مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

في رحاب بقية الله: شوق المنتظرين


الشيخ نعيم قاسم

"اللّهُمَّ أَنْتَ كَشَّافُ الكُرَبِ وَالبَلْوى, وَإِلَيْكَ أَسْتَعْدِي فَعِنْدَكَ العَدْوى, وَأَنْتَ رَبُّ الآخِرةِ وَالأُولى, فَأَغِثْ يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ عُبَيْدُكَ المُبْتَلى, وَأَرِهِ سَيِّدَهُ يا شَدِيدَ القُوى, وَأَزِلْ عَنْهُ بِهِ الأَسى وَالجَوى, وَبَرِّدْ غَلِيلَهُ يَا مَن عَلى العَرْشِ اسْتَوى, وَمَن إِلَيْهِ الرُّجْعى وَالمُنْتَهى, اللّهُمَّ وَنَحنُ عَبِيدُكَ التّائِقُونَ إِلى وَلِيِّكِ المُذَكِّرِ بِكَ وَبِنَبِيِّكَ".
يبدأ المؤمن هذه الفقرة من دعاء النّدبة باللجوء إلى الله تعالى، لينصره ويُعينه ويبرِّد حرارةَ شوقِه برؤية ومواكبة ونُصرة صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء). هذا اللجوء إلى الله تعالى هو مفتاح كل الطلبات والخيرات، فالله تعالى خالقُ الخلق، ومالكُ الملك، وواسع الرَّحمة, وله الأسماء الحسنى.


*كشّاف الكُرب
ويناجي المؤمن ربَّه: "اللّهُمَّ أَنْتَ كَشَّافُ الكُرَبِ وَالبَلْوى"، فقد يغتَمُّ من الأحداث التي تمرّ معه وكأنَّ نَفَسَه سينقطع بسببها، وهذه هي الكُرَب، وقد تصل البلاءات والاختبارات إلى ذروتها، بحيث لا نجاة ولا كشفَ لها إلّا بعون الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب (البقرة: 214).
وإذا ما احتاج الإنسان إلى النُصرة، فلن يجدها إلّا مع الله تعالى، ولذا طَلَبَ في الدعاء: "وَإِلَيْكَ أَسْتَعْدِي فَعِنْدَكَ العَدْوى"، وفي مجمع البحرين، استعديتُ الأمير فأعدَاني، أي طلبتُ منه النصرة فأعانني ونصرني، وما أحوجنا إلى طلب النُصرة من الله تعالى، فإليك يا رب أطلب النُصرة فأنت الناصر والمعين.
"وَأَنْتَ رَبُّ الآخِرةِ وَالدُّنْيا"، وهل يَطلبُ المرء إلّا من مالك المُلك؟ وهل يملك أحدٌ شيئاً في الدنيا والآخرة إلّا الله جلَّ وعلا، وهو الربُّ المدبِّرُ؟

*بلاءُ فقدِ الإمام
إنَّ مناجاة كَشَّاف الكُرَبِ والبلوى، والنَّاصر المعين، الذي بيده ملكوت كل شيء، لطلب العون من غِياثِ المُسْتَغِيثِين, للعُبَيْدِ الأقل من العبد، هو اعترافٌ بالضعف الشديد والتذلّل الأقصى إلى الله تعالى, للإغاثة من البلوى، "فَأَغِثْ يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ عُبَيْدُكَ المُبْتَلى".
ما هو هذا الأمر العظيم الذي استدعى هذه المقدِّمات؟
ما هو البلاء الذي يتطلَّب غوثاً ونُصرةً من ربِّ السَّماوات والأرض، وربِّ الدنيا والآخرة؟
إنَّه الشَّوقُ لرؤية مولانا الحجة المهدي عجل الله فرجه الشريف، والعشقُ لخاتم الأوصياء القائم المنتَظَر عجل الله فرجه الشريف، والرغبة بالطمأنينة والسَّكِيْنَة بالانضواء تحت راية مُنقذ البشريَّة الخَلَف المهدي عجل الله فرجه الشريف.

"وَأَرِهِ سَيِّدَهُ يا شَدِيدَ القُوى"، والمقصود بالرؤية هو الظهور والفرج، والطلب دائماً من الله تعالى شديد القوى، الذي لا يَكِل أمرَه إلى أحد، ولا يؤخِّره لعجزٍ أو ضَعف، فهو الذي بيده كل مصادر القوة وبأعلى مراتبها وبأشدّ تَمَكُّنٍ منها، فيا شَدِيدَ القُوى، أَرِ عُبَيْدكَ المُبْتَلى سَيِّدَهُ وقائده ومولاه محمد بن الحسن العسكري عجل الله فرجه الشريف ظاهراً وباسطاً سُلطةَ عدلِه ودولته العالمية.

*شوقٌ للقائه عجل الله فرجه الشريف

ما أعظم آثار مناجاة الله تعالى "يا شَدِيدَ القُوى". شكا رجل إلى الإمام الحسن عليه السلام مظلمة، فقال عليه السلام: "إذا صلَّيْتَ الركعتين بعد المغرب فاسجُد، وقُلْ يا شديد القوى، يا شديد المحال، يا عزيزاً ذللت بعزَّتك جميع من خلقت، صلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمد، واكفني مؤنة فلان بما شئت" (1)، فسمع الصراخ على موت ظالمه من ليلته.

"وَأَزِلْ عَنْهُ بِهِ الأَسى وَالجَوى"، الأَسى هو الحزن الذي يتطلب التعزية بالفَقد والخُسران، والجَوى هي الحُرْقة وشدَّة الوَجْدِ من العشق أو الحزن، فما أبْلَغَ الشَّوق الذي أحزَنَ عُبَيْدكَ المُبْتَلى, وزَادَ من حرقة قلبه، المنتظِر لظهور الطَّلعة البهيَّة.
ما أروَعَ لهفة القلب المتعلِّق بولي الله الأعظم عجل الله فرجه الشريف. ومن هنا كان انتظار الفرج أفضل العبادة لاستقبال الظهور في أوانه بأفضلِ استعدادٍ وأداء، فيزولُ الأَسى والجَوى. والظهور يُبرِّدُ الغليل، ويُطفئ نيران الوَجد، ويُلقي السَّكِيْنَة في القلب.
هذا الشوق الكبير لرؤية مولانا في ظهوره، لا يعني التَّحسُّر، أو الانتظار السلبي بلا حراك، أو اليأس من تأخر الظهور عن موعد توقعاتنا أو رغباتنا، بل هو شوقٌ يربطُ القلبَ بالحبِّ الأبدي الذي لا يضاهيه حبٌّ آخر، ويدفعُ لبذل أقصى الجهود للمساهمة في التَّمهيد للظهور، فالإمام عجل الله فرجه الشريف يَنتظرُ أن تكتمل عُدَّتنا وعددنا ليأذن الله تعالى له بالفَرَج.

*المذكِّرُ بلقاء الله
الشَّوقُ إلى الإمام عجل الله فرجه الشريف هو شوقُ المنتظرين. والمنتظرون هم العابدون الطائعون المتأمِّلون برحمة الله تعالى، الذين لا تتوقف حركتهم لإعلاء كلمة الله تعالى على الأرض، وهم المجاهدون الذين لا يخافون في الله لومة لائم، قلوبهم كزبر الحديد، ولكنَّهم يخشعون فترقّ قلوبهم بمناجاة الله تعالى.

"اللّهُمَّ وَنَحنُ عَبِيدُكَ التّائِقُونَ إِلى وَلِيِّكِ المُذَكِّرِ بِكَ وَبِنَبِيِّكَ". ألم يصف ربُّ العالمين حال المُنعَّمين بالجنَّة بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (القيامة: 22 - 23)، فالحال في النعيم عيشٌ للِّقاء ونظَرٌ إلى رحمة الله تعالى، وهكذا يكون لقاءُ الدنيا مع الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف مُذَكِّراً بلقاء الله تعالى ورسوله عليه السلام.

اللّهُمَّ إنَّا نسألك تعجيلَ الفَرَج، وتسكينَ القلوب بحبِّ محمدٍ عليه السلام وآل محمد عليهم السلام، وتبريد الشَّوق بلقاءِ ونُصرةِ وليِّ الله الأعظم عجل الله فرجه الشريف، اللّهُمَّ وأنت المعين والمغيث والنَّاصر لعبيدك الملتجئين إليك


1.السيد البروجردي, جامع أحاديث الشيعة, ج 7, ص277.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع