذي طلبه نبي الله نوح صلوات الله وسلامه عليه من الله تعالى: ﴿وقال نوح ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً.. ولهذا كله فإن جميع الحدود والقصاص والتعزيرات التي شرعها أرحم الراحمين هي رحمة لمن تطبق عليه، ورحمة للمجتمع..

ولدي: فلأعبر هذه المرحلة... وأقول لك اسع - قدر الإمكان - أن تكون نظرتك إلى جميع الموجودات، لا سيما بني الإنسان، نظرة رحمة ومحبة عن طريق التفكير والتلقين.
أليس أن جميع الموجودات هم محل رحمة رب العالمين من نواحٍ عديدة لا تحصى: أليس أن وجودهم وحياتهم وجميع بركاتهم وآثارهم هي من رحمة الله ومواهبه النازلة على الموجودات؟ وقد قيل: "كُلُّ موجودٍ مرحوم". وهل يمكن لموجود، ممكن الوجود، أن يكون له أي شي‏ء من ذاته، أو أنه أعطي أي شي‏ء من قبل موجود ممكن الوجود مثله؟ فهذه رحمة رحمانية شاملة لجميع العالم. أو ليست تربية الله رب العالمين، والتي تشمل كل العالم هي مظهر للرحمة، وهل يمكن للرحمة والتربية أن تشمل العالم إن لم تكن محاطة برعايته وألطافه؟ إذن لماذا لا نحب الشي‏ء الذي شملته رعاية الله وألطافه ومحبته؟ و"إن لم يكن كذلك، ألا يعتبر ذلك نقصاً فينا وأنانية وغروراً؟ الآن وقد كهلت دون أن أتمكن من التخلص من هذا النقص وغيره من النقائص العديدة، وأنت لا زلت شاباً وأقرب إلى رحمة الحق وملكوته، فاسع للتخلص من هذا النقص، ندعو الله تبارك وتعالى أن يوفقنا حتى نزيل هذا الحجاب، ونصل إلى ما تقتضيه فطرة الله.
لقد أشرت آنفاً إلى جزء من هذا الموضوع، وسأكمل الآن تلك الإشارة، عسى أن تعيننا في رفع هذا الحجاب.

إننا حسب الفطرة الإلهية نعشق الكمال المطلق، ونمتلك من هذا العشق عشق مطلق الكمال وهو من آثار الكمال المطلق، شئنا أم أبينا. ومن مستلزمات هذه الفطرة الهروب من النقص المطلق الذي يلازمه الهروب من مطلق النقص؛ وإننا نعيش هذا الوضع أيضاً، إذن فإننا - رغم معرفتنا وفهمنا - نعشق الحق تعالى الذي هو الكمال المطلق، ونعشق آثاره المظهرة للكمال المطلق، وإن معاداتنا لأي شي‏ء أو أي شخص، وهروبنا منه ليس هو الكمال المطلق ولا مطلق الكمال، بل إنه النقص المطلق أو مطلق النقص الكامن في الطرف المقابل. لأننا نغوص في الحجاب فإننا نضل في التشخيص وتحديد الأمر. ولو أزيل الحجاب لعرفنا إن ما يأتي من الله جل وعلا فهو محبوب، وأي شي‏ء مبغوض فهو ليس منه جل وعلا: إذن فهو غير موجود، واعلم أن هناك تساهلاً في التعابير المتقابلة، وأن ما قلناه أعلاه، رغم أنه يتطابق مع البرهان المتين ويتوافق مع رأي العارفين وأسير إليه في القرآن الكريم، إلا أن التصديق والإيمان به صعب جداً، وأن منكريه كثيرون، كما أن المؤمنين به قليلون جداً. وحتى الذين يعتبرون هذه الحقيقة أمراً ثابتاً عن طريق البرهان قليلاً ما يصدقون أو يؤمنون به. فالإيمان بمثل هذه الحقائق لا يمكن أن يحصل إلا بالمجاهدة والتفكر والتلقين، وربما يكون هذا الادعاء نفسه، في أن بعض الأمور البرهانية يمكن أن لا تُصدق، لا أساس له أو أن الإقرار به صعب... ولكن لا بد من أن نعرف أنه أمر إدراكي، وأشير إليه في القرآن الكريم، مثل الآيات المباركة في سورة التكاثر...

أما فيما يخص الإدراك فأنتم تعرفون أن الأموات ليست لهم قدرة التحرك، ولا يمكنهم أن يؤثروا عليكم، وإن آلاف الموتى ليست لهم أية حركة أو نشاط بقدر ذبابة؛ وأنهم لن يحيوا مرة أخرى في هذا العالم بعد الموت وقبل يوم النشور. لكنك لا تستطيع النوم وحدك بهدوء مع الأموات، وهذا لا يتم إلا لأن قلبك لا يصدق بعلمك ولم يحصل عندك الإيمان بذلك.... ولكن الذين يمتهنون مهنة غسل الأموات، ونتيجة لتكرار هذا العمل صدّقوا ذلك، حيث يختلون معهم ببال هادى‏ء.
وإن الفلاسفة يثبتون بالبراهين العقلية حضور الحق المتعال في كل مكان، ولكن إن لم يصل ما أثبته العقل بالبرهان إلى القلب ولم يؤمن به القلب، فإنه لن يفوز بأدب الحضور عند الحق المتعال. وإن الذين أوصلوا حضور الحق المتعال إلى قلوبهم وآمنوا به فإنهم سيفوزون بأدب الحضور، رغم أنهم لا يتعاملون بالبرهان، إلا أنهم يجتنبون القيام بأي عمل يتنافى مع حضور الحق المتعال.

فالعلوم الرسمية إذاً ومنها الفلسفة وعلم التوحيد تمثل حجباً، وكلما زادت هذه العلوم ازداد هذا الحجاب سماكة وتضاعف حجمه، وكما نعرف ونرى فإن لغة دعوة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الخلص سلام الله عليهم ليست لغة الفلسفة والبرهان الشائعة، بل إنهم يتعاطون مع أرواح الناس وقلوبهم ويوصلون نتائج البراهين إلى قلوب عباد الله، ويهدونهم من أعماق الأرواح والقلوب... ويمكن القول بأن الفلاسفة وأهل البراهين يزيدون من الحجب. وإن الأنبياء عليهم السلام وأصحاب القلوب يسعون إلى رفع الحجب. لهذا فإن الذين يربيهم الأنبياء والأولياء هم المؤمنون والعشاق، والذين يتربون ويتتلمذون عند الفلاسفة هم أصحاب البرهان الذين يحبون الكلام وإثارة علامات الاستفهام ولا يتعاملون مع القلوب والأرواح. وإن ما قلته آنفاً ليس معناه أن لا نطلع على الفلسفة والعلوم البرهانية، وأن لا نهتم بالعلوم الاستدلالية، لأن ذلك خيانة للعقل والاستدلال والفلسفة، بل يعني أن الفلسفة والاستدلال ينبغي أن لا يشق الطريق إلى الهدف الرئيس؛ ولا ينبغي أن يحجبك عن الوصول إلى الهدف والمستهدف والمحبوب... أو يمكنك القول أن هذه العلوم هي المعابر إلى الهدف، وليست هي الهدف بعينه، وحيث أن: "الدنيا مزرعة الآخرة"؛ فالعلوم الرسمية هي مزرعة الوصول إلى المقصود... كما هو الحال مع العبادات التي تمثل معبراً نحوه جل وعلا، حيث أن الصلاة أفضل العبادات، ومعراج المؤمن. وأن كل شي‏ء هو منه ويعود إليه... ويمكنك القول: أن جميع أعمال المعروف هي درجات في سُلَّم الوصول إليه جل وعلا. وأن جميع أعمال المنكر عوامل معرقلة تحول دون الوصول إليه. ويا ليته (جل وعلا) يحيطنا بعناياته الخفية، ويأخذ بأيدينا نحوه ونحو جماله الجميل.... ويا ليت النفس الطاغية تهدأ وتنزل من حالة الإنكار. ويا ليتنا نوفق في وضع هذا الحمل الثقيل على الأرض، ونعود إليه ونحن خفيفي الحمل. ويا ليتنا نحترق في جماله كالفراشة التي تدور حول الشمعة ولا تتألم أبداً. ويا ليتنا نخطو نحو فطرتنا، ولا نخطو مثل هذه الخطوات نحو تمزيق تلك الفطرة. وهناك العديد من الأمور التي أتمناها الآن وأنا في سن الكهولة وعلى أعتاب الموت وأقول بشأنها (يا ليت) وليس بيدي آية حيلة للوصول إليها.

أمّا أنت يا ولدي - فاستثمر شبابك، وعش حياتك مع ذكره، وفي محبته والعودة إلى فطرة الله، واقضِ عمرك في مثل هذه الأجواء. وإن ذكر المحبوب هذا لا يتنافى أبداً مع مزاولتك للنشاطات السياسية والاجتماعية في خدمة دينه وعباده، بل إنها تعينك في السير الأرسخ في طريقه... ولكن اعلم أن مكائد النفس الأمارة والشيطان الداخلي والخارجي كثيرة، وكم يحدث أن يبتعد الإنسان عن الله من حيث لا يدري، وباسم الله وباسم خدمة خلق الله يسوق نفسه نحو ذاته وآماله الذاتية.
إن مراقبة النفس ومحاسبتها في تحديد الطريق، والسير في النفس والسير نحو الله من منازل السالكين، ندعو الله لنا ولكم بالتوفيق في هذا السبيل... وكم يحدث أن يتبع الشيطان الباطني معنا، نحن الكهول، خدعاً تختلف عن تلك التي يتبعها معكم أنتم الشباب. إنه يتبع معنا سلاح اليأس من الحضور وذكر الله، ويلفتنا أنه لا فائدة من العمل ما دام العمر قد انقضى ولا يمكن إصلاحنا، وأن أيام الشباب التي هي أيام التجول والتحرك قد انتهت، وأن أيام الضعف والكهولة قد حلت ولا يمكن فيها الإصلاح، لأن جذور الأهواء والمعاصي متغلغلة في جميع أركان الإنسان، ومدت فروعها وجذورها فيه، وبذلك يحول دون توفيقك للحضور في ساحته جلّ وعلا، ويحدثك أن لا جدوى من العمل؛ والأفضل أن تستفيد أكثر من ملذات الدنيا في هذه الأيام المعدودة والأخيرة التي بقيت من عمرك... وأحياناً يتبع معنا نحن الكهول الأساليب نفسها التي يتبعها معكم أنتم الشباب، حيث يقول لكم... أنتم شباب ولا بد أن تتصرفوا في هذه المرحلة من العمر، وهي مرحلة الشباب مرحلة التمتع بالملذات، طبقاً لشهواتكم وستتوبون إن شاء الله في أواخر العمر، وأن باب رحمة الله مفتوح، وأن الله أرحم الراحمين... وأنه مهما تكن الذنوب أكبر وأكثر فإن فرص الندم والعودة إلى الحق في أواخر العمر تكون أكبر، وسيزداد التوجه نحو الله المتعال وسيتضاعف الاتصال به، وكم من الناس قد تمتعوا بملذات الشباب عندما كانوا في سن الشباب، وقضوا أيام كهولتهم وأواخر عمرهم بالعبادة والذكر والأدعية وزيارة الأئمة عليهم السلام والتوسل وطلب الشفاعة منهم، ورحلوا عن هذه الدنيا بسعادة!! كذلك فإننا نواجه أيضاً بمثل هذه الوساوس، وهي: أنه لا يعرف بالضبط أنك ستموت قريباً، وأن الفرصة لا زالت أمامك فتمتع بها حتى الأيام المعدودة الأخيرة من عمرك، وآنذاك يمكنك أن تتوب لأن باب شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفتوح، وأن المولى أمير المؤمنين عليه السلام لن يدع أحباءه يتعذبون يوم القيامة، وستراه عند لحظات الموت، وسيأخذ بيدك في تلك اللحظات، والكثير من هذه الأقوال التي تطرق أذن الإنسان دوماً.

ولدي: الآن وأنا أتحدث معك، وأنت شاب، ينبغي أن تعرف أن التوبة في مرحلة الشباب أسهل، وأن إصلاح النفس وتهذيب الروح يكون أسرع في هذه المرحلة. لأن التأثر بالأهواء النفسية واللهاث وراء الجاه والغرور والتكبر على الآخرين يكون أكثر وأشد عند الكهول مقارنة بالشباب. حيث إن روح الشباب لطيفة وسهلة التغيير، كما أن الشباب يتأثرون أكثر من الكهول بالمواعظ التي تلقى في مجالس الوعظ والإرشاد والأخلاق، لذا يجب على الشباب أن ينتبهوا كثيراً ولا ينخدعوا بالوساوس الشيطانية والنفسية، فالموت قريب من الشباب بقدر ما هو قريب من الكهول... فأي شاب يمكنه أن يطمئن أنه سيصل إلى مرحلة الكهولة؟ وأي إنسان مصون من حوادث الدهر؟ إن الحوادث اليومية أقرب إلى الشباب من غيرهم.

بني: لا تدع الفرصة تفوتك، واسع إلى إصلاح نفسك وأنت في مرحلة الشباب. كذلك يجب على الكهول أن يعلموا أنهم ما داموا أحياء في هذه الدنيا فإن بإمكانهم التكفير عن ذنوبهم ومعاصيهم، ولو انتقلوا من هذه الدنيا فإن الأمور تخرج من أيديهم. إن الاعتماد على شفاعة الأولياء عليهم السلام والتجرؤ على المعاصي من الخدع الشيطانية الكبرى... تمعنوا في حالة أولئك الذين اعتمدوا على شفاعة الأولياء ونسوا الله، وتجرأوا على المعاصي، وانظروا إلى أنينهم وبكائهم وأدعتيهم وتوسلهم، واعتبروا منهم... ففي حديث مروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه أحضر في أواخر عمره أولاده وأقرباءه وخاطبهم قائلاً: "ينبغي أن تحضروا أمام الله غداً مع أعمالكم، ولا تظنوا أن قرابتكم مني ستنفعكم"...

 بالإضافة إلى ذلك، يحتمل أن ينالوا الشفاعة إذا كان ارتباطهم بالشفيع ارتباطاً معنوياً وعلاقتهم الإلهية به... ولو أن هذا الأمر لم يحصل في هذه الدنيا فلربما يتم ذلك بعد مراحل التصفية والتزكية في عذاب البرزخ أو جهنم. فضلاً عن ذلك، فإن القرآن الكريم يحتوي على آيات عديدة حول الشفاعة، لم تمعن الإنسان فيها لما اطمأن وسكن. حيث يقول الله عز وجل: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، ويقول أيضاً: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى... وأمثال هذه الآيات التي تثبت مسألة الشفاعة، إلا أنها توضح حقيقة كون الشفاعة ليست مطلقة، بل تحدد نوعية الأشخاص والفئات التي تنالهم الشفاعة، وماهية الشروط والوقت المناسب لذلك؛ وهو أمر لا يسمح للإنسان أن يكون مغروراً... صحيح أننا نأمل بالشفاعة، ولكن هذا الأمل ينبغي أن يجرنا نحو إطاعة الحق المتعال ويبعدنا عن معصيته.

ولدي: اسع أن لا تغادر هذا العالم وعلى كاهلك شي‏ء من حق الناس لأنه أمر صعب جداً... حيث إن حل أمور الإنسان المتعلقة بالله تعالى، وهو أرحم الراحمين، أسهل بكثير من تلك التي ترتبط بين الإنسان... أعوذ بالله تعالى، وألجأ إليه في مشاكلي ومشاكلك والمؤمنين فيما يخص حقوق الناس والتعامل مع الناس الذي يواجهون مشاكل في هذه الحياة... وهذا لا يعني أن تتساهل في حقوق الله والمعاصي. فلو أخذت بنظر الاعتبار بعض المعاني الحاصلة من ظاهر بعض الآيات لظهر أن المصيبة تكبر كثيراً، وتصبح نجاة أهل المعصية عن طريق الشفاعة لا تتم إلا بعد مراحل طويلة وعديدة. إن تجسم الأخلاق والأعمال وملازمتها للإنسان بصورة أنواع العذاب والشدائد في البرازخ وجهنم، وعدم إمكانية الارتباط مع الشفيع وحصول الشفاعة، إن كل ذلك يمثل أمراً يقصم ظهر الإنسان، ويجعل المؤمنين يفكرون جدياً بمسألة الإصلاح. فلا يمكن لأي شخص أن يدعي أن لديه (بالقطع) احتمالاً غير هذا الاحتمال، إلا أن يكون شيطان نفسه قد فرض تسلطه عليه ولعب بمقدراته بحيث أغلق أمامه طريق الحق، مما يجعله ينكر التمييز بين النور والظلام. وإن مثل هؤلاء ذوو البصيرة العمياء، كثيرون جداً. ندعو الله المنان أن يحفظنا من شرور أنفسنا.

وصيتي لك يا ولدي أن لا تدع الفرصة تفوتك (لا سمح الله). واسع في سبيل إصلاح أخلاقك وسلوكك، رغم تحملك أنواع الصعاب والترويض النفسي، وقلل من تعلقك بالدنيا الفانية، ولا تنتخب غير طريق الحق عند المتفرقات التي تصادفك في الحياة واهرب من الباطل، وابعد شيطان النفس عنك. ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن أوصيك بها: أن لا تبخل بإعانة عباد الله، وبالأخص المحرومين والمساكين، وهم دوماً مظلومون في المجتمعات ولا ملجأ لهم. واخدمهم قد ما تستطيع، وهو أفضل زاد لطريقك وأفضل خدمة تقدمها لله المتعال، ودافع عنهم في مواجهة المستكبرين والظالمين.

إن التدخل في الشؤون السياسية والاجتماعية يعتبر واجباً مؤكداً في هذه الحكومة الإسلامية، كما أن مساعدة المتصدين لأمور الدولة والمسؤولين والأوفياء للجمهورية الإسلامية يعتبر أيضاً واجباً إسلامياً وإنسانياً ووطنياً، وآمل أن لا يغفل أبناء الشعب الشرفاء والواعين عنه أبداً. وكما كانوا ولا زالوا حاضرين في الميادين؛ ولولا دعمهم ومساعدتهم لما استقرت واستمرت الحكومة الإسلامية والجمهورية الإسلامية، فأنا آمل أن يستمر أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة في وفائهم لهذه الحكومة ودفاعهم عنها ودعمهم لها حتى تستقر أكثر وتستمر. وينبغي أن نعلم أننا ما دمنا على عهدنا مع الله تعالى، فإن الله سيدعمنا ويدافع عنا، وكما أحبطت إلى الآن بفضله تعالى، مؤامرات المجرمين والمفسدين من الداخل والخارج بشكل إعجازي، فإننا نأمل إن شاء الله تعالى أن تحبط أيضاً بتأييدات الله جلا وعلا. وآمل أيضاً أن يكون الجيش المعظم وقوات حرس الثورة الأعزاء والتعبئة وباقي القوى المسلحة والشعبية قد ذاقوا الطعم العذب للاستقلال والخروج من أسرى القوى العالمية الظالمة، وأن يفضلوا حريتهم من أسر الأجانب على كل شي‏ء وعلى الحية المرفهة، ويرفضوا تحمل عار التبعية للقوى الشيطانية. وأن يرجحوا الموت الأحمر المشرف في سبيل الله والهدف السامي في ساحات البطولة والترفع على الحياة الذليلة، وأن يختاروا طريق الأنبياء العظام والأولياء المعظمين عليهم سلام الله وصلواته.

أدعو الله المتعال وأتوسل إليه أن يزيد من شوق واندفاع وعشق وتعلق أبناء الشعب العزيز رجالاً ونساءً شيباً وشباباً، وأن يرسخ أقدامهم أكثر في طريق الله المعظم، وأن يزيد من انتشار وتوسع الإسلام العزيز وأحكامه النورانية في بقاع العالم.

ولدي: أختم كلامي الكثير هذا بجمل معدودات حول الأمور الخاصة والشؤون العائلية.
وصيتي الأولى وأكبرها لك يا ولدي العزيز هي: أمك الوفية جداً. فإن حقوق الأمهات الكثيرة لا يمكن عدها أبداً ولا يمكن أداؤها، فليلة واحدة تقضيها الأم في رعاية صغيرها أكثر قيمة من سنوات عمر أب ملتزم... وإن تجسد العطف والرحمة في أنظار الأم النورانية هي بارقة رحمة وعطف رب العالمين، حيث أن الله، تبارك وتعالى، قد مزج قلوب الأمهات وأرواحهن بنور رحمة ربوبيته، بحيث لا يمكن أن يصفها أي أحد إلا الأمهات أنفسهم، وهذه هي الرحمة الأبدية التي جعلت الأمهات يتحملن أنواع الآلام والعذاب والصعاب المرهقة منذ استقرار النطفة في الرحم، وخلال أشهر الحمل ووقت الولادة، ولحظات الطلق؛ ومن ثم منذ تربية الرضيع وحتى آخر عمر الإنسان، تلك الصعاب والآلام التي لا يقوى على تحملها الآباء، حتى لليلة واحدة، ويعجزون عن ذلك. إن ما جاء في الحديث الشريف: "الجنة تحت أقدام الأمهات" يمثّل حقيقة مسلَّمة، والسبب الكامن وراء التعبير عنه بمثل هذه الروعة واللطف هو لتكبير وتعظيم الأمهات، كما أنه تنبيه للأبناء بأن يبحثوا عن السعادة والجنة تحت أقدام الأمهات وبين حبات تراب أقدامهن المباركة، وأن يصونوا حرماتهم بشكل أقرب من صونهم لحرمة الحق المتعال، وأن يكسبوا رضا الله سبحانه وتعالى عن طريق كسب رضا الأمهات وسعادتهن. بالرغم من أن جميع الأمهات يعتبرن نماذج وقدوات، إلا أن بعضهن تتمتع بخصائص فريدة وإن طوال سنوات معاشرتي لأمك المحترمة وما أحمله من ذكريات عن الليالي التي كانت تقضيها مع أطفالها، وكذلك أثناء النهار، رأيتها تتمتع بمثل هذه الخصائص... لذا فإني أوصيك يا ولدي وكذلك بقية أبنائي بأن تسعوا في خدمتها وكسب رضاها بعد موتي بنفس درجة ما أراه من رضا عنكم أثناء حياتي، واجهدوا أكثر لخدمتها بعدي.
وأوصي ولدي أحمد أن يتعامل بكل محبة وعطف وسلام وصفاء وإيثار مع أرحامه وأقربائه، لا سيما أخواته وأبناء أخيه وإخوته، ويجد في رعايتهم.

وأوصي جميع أبنائي أن يكونوا معاً قلباً واحداً، ويسيروا في خط واحد، ويتعاملوا فيما بينهم بالمحبة والصفاء. وأن لا يتحركوا إلا في سبيل الله وعباده المحرومين، لأن فيه خير الدنيا والآخرة وعافيتها وأوصي نور عيني حسيناً أن لا يغفل عن تحصيل العلوم الشرعية، وأن لا يفرط بالقدرة على التعلم التي وهبها الله له، وأن يتعامل مع أمه وأخيه بكل محبة وصفاء، ولا يهتم كثيراً بالدنيا، وأن ينتهج سبيل العبادة المستقيم في سني شبابه.
وآخر وصيتي لأحمد أن يربي أبناءه تربية صالحة، وأن يعرفهم على الإسلام العزيز منذ الصغر، وأن يرعى أمه المحترمة والحنونة، وأن يكون خادماً لجميع الأقرباء.

السلام على جميع الصالحين، وآمل من كانفة أقربائي، لا سيما أبنائي أن يعفوا عن أي تقصير أو قصور أو ظلم ظهر مني بشأنهم وأن يدعوا لي من الله بالمغفرة والرحمة إنه أرحم الراحمين...
واطلب بإصرار من الله أن يوفق أقربائي للسير في طريق السعادة والاستقامة، وأن يشملهم برحمته الواسعة، ويقوي الإسلام والمسلمين ويقطع أيدي المستكبرين والقوى الظالمة وينهي ظلمهم.
والصلاة والسلام على رسول الله خاتم النبيين وعلى آله المعصومين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
روح الله الموسوي الخميني‏
الأربعاء 4 رجب 1402ه. ق‏

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع