الشيخ موسى خشّاب
لا ينحصر التكليف الشرعيّ في العبادات فحسب، بل يشمل الطاعة الكاملة للحُجّة، الذي يبيّن للمؤمنين واجباتهم في كلّ زمان. وإنّ الاستجابة لأمره تعدّ اختباراً حقيقيّاً لإيمان الإنسان، إذ يُكشف فيه الصادق من غيره، ويميّز فيه الطائع من المتخلّف.
• لا تخلو الأرض من حجّة
منذ أن أشرقت الشمس على البشر، لم تخلُ الأرض من حجّة، وستظلّ كذلك إلى نهاية ذلك الوجود البشريّ، فعن الإمام الصادق عليه السلام: «لو لم يبقَ في الأرض إلّا اثنان، لكان أحدهما الحجّة»(1). وأوّل الحجج هو النبيّ آدم عليه السلام وآخرهم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وما بينهما حبل متّصل لا ينقطع أبداً: «لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة، لماجت بأهلها»(2). والحجّة على العالمين هو الإمام على الناس: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124).
• لماذا لا تخلو الأرض من حجّة؟
إضافة إلى إبلاغ الرسالة وإنذار الناس، فالحُجّة هو قائد المشروع الإلهيّ الذي يعرّف أتباع الحقّ على واجباتهم في مقابل الأحداث والتطوّرات والتحدّيات التي تواجههم. وبعبارة أخرى: إنّ الحُجّة يمثّل دور الإمام والقائد، وهو الذي يعرّفهم تكليفهم الشرعيّ في مقابل التغيّرات والحوادث الواقعة التي تطرأ على بساط الزمن، ولا يمكن لهم معرفة التكليف الشرعيّ من دونه.
• الاختبار الأعظم
إنّ أعظم اختبار يختبر الله تعالى به أتباع الحقّ المؤمنين هو اختبار الطاعة للتكليف الشرعيّ الصادر عن الحُجّة. هذا التكليف يحدَّد بحسب الظروف والمصلحة؛ فقد يكون تكليف المؤمنين بناء سفينة في الصحراء كما حصل مع النبيّ نوح عليه السلام، أو يؤمرون بذبح بقرة لكشف مجرم كما حصل مع النبيّ موسى عليه السلام. من هنا، لا يوجد أيّ اختبار أكبر من اختبار الطاعة، والحُجّة لا يبحث عن أيّ مؤمن، بل المؤمن المطيع تحديداً. لذلك، حين طالب أحدهم الإمام الصادق عليه السلام بالثورة، طلب منه عليه السلام أن يدخل إلى التنّور ليختبر مدى استعداده للطاعة. وهذه إحدى القضايا التي تؤثّر في ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، بحيث تصف الروايات أتباعه أنّهم أطوع له من الأَمة لسيّدها، وأنّهم يكفونه ما يريد؛ أي إنّهم أبناء التكليف الشرعيّ في زمن الغيبة المتمثّل في هذا الزمان باتباع الوليّ الفقيه نائب الإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وذلك عبر إقامتهم الفرائض الولائيّة؛ من جهاد في سبيل الله في ميادين المقاومة القتاليّة والثقافيّة والسياسيّة والعلميّة كافّة، وهم بذلك يثبتون لإمامهم استعدادهم لطاعته في فترة الإعداد والتمهيد.
• العمل بالتكليف
يظنّ بعض الناس أنّ التكليف محصورٌ بالعبادات والفرائض، لكن إذا دقّقنا في مفهومه الذي طرحه الإمام الخمينيّ رحمه الله نجد أنّه طرح مفهوماً موسّعاً، فهو التزام القوانين التي تصدرها جهة تتمتّع بالصلاحيّة وعلى المكلّف إطاعتها. وتحدّد التكاليف الإلهيّة للبشر كلّ حركاتهم وسكناتهم في ميادين حياتهم، فيكون عملهم بالتكليف وفقاً للتعاليم الإلهيّة في الميادين كافّة(3). والتكليف على مراتب والعمل به يرتبط بتشخيصه ومعرفته. وهنا نرى أنّ للتكليف هرماً يرتفع من قاعدة طاعة الله، ليبنى عليها المطلوب، وإذا دخلنا ميادين الحياة، فمعرفة التكليف وتشخيصه مرتبطان بمعرفة هذه الميادين، تلقائيّاً سيحتاج كلّ مكلّف إلى العودة إلى العارف بأمور الزمان، وهو الوليّ الفقيه.
• الصادقون في أوقات الفتن
لقد اقتضت حكمة الله تعالى تمييز المؤمن الصادق عن غيره من خلال الفتن، قال تعالى :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)، ويبيّن سبحانه أنّ هذا الاختبار جرى أيضاً في الأمم السابقة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العنكبوت: 3)، ويبيّن قدرته على كشف الإنسان: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 3).
والفتنة هي ما يفتن الإنسان، أي يُظهر حقيقته؛ فكما يفتن الذهب في النار لتنقيته من الشوائب، كذلك يفتتن المجتمع المؤمنين ليظهر الصادقون منهم ويسقط مدّعو الإيمان. وتتنوّع الفتن التي يتعرّض لها المؤمنون: فقد تكون خوفاً شديداً، أو إغراءً عالياً، أو خديعة كبرى. لذا، لا يمكن لغير المؤمنين الصادقين أن يثبتوا في الفتن.
• كيف نسلم في الفتن؟
إنّ اجتياز اختبار الطاعة والثبات على أداء التكليف الشرعيّ، في الفتن يتطلّب من المؤمن أن يتسلّح بـ:
1. الصبر: لأنّ أداء التكليف الشرعيّ يواجَه بمجموعة من الصعوبات والتحدّيات. وينقسم الناس أمام هذه التحدّيات قسمين أساسيّين: الأوّل يتفرّق عن الحجّة، كما حصل مع الإمام الحسين عليه السلام حين تفرّق عنه الناس بعد وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل. أمّا الثاني فيؤدّي تكليفه مهما بلغت الصعوبات، كالعبّاس عليه السلام الذي صبر على أداء تكليفه على الرغم من أنّه فقد يديه وعينيه.
2. البصيرة: لم يكن السبب الوحيد للتفرّق عن الإمام الحسين عليه السلام هو الخوف من التهديدات أو الطمع، بل إنّ قسماً ممّن عُرفوا بالشجاعة تخلّفوا عنه بسبب انخداعهم بالتحليلات والآراء الخاطئة. وبعبارة أخرى، بسبب عدم امتلاكهم البصيرة، كما هو الحال مع سليمان بن صرد الخزاعيّ وأصحابه الذين قُتلوا جميعاً بعد واقعة كربلاء، وهم لم يكونوا من أهل الخوف بل سذّجاً يسهل خداعهم. في مقابل هذا الموقف، ورد في الزيارة المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام في السلام على العبّاس عليه السلام أنّه «نافذ البصيرة».
• نماذج من الفتن
إنّ إحدى الفتن الكبرى التي يفتتن بها المجتمع المؤمن هي الضربات التي يتلقّاها من العدوّ. فحين يحقّق العدوّ بعض الإنجازات، ويصاب المؤمنون ببعض الخيبات، يُفتح باب واسع لخروج الناس من دين الله أفواجاً، تماماً كما أنّ النصر والفتح يفتحان الباب لدخول الناس في دين الله أفواجاً. ومن تلك الفتن مقتل القائد، كما حدث في معركة أحد، حيث أُشيع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتل، فانصرف المسلمون عن أرض المعركة ولاذوا بالفرار، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144).
وإنّ أحد أهمّ الدواعي للسقوط في الفتن هو الإحباط واليأس، أي الانهزام في حرب المعنويّات من خلال تصديق رواية العدوّ الذي يسعى إلى هزيمة المجتمع المؤمن معنويّاً والتأثّر بها.
• مؤشّرات التخلّف والثبات
من خلال ما تقدّم، يمكن تحديد مؤشّرات عدّة تبيّن لنا قابليّتنا، إمّا للسقوط والتخلّف أو الثبات على الطاعة في الفتن، وهي:
1. الموقف من القيادة: هل نثق بالقيادة؟ وإلى أيّ مدى نثق بها؟ وهل نصدّق قيادتنا أم قيادة العدوّ؟ وإنّ أخطر ما في الأمر تصديق رواية العدوّ، وقد وصف الله تعالى بعض المؤمنين بقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (التوبة: 41)، أي إنّهم يصدّقون رواية العدوّ التي يرويها مباشرة أو من خلال أدواته في داخل المجتمع. وقد لام الله تعالى المؤمنين على ذلك: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ (النساء: 83)، بمعنى أنّهم يتداولون ما يُشاع ويصدقّونه، ثمّ يرشدهم الله إلى الحلّ قائلاً: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83)، وهذا يؤكّد قضيّة أساسيّة وهي الثقة بالقيادة التي يمكن أن تكشف هذه الحيل والخدع.
2. الموقف من الدنيا: هل نحبّ الدنيا؟ وإلى أيّ مدى تغلغل حبّ الدنيا في قلوبنا؟ وكيف نقيّم قدرتنا على الصمود أمام المغريات؟ وقد ورد في الرواية: «ليجيئنّ أقوام يوم القيامة لهم من الحسنات كجبال تهامة، فيؤمر بهم إلى النار، فقيل: يا نبيّ الله، أمصلّون؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: كانوا يصلّون ويصومون ويأخذون وهناً من الليل، لكنّهم كانوا إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه»(4)، وذلك بسبب ضعف نفوسهم.
3. الموقف من الموت: هل نخاف من الموت؟ وإلى أيّ حدّ يتحكّم فينا هذا الخوف؟ فالموقف من الموت يعدّ مؤشّراً واضحاً على إمكانيّة التخلّف أو الثبات. ولذلك، سأل الإمام الحسين عليه السلام ابن أخيه القاسم بن الحسنL: «كيف الموت عندك؟ فقال القاسم: يا عمّ، أحلى من العسل»(5).
• قصّة طالوت الخالدة
لقد خلّد الله تعالى قصّة طالوت وأصحابه الذين انتصروا على جالوت وجنوده، وبين الاختبارات التي مرّ بها الثابتون على أداء التكليف حتّى نالوا النصر، وهي كالآتي:
1. اتّباع القائد: ﴿إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (البقرة: 247). بعد تحديد القائد، انقسم الناس قسمين: الأوّل رفض قيادة طالوت، والثاني وثق به واتّبعه لأنّ الله تعالى عيّنه. والاتّباع فرع الثقة، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام، مادحاً شهداء صفّين: «ووثقوا بالقائد فاتّبعوه»(6).
2. اختبار النهر: ﴿قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ (البقرة: 249)، وكانت النتيجة أنّ الأكثريّة من أتباع طالوت شربوا من النهر. وهذا الاختبار أظهر قوّة الإرادة ومستوى العفّة عند القلّة التي لم تشرب، لأنّ العطشان الذي لا يغريه مشهد الماء من الصعب أن يُهزم أمام المغريات. وقد مدح الله تعالى عفّة المحاصرين الذين أصابهم الفقر بقوله تعالى: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (البقرة: 273). وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّما شيعتنا... من لا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفّه ولو مات جوعاً»(7).
3. اختبار الجيش: ﴿قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾ (البقرة: 249). فبعض الذين نجحوا في اختبار النهر (العفّة)، سقطوا في اختبار الجيش (الخوف)، ووحدهم الذين لا يخافون الموت ثبتوا وانتصروا: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).
في ختام هذا المقال، نسأل الله تعالى أن يثبّتنا على طاعته، ويجعلنا من أهل التكليف الصادقين الذين لا تزلزلهم الفتن، ولا تلهيهم الدنيا عن الالتزام بحجّته في كلّ زمان.
1. الغيبة، النعماني، ج 1، ص 140.
2. الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 179.
3. موقع دار الولاية للثقافة والإعلام، ملفات خاصّة، أداء التكليف في نظر الإمام الخميني قدس سره، بقلم عباس شفيعي.
4. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 17، ص 67.
5. مدينة المعاجز، البحراني، ج 4، ص 215.
6. نهج البلاغة، خطبة 182.
7. بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 65، ص 165.