مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: الوعدُ الإلهيّ  أخلاقنا: النسل الصالح: رعاية وصيانة أمّهات مفقودي الأثر: عيدنــــا بعودتكم (1) الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*) احذر عدوك: العدوّ والفضاء الافتراضيّ(1)  اللقاح لا يغني عن الكمامة السيّاح الإسرائيليّون يفعلونها مجدّداً تطبيق "معاً" لتتبّع المخالطين 

الجهاد في القرآن



في الحلقة الماضية تحدث الأستاذ آية الله طاهري خرم آبادي عن كون الجهاد أفضل وسيلة للوصول إلى الله تعالى وتحصيل رضاه. وفي هذه الحلقة يتابع شرحه لبعض آيات القرآن الواردة في الجهاد وخصوصاً الجهاد الدفاعي.

الجهاد نوعان: دفاعي وابتدائي. والجهاد الدفاعي يكون عندما يهاجم الأعداء بلاد المسلمين أو يعمل على استغلال ثرواتهم وأموالهم. والدفاع واجب بحكم العقل والفطرة، فضلاً عن حكم الشرع، بل لا يختص بالإنسان فقط، فكل موجود يدافع عن وجوده مهما كان نوعه. وقد ورد وجوب الجهاد والأذن به في آيات كثيرة من القرآن نذكر بعضاً منها:

في سورة الحج، قال تعالى:﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .  الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور (الحج/ 39- 41).

هذه الآيات المباركات نزلت في السنة الثانية للهجرة معلنة الإذن في أول حرب دفاعية للمسلمين. في مكة بقي المسلمون حوالي ثلاث عشرة سنة يعيشون المرارة والاضطهاد والظلم والحصار الاقتصادي و... لكن كان الواجب هو الصبر والتحمل وعدم الخروج بالسيف، لأن الإسلام عوده ما زال طرياً والحرب العسكرية في ذلك الحين تعني اندثار الإسلام وزواله.

بعد تبدل الأوضاع وتحسن حال المسلمين خارج مكة بحيث أصبح للإسلام نفوذ قوي وخاصة في المدينة المنوّرة، جاء الإذن بالجهاد والإعداد للحرب. وطبيعي أن تكون المسألة الأساسية هنا هي بناء الشخصية الجهادية. والنقطة الأولى في عملية البناء هي بيان فلسفة تشريع الجهاد والغاية الأساسية منه، فقال تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد...

الصوامع جمع صومعة، وهو المكان الذي يتعبد فيه الزهاد والرهبان، والبيع جمع بيعة (بكسرة الباء) وهو معبد اليهود والنصارى، والصلوات جمع صلاة وهي مصلى اليهود، والمساجد جمع مسجد وهو مكان عبادة المسلمين.

فلسفة الجهاد إذاً هي الحفاظ على أساس وأصل الدين من خلال الحفاظ على هذه الأماكن التي تقام فيها الشعائر الدينية. ويستفاد من هذه الآيات أن وجوب الجهاد دفاعاً عن الدين له سابقة في الأديان والشرائع السالفة.

في سورة التوبة، يشدّد الله تعالى الأمر بالجهاد فيقول: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة/24).

في هذه الآية المباركة لم يكتف تعالى بالإذن والسماح بالجهاد، بل هي تهديد للذين يقدمون الأهل والإخوان والأزواج وتكون علاقتهم بهؤلاء أقوى وأشد من العلاقة بالله ورسوله الأمر الذي يؤدي إلى التمنع عن الجهاد والتهرب منه. والتربّص بمعنى الانتظار. فهذا تهديد من الله تعالى إن انتظروا الأمر الإلهي بحبكم لهؤلاء أكثر من الله ورسوله والجهاد في سبيله، وهذا الأمر الإلهي لم يبيَّن، ولم يوضَّح مما يوحي بالرهبة والخوف بشكل أشد وأعظم.

وهناك احتمالان يمكن أن يكون المقصود من الأمر الإلهي أحدهما: الأول وهو العذاب الإلهي الأليم سواء في الدنيا أو في الآخرة، ويؤيده ما ورد في مخاطبة المؤمنين للمنافقين في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ (التوبة/52).

والثاني هو الجيران والتدارك من إعراض هؤلاء عن الجهاد، أو استبدالهم بآخرين يحفظون دين الله كما ورد في العديد من الآيات الكريمة نذكر منها: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (المائدة/53).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ.

وهنا لا بد من ذكر بعض الملاحظات حول أوصاف هؤلاء القوم وعلائمهم. ومن هذه الأوصاف والعلائم.

1- محبة الله لهم
وأشارت إليها الآية ﴿يأتي الله بقوم يحبهم.. فهؤلاء محبوبون عند الله عزّ وجلّ، لكن ما هو معيار محبة الله لهم؟ في آيات كثيرة أشار الله تبارك وتعالى إلى الذين لا يحبهم، فقال: إن الله لا يحب الكافرين، والله لا يحب الظالمين، إنه لا يحب المسرفين.. المفسدين.. المعتدين.. الخائنين..

فهذه الأوصاف يجب أن يكونوا منزهين عنها.
وفي المقابل وصف الذين يحبهم فقال: إن الله يحب المتقين. إن الله يحب المحسنين.. والله يحب الصابرين.. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.. إن الله يحب المتوكلين.. التوابين.. المتطهرين..

2- يحبون الله
وأشارت إلى هذه الصفة الثانية الآية ﴿ويحبونهوإن أهم شرط وعلامة لصدق المحبة هذه هي الاتباع والانقياد للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار. ولذلك قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.

3- أذلة على المؤمنين.

4- أعزة على الكافرين.

5- يجاهدون في سبيل الله.

6- لا يخافون لومة لائم.

وفي الواقع إن المصداق الحقيقي لهذه الآية هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد وسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الوسام الخالد في معركة خيبر حينما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه"، ما أن أصحابه الخلص الأوفياء يعتبرون مصداقاً لهذه الآية أمثال المقداد وسلمان ومالك الأشتر وأبو ذر وعمار وغيرهم.
 

ومن المحتمل جداً أن الآية المباركة ﴿سوف يأتي الله..بما أنها تفيد المستقبل البعيد أن يكون المقصود هم أصحاب الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف الذين يجب أن تكون صفاتهم هذه المذكورة أعلاه.
إذاً من يقدم محبة الغير على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله سوف يُستبدل بقوم آخرين، ويكون مآله إلى الفسق أو الكفر فلا تشمله الهداية الإلهية ولذلك قال تعالى في ذيل آية 24 من سورة التوبة "والله لا يهدي القوم الفاسقين".

أما نصرة الدين الإلهي والدفاع عنه بالغالي والنفيس فهي فضل إلهي يمن به على من يشاء وتأخذه العناية والهداية الإلهية إلى حيث الكمال والسعادة ولذلك ذيّل آية المائدة (53) بقوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه مني شاء والله واسع عليم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع