فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

نظرة إلى مرجعية الإمام الخامنئي دام ظله

الشيخ علي جابر(*)

 



* المرجعية المتعارفة:
مثّلت المرجعية الدينية في تاريخ الإسلام عموماً وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام ولا سيما في زمن الغيبة الكبرى لمولانا الإمام المهدي ب، موقعاً حصيناً وخطيراً تتطلع إليه الأمة على الدوام لمعرفة طريقها واتخاذ المواقف الشرعية الصحيحة وخصوصاً في الأزمات. وقد اتخذت هذه المرجعية مع مرور الأيام صورة محدّدة المعالم على مستوى التمثيل وكيفيته، والشروط التي يلزم توفرها في المرجع وغير ذلك... إلا أن من الواضح أن هذه الصورة للمرجعية لم يتم رسمها بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي لواقع الأمة الذي عمل على تحديد الأهداف والغايات، وحدود الوظيفة والصلاحيات، بل يذهب البعض إلى القول بأن هذا السياق التاريخي ترك تأثيره على كيفية فهم النصوص في بعض مجالات الاستنباط، كالبحث في مسألة الصلاحيات المفوضة إلى الفقهاء ودورهم والتي عرفت بـ(ولاية الفقيه). ونعني بالسياق التاريخي والاجتماعي، الظروف التي واجهتها الجماعة المسلمة المؤمنة بنهج أهل البيت عليهم السلام وما تعرَّضت له من ضغوط وحصار وتنكيل، ومنعهم كأئمتهم عليهم السلام من تشكيل الحكومة الإسلامية العادلة وقيادة الأمة.

لقد دفعت ضرورة التعامل مع الواقع بعقلانية، ومسؤولية شرعية، إلى صرف همة المرجعية الدينية نحو تحديد التكليف الشرعي للفرد وعلاقاته الأخلاقية في دائرة الجماعة المؤمنة، والتصدي الاستثنائي للمنعطفات التاريخية الهامة والتي لا محيص عن اتخاذ موقف تجاهها كالغزو الكافر لبلاد المسلمين. وهكذا ظهرت صورة المرجعية الدينية مختصرة في شخص المرجع الفقيه، الذي يملك مواصفات محدَّدة لتؤدي الوظائف المشار إليها. وقد أشار الإمام الخميني(قدس سره" في كتابه (الرسائل)، عند بحثه للاجتهاد والتقليد إلى شرائط الاجتهاد المتعارف والتقليدي وذكر ثمانية شروط هي العمدة فيها وهي: العلم بفنون العلوم العربية، والفهم للمحاورات العرفية، وتعلم المنطق لترتيب الأقيسة وإقامة البرهان، والعلم بأصول الفقه والقواعد الفقهية، ومعرفة علم الرجال ورواية الحديث، ومعرفة الكتاب الكريم وحديث العترة الطاهرة، والتمرس على تفريع الفروع على الأصول لاكتساب قوة الاستنباط وأخيراً الفحص الكامل عن كلمات الفقهاء في المسألة المبحوثة. وهذا كله بطبيعة الحال مضافاً إلى الأعلمية والشروط المعنوية من الإخلاص والتقوى والزهد. فإذ تحققت هذه الشروط كان العالم فقيهاً صالحاً للمرجعية الدينية.

* التحولات الجديدة:
حصلت تحولات هامة في الوضع الشيعي تمثلت في أهم بداياتها بقيام الدولة الصفوية في إيران، التي طرحت مسائل فقهية جديدة على مستوى المجتمع، وأثيرت مسألة ولاية الفقيه بشكل قوي، حتى أن الشاه طهماسب الصفوي اعتبر أن مشروعية حكومته مستمدة من ولاية المحقق الثاني الكركي"قدس سره"، الولي والحاكم الحقيقي في الدولة. وبقطع النظر عن تقييم هذه التجربة إيجاباً أو سلباً، لكنها شكلَّت بداية تحولات هامة في وسط المرجعية الدينية.

* الثورة الإسلامية في إيران وفقه الحكومة:
لكن تأسيس الحكومة الإسلامية في إيران، بعد انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني"قدس سره"، كان الحدث والمنعطف الأهم في مسار المرجعية الدينية، فقد كشف هذا الحدث عن جانب هام من الفقه لم يكن معمولاً به ولا أعطي العناية اللاَّزمة بسبب الظروف المشار إليها سابقاً، وهو فقه الحكومة والنظام الاجتماعي والعلاقات الدولية، وبات واضحاً أن التحديد السابق للمرجعية وشروطها لم يعد كافياً. وقد صرَّح الإمام "قدس سره" بهذه الحقيقة في إحدى كلماته عندما قال: "المهم هو المعرفة الصحيحة لمسألة الحكومة ومسائل المجتمع، إذ على أساس ذلك يمكن للنظام الإسلامي أن يقوم بالتخطيط لما ينفع المسلمين، وفي ذلك تتأكد مسألة وحدة الرؤية والعمل، لذا فإن الاجتهاد المتعارف في الحوزات لن يكون كافياً لتحقيق ذلك"(1) ويقصد الإمام "قدس سره" أنه بات من الضروري تحديد مفهوم المرجعية وشروطها على ضوء التطورات الحاصلة من جديد، وهو يرى أن الاجتهاد الواقعي يتمثل في إعماله "في جميع نواحي الحياة البشرية، والحكومة تُظهر الجانب العملي للفقه عند مواجهته لجميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية"(2) من هنا يتضح زيف بعض الادعاءات القائلة بأن هذه محاولة لتسييس الفقاهة، لأننا نقول: بل هذه تكملة للفقاهة الحقيقية كما أشار الإمام"قدس سره".

* المرجعية القائدة:
إن المرجعية الجديدة التي نادى بها الإمام"قدس سره" وكذلك الشهيد السيد محمد باقر الصدر"قدس سره" هي المرجعية الرشيدة القائدة التي تواكب حاجات الأمة على ضوء المتغيرات الواسعة التي تحصل، مع التقدير للخدمات الكبيرة التي قدمتها المرجعية التقليدية. إن الدين ومسائل الحكومة والولاية وإدارة المجتمع هي أمر واحد وبات على المرجع أن يكون فقيهاً في هذه المجالات ليكون لائقاً لمقام المرجعية الدينية سواء كان ولياً فعلياً متصدياً أم لا. وهو ما يستدعي وجود مواصفات جديدة مضافاً إلى ما سبق، أهمها الإحاطة بأمور العصر وشؤونه كافة، ومعرفة السياسات والقدرة على إدارة الأمور وتشخيص مصالح الأمة كما يصرِّح الإمام "قدس سره".

* مرجعية الإمام الخامنئي"دام ظله":
بناءً على ما تقدم فإن تعيين المرجعية الدينية المطلوبة لم يعد يتوقف فقط على شرط وحيد هو الأعلمية بمعناها التقليدي، والتي لا تعود أعلمية إذا قيست إلى المساحات الفقهية الجديدة والواسعة، بل بملاحظة مجموع الصفات ومن ضمنها الأعلمية التي تلحظ أيضاً فقه الحكومة والمجتمع مضافاً إلى الأبواب التقليدية المعروفة في الفقه. إن سماحة الإمام الخامنئي هو فقيه مطلق منذ العام 1974م. حينما أجازه أستاذه اية اللَّه العظمى الشيخ مرتضى الحائري بعد أكثر من خمسة عشر عاماً لحضوره بحوث الخارج في الحوزة. وإذا لاحظنا خبرته السياسية وإحاطته بشؤون العصر، وقدرته على تشخيص مصالح الأمة والشجاعة والقدرة على التصدي والقيادة، وهو الفقيه المتمرس في الفقاهة بمعناها الشمولي منذ ما يقارب الأربعة عشر عاماً، وشهادات أهل الخبرة والرأي في دقته العلمية وبراعته الفقهية، فإن ذلك لا يدع مجالاً للشك أنه تجسيد واقعي للمرجعية القائدة والرشيدة التي هي محط رجاء المقاومين والمجاهدين، وأبناء الأمة المتطلعين إلى العزة الإسلامية.


(*) عالم دين
(1) صحيفة النور، ج‏21، ص‏46.
(2) صحيفة النور، ج‏21، ص‏88.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع