مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

قصة قصيرة: قسّيسُ الاعتراف‏


نسرين إدريس‏


طوبى لفقراء الروح فإن لهم ملكوت السموات، طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض (إنجيل متّى). لفَّ الثلج بوشاحه أطرافَ القرى الجنوبية المحاذية لجبل الشيخ، وعانقت الرياح العاتية دخان المواقد تستجدي منها بعضاً من دف‏ء البيوت الموصدة أبوابها أمام الزائر الأبيض المتزودِ بصقيع ترتجفُ منه القلوب، منتظرةً شمساً دافئة لتشرّع لها ضحكاتها وحكاياها..

كان الثلجُ يتساقطُ بمنتهى الهدوء على الطرقات الخالية إلا من بضعة رجال خرجوا ليأتوا بشجرة الميلاد لزوايا بيوتهم، حتى إذا ما عادَ الليلُ لينظر من خلف الشبابيك المرفوعة ستائرها استئناساً بمنظر الثلج، رأى مشهداً متشابهاً للمنهمكين بتزيين الأشجار بالكرات الملونة وحبال الأضواء والمجسمات التي تُمثّل ولادة السيدة المسيح وآخرين ملتصقين بالمواقد حتى احمرت وجوههم.. كانت أجراسُ الكنائس تُقرع ابتهاجاً بقدوم ذكرى ولادة السيد عيسى المسيح بن مريم عليها السلام في الخامس والعشرين من كانون الأول، فأرسلت أصداءها إلى السماء كترانيم القداس، واخترق طنينها الهواء ليعبر إلى القرى المحررة الشاخصة عيون أصحابها المستيقظة إليها لتطمئنها أنهم على الوعد، ووقف صوتها أمام مئذنة المسجد لتبارك له ميلاد المسيح عليه السلام، وتسللت بعضُ الأصداء إلى عميق الأودية، حيث كانت مجموعة من المقاومين يتسللون لنصبِ كمين لدورية صهيونية.. خمسة عشر عاماً مضت والاحتلال الإسرائيلي يُقيّد صوت الأجراس وتكبيرات المآذن.. خمسة عشر عاماً بقيت الصلوات تُرفع للرب من المحاريب ومن أمام المذابح، ليحرر الوطن بسواعد الذين آمنوا بأن الوطن لهم.. الوطنُ دين الجميع..


لكن سكون الليل هرب مع رشقات رصاص، وسرعان ما حلّقت الطائرات الحربية، ومدافع المواقع تدك القرى المحررة المجاورة، وانتشر جيش العملاء على الطرقات ضاربين طوقاً أمنياً على كل المنطقة.. وتوجهت قوة لحدية إلى الكنيسة، حيث فتح الضابط بابها بقوة، فرأى القسيس يُصلي أمام المذبح وقد أنارت الشموع ظلام الليل.. التفت القسيسُ إليه وسأله: جئت للصلاة أم للاعتراف يا بُني؟! اقترب الضابط منه والشر يقطر من عينيه: بل جئتُ لأبحث عن أربعة رجالٍ يقول أحدهم أنه رآهم يتسللون إلى هنا، ونظر بطرف عينيه إلى شخصٍ مدني يرافقه..

- ألم يكن هذا الـ(أحدهم) مشغولاً بالصلاة، فغداً ولادة السيد المسيح.. تعالوا لتشاركوني الصلاة، عسى الرب أن يغفر لنا خطايانا.. ربت الضابط على كتفِ الراهب واقترب منه: نحن نخاف عليك يا أبتي، لهذا يجب أن نفتش الكنيسة، فهناك أربعة مقاومين قد يكونون مختبئين في إحدى الزوايا.. وليس من المستبعد أن يقتلوك..
- إنما يقتلون أعداء اللَّه، وهذا بيتُ اللَّه يا ولدي، ولا يدخل إلى هنا إلا من يريد أن يحاكي اللَّه.. في هذه الكنيسة لا يوجد سوى رهبان يؤدون صلواتهم..
- وأين هم؟! أنا لا أرى أحداً غيرك؟!
ثم رفع الضابط يده وأعطى الأوامر بتفتيش الكنيسة..
- أنا أحذرك يا أبتي، إذا وجدنا أحداً من المقاومين، فسأرميك في معتقل الخيام..
أغمض الراهبُ عينيه، وضمّ كفيه: "فليتمجد اسمك.. فلتكن مشيئتك كما في السماء..".
جاء أحد الجنود وهو يقول: لقد انتهينا من التفتيش يا سيدي.. لا يوجد أحد سوى الرهبان..

- وكم عددهم..
- لا أدري يا سيدي.. ولكن هناك مجموعة كبيرة من أهالي القرية يقفون في الخارج والغضبُ بادٍ عليهم، وهم آتون للصلاة..
- دعوا أحباب اللَّه يدخلون إلى بيته، فدف‏ء الكنيسة سيحميهم من صقيع الخارج.. قال الراهبُ هذا وبدأ يشعل الشموع التي أطفأها الهواء.. تعالوا (ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم) (متى: 10).

دخل الأهالي إلى الكنيسة، وقُرعت الأجراس قبل حينها، وبدأ الراهب يتلو صلاته، فيما انسحب العملاء خائبين ليكملوا بحثهم في القرى المجاورة، بقي أحد الرهبان واقفاً على باب الكنيسة، حتى إذا ما لمح الإشارة التي تنبئه أن العملاء أصبحوا بعيدين، أخبر القسيسُ بذلك، ليعطي الإشارة إلى أربعة رجال متنكرين بزي رهبان لينسحبوا واحداً تلو الآخر من الباب الخلفي للكنيسة. انتهت الصلاة عند منتصف الليل، وغادر الجميع الكنيسة فيما بقي القسيس وحده أمام المذبح يصلي.. وبدأت الشموع تنطفى‏ء واحدةً بعد أخرى، فعرف أن الباب قد فُتح، وأن الزائر لم يأتِ للاعتراف..

- لقد انتظرتك طويلاً حتى أسمع اعترافاتك يا بُني..
- لقد خدعتني بصلواتك أيها القسيس، فقد عرفت أنك أرسلت أحد خدام الكنيسة ليبلّغ الناس بأني هنا، وحدك قد أقمت الصلاة قبل موعد الميلاد.. لقد ساعدت المقاومين الأربعة على الفرار من قبضتنا..
- لن أنكر أحباب اللَّه قبل صياح الديك يا بُني، لقد جاؤوا ليقتلوا أعداء اللَّه.. ومن يبيع وطنه وأهل وطنه عدو للَّه، وإني الآن أدعوك للتوبة والاعتراف بخطيئتك..
- لك ما تريد يا أبتي..
أدار الضابطُ ظهره فيما امتلأ صحنُ المذبح بدماءِ الراهب وصدى أنينه: "ليقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، ليكن ما تشاء" (متى: 6).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع