مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

قصة العدد: "غداً حكاية أخرى"

أم حسن



- ماما... احكي لي قصة.
تعاطفت مع لهجته المتوسلة، فسألته:
- أي نوع من القصص تريد سماعها؟؟
قصص الأقوياء، أريد أن أصبح أحدهم!!.
راقها أن يتوسل إليها بقبلاته المتفايضة إزاء هذا الطلب.
- وهل ستجعلك الحكاية قوياً؟ أيُّ صغيرٍ أنت؟ في بالي الآن سندريللا، وهي لا تصنع الأقوياء، بل الأميرات...
- أريد أن أصبح أميراً... وشجاعاً لا أميرة هيّا أرجوك..
- كان يا ما كان، في قديم الزمان.. طفلة قد ماتت أمها باكراً...
- أنا لست فتاة وأمي لم تمت، أرجوكِ احكي لي قصة أمير شجاع وبعدها موتي كما تشائين!!.
- يا إلهي! ما هذه الورطة؟ من أين آتيه الآن بالأمير الشجاع وعيناي منهزمتان أمام جيوش النعاس؟؟.
استدارت مواجهةً الجدار المقابل، بعد أن استعادت ذراعها الأسير تحت طراوة رقبته وعاتبته:
- موتي كما تشائين؟ حسناً، سأموت الآن، ولا حكاية ولا من يحكون!
عكس الجدار المقابل ظلّه منحنياً عليها. فالتفتت، لتلتقط عيناها نظرته المندَّاة في عينيه الضارعتين...
- أنتِ دائماً هكذا، تعذبينني بوعدٍ لن تفيه يوماً، أخبريني عن صاحب الضريح الذي بكيت قربه عند عودتنا من "قانا" ألم يكن لشهيد؟ ألم تقولي دائماً إن الشهداء أمراء؟؟

انهزم نعاسها، فاستوت جالسة، واحتضنت عينيه، قمرين زرقاوين، بل متموجتين بكل ألوان اللهفة:
- حسناً، هاك قصة أمير شجاع، وعليك معرفة اسمه؟
- أعِدُك بذلك، ولكن إبدأي!
-... ولِدَ أميرنا في زمنٍ مضى، لزمنٍ لم يكن قد أتى بعد... نشأ في أسرةٍ طاهرةٍ، ينشأ للطهر نفسِهِ أُمّته الكبيرة، تعلّم في مدرسة القرية، ليُعَلِّمَ في مدرسة الحياة دروس الآخرة. أحبّ الأطفال، فتزوج وأنجبهم، وصار أباً لأحمد، أحب الأيتام فترك أحمد يتيماً، يواسي بيتمه كل أيتام الأرض...
- هكذا وبسرعة؟ كيف صار أحمد يتيماً؟! أما قلت إن أباه أمير شجاع؟
- بلى؟ اصبر قليلاً، كفّ عن مقاطعتي وإلا..
- أمي.. وعدتني بقصة بطلٍ، لا بميتٍ عادي...
- وكيف ينتهي الأبطال يا ولدي؟ ألا يموتون ككل حيّ من بني البشر؟؟.
- لا يا أمي.. أما كتبتِ يوماً أن الأبطال لا يموتون؟ بل يستشهدون؟

ركّزت نظرتها على وجهه، كي تذكره - إن افترقا يوماً - بكلماتها هذه.
- وأميرنا يا حسن، شهيدٌ... قاتل قبل استشهاده بالكلمة الشجاعة والموقف الحُر..
- كفى يا أمي.. أريدُ حكاية بطلٍ قام بعملية استشهادية.
تخطته نظراتها، وهمست كأنما لنفسها:
- لقد كانت كلمته رصاصة، وموقفه عملية نوعية، وقد أدّت إلى استشهاده.
- تريدين القول، إنه قاوم، مستعملاً الكلمة والموقف؟؟
- كانت خُطبُه قبل ذلك.. فوق منبر الجمعة، في مسجد قريته، عملياتٍ استشهادية، أحيت شظاياها، نفوس مستمعيها أبطالاً، بعد أن قتلت خوفهم.
- ما عُدت أفهم شيئاً يا أمي، أنت تتهربين من الحكاية!
- بل هي التي تهربُ مني يا بني، أكاد أفقد كل خيوطها في تزاحم العظمة في أحداثها.
- كيف كانت خُطبُه عمليات استشهادية، أو يبقى الاستشهادي حياً؟؟.
- إفهمها ببساطة يا بني - كانت "إسرائيل" ضارية كوحشٍ مفترس فجاءت خطبه الخطيرة، هادِرةً ثائرٍ بطل. وكان آخر مواقفه درساً رائداً تلقّاه شهداؤنا على تنوعهم، استشهاديون أو سواهم.
- الآن فهمت يا أمي! كان يشرح لشباب المقاومة كيف يستشهدون أو كيف يعودون ليستشهدوا من جديد؟ كان مسؤولاً في المقاومة إذاً؟
- كان أحد كبار مؤسسيها، كان فارسها الأشد وخطيبها الأكثر بلاغة، إن كلمته الوجيزة في موقفه الفذ، ما زالت حتى الآن قانوناً مقاوماً وموقفاً شرعياً تتخذه مقاومتنا..
- وهل قتلته "إسرائيل" بسببها؟؟.
- بل اعتقلته لتعتقلها، لكن الحجيج الجماهيري إلى منبره كلّ أسبوع أعلن أن "الله أكبر" مستعد لتحقيق ندائه الواعد: "دم الشهيد إذا سقط... ففي يد الله يسقط...".
- أهذه هي كلمته؟ وماذا عن موقفه؟
- إنها إحدى كلماته الكثيرات، لكن كلمته وموقفه تلازماً عندما مدَّ ضابطٌ صهيوني يده السوداء، ليصافحه، فحجب الأميرُ يديه وقال: "الموقف سلاح، المصافحة اعتراف".
- أمي.. بدأت أشعر أنني أعرفه، ها صورته ترتسم أمامي وفيها شيء خاص هل استشهد في ما بعد بمعركة أو..؟
- قلت لك إن "إسرائيل اعتقلته حراً فاعتقلها بحريته، فأطلقته لتفك أسرها الذليل على أعتاب حريته الشامخة، فتابع جهاده خطباً ودروساً في القرى تؤجج نار الوغى فقتلوه.
- هل قتله الإسرائيليون وبأيديهم السوداء؟؟.
- أجل ولكن بأيدٍ أخرى سوداء كأيديهم!!.
- وهل في الدنيا أيدِ سوداء سوى أيديهم؟؟.
- يوجد يا حسن! إنها أيدي أولئك الذين باعوا كرامات إنسانيتهم، للشيطان الإسرائيلي، فخانوا أمتهم..
- هم العملاء إذاً، وكيف قتلوه ومتى؟
- غدروه ليلاً يا بني، كان شباط يستمد الدفء من سهراته الخارجة على القانون الإسرائيلي، لذلك ركع عزيف ليلِهِ السابع عشر قربه ليحفظ للحياة تكبيرته الأخيرة، وجثا قمرُه قر هامته ليغتسل بضياء وجهه المُحنّى بحنّاء شهادته، وحدَه الليل انحنى ليلثم جبينه الحار لحظة اغتياله علَّ نسائمه الباردة تخفف ألم الطلقة الغادرة، وعلّ الأمير يغفو بأمانٍ في حضن الأرض التي أحبّها.. حتّى الشهادة..

رآها تمسح دمعةً بلّلت وجه حكايتها فأحاطها بحنوه:
- أمي!.. أتبكين؟.. لقد كدت أبكي، لكنني قاومت دمعي لأن الأبطال لا يبكون أليس كذلك؟..
- بل يبكون يا فتاي! من كان بطلاً، كان إنسانياً في بطولته، هذا أميرك بكى الطفل الرضيع طويلاً وقال عن أطفالنا الشهداء: "لو قتلوا لنا طفلاً، لأحيينا بطفلنا المقتول هذا كل أطفال الأرض".
- أمي.. ألا يرتدي هذا الأمير عمّة بيضاء؟؟.
- بلى.. هذا صحيح، هل عرفته الآن؟؟.
- ليس تماماً.. أحاول أن أتذكره.. ألم يكن صاحب الذكرى التي استشهد بعد نهاية احتفالها السيد عباس؟ إنه.. إنه..
- آلمها أن لا يتذكر اسمه. فاحتضنته بحبٍ، لا للطفل الذي بين يديها بل لمقاوم الذي تريد أن يكونه غداً.
- إيّاك أن تنساه بعد اليوم، احفظه أمانةً مني و"احفره" في ذاكرتك وكُنْه في غدك إن استطعت.. إنه شيخ...

قاطعها بلهجة أرفقها فرح الفوز بالاسم وصاحبه:
- شيخ الشهداء.. راغب.. راغب حرب.. شيخ جبشيت.. أميرُ حكايتي..أمي حبيبتي.. أنا عرفته؟ غداً حكاية أخرى.. هه..
تلاحقت قبلاتها له وارتفع صوتها ليطغى على جلبة الفرح التي أحدثها: لك ذلك.. عمّا سأحدِّثك غداً؟؟.
- عن المقاومة المستمرة بعد شيخها.. عن عباسها... - عن سيد شهدائها - سأفعل يا حسن. وإن كانت حكاية واحدة.. صداقة عمر مزجت نفسيهما حتى اتّحدا بزمنين: زمن المقاومة وزمن الشهادة.
- والآن قم يا بني علّ الحلم يحملك إليهما معاً..
- كيف له أن يحملني إليهما؟ أيمتلك طائرة؟؟.
- ومرافئ إن أردت، يحملك منها إلى حيث تشاء.
- أأبحرُ بعيداً دون شراع؟؟.
- ليكن شراعك عمَّةً بيضاء..
- ومجذافي يدٌ ترفض يداً صهيونية سوداء؟ والآن سأنام.
- ولكن ماذا تفعلين؟
بقي سؤاله الأخير دون جواب لأنها كانت تتمتم فاتحة الكتاب العظيم هدية لروح أمير الحكاية ولمّا قرر أن يشاركها أطبق عينيه فأطبق النعاس شفتيه واختطفه على متن عِمَّةٍ يضاء إلى أبعد نقطة في المرافئ البعيدة.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع