حنان الموسوي
لم يكن شيءٌ في هذه الدنيا يعنيني سوى إغداق المحبّة على أفراد عائلتي والعناية بهم. يومها، كنت مشغولةً بتحضير المؤونة. لم أعرف سرّ إصرار ابنتي على البقاء في منزل جدّها من دون مرافقتي، لكنّي انصرفت لأتمّ عملي، يملؤني الأنس بوجود ابني هاني معي. وضعته في كرسيّه الخاصّ وأحكمت ربط الحزام كي لا يقع. قدّمت له الطعام وشغلت فكري بنوع أشجار الزينة التي سيحضرها زوجي لنزرعها في الممرّ الخارجيّ للمنزل. بينما غادرت المطبخ لإتمام أمرٍ ما، لم يرُق لي صوت رنين "البايجر" الصاخب والمتواصل، فهرعت إليه لأكتم صوته. ثوانٍ قليلةٌ مُنحت لي لأرى شاشةً ساطع ضوؤها، حُفرت في وجهي ودماغي، بعد أن تشظّى الجهاز زارعاً كلّ أجزائه الحادّة في جلدي وعظمي!
* انفجارٌ ووصيّة
كان صوت الانفجار مدوّياً. هرع كلّ من سمعه لتفقّد المكان ظنّاً منهم أنّ مسيّرةً معاديةً قد استهدفت شيئاً ما، لكنّ اختفاء آثار العدوان زرع الشكّ في نفس والدة زوجي عن سبب الصوت. أنيني الخافت وصل أسماعهم، حين اقتربت زحفاً من الباب لأهدّئ من روع ابني الذي ملأه صوت الانفجار رعباً، وآخر كلماتي: "هاني، انتبهوا له"، قبل أن أفقد الوعي.
* تشحُّطٌ بالدّم
لا كلام يصف المشهد؛ وجهٌ قد فُلِق نصفين، عينان انصرفتا إلى عالم الملكوت، يدٌ مبتورةٌ وأخرى فقدت أنصاف أصابعها، وبركة دمٍ سخيّة فاضت من جسمي لأغرق بها. صورة المتشحّط بدمائه نُقشت في أذهان الجميع من دون إدراك ما جرى. كنت أوّل الوافدين إلى مستشفى دار الأمل. قدوم باقي الجرحى أوضح سبب الإصابة. الإسعافات الأوليّة وتضميد ما انفلق كان الأولويّة. مرّ وقت ثقيل وسط ذهول مفجع حتّى أخبرهم الطبيب أنّ علامات خافتة للحياة قد نبضت من جديد، ما زلت حيّة! نقِلتُ إلى غرفة العمليّات لترميم جراحي بعد إجراء الصور اللازمة، ثمّ إلى غرفة العناية المركّزة. فقدت عينيّ، واستقرّت شظيّة كبيرة في مقدّمة جمجمتي أحدثت لي خللاً بسيطاً في الذاكرة لبضعة أيّام. دخلت غيبوبة لخمسة أيّام، وعلى الرّغم من فقدان الأمل بالرؤية مجدّداً، إلّا أنّ عائلتي أصرّت على سفري إلى إيران.
* موتٌ خفيف
تواصلت مع من حولي بالإشارات، فالأنابيب الموصولة بجوفي عبر فمي شكّلت عائقاً عن الكلام، وبعد نزعها أحسست بتغييرٍ في مزاجي، صرت أكثر هدوءاً ومرحاً، ومنذ لحظة الانفجار لم يفارقني اللطف الإلهيّ، وبَرَكة أهل البيت عليهم السلام ظلّلتني، وكان زوجي دائماً قربي ويمسك بيدي.
لم تكن لفرحتي سماءٌ تحدّها، فزيارة سلطان الأئمّة الرضا عليه السلام كانت حلماً يلازمني. طلبت من زوجي إيصال رسالةٍ للسيّد حسن نصر الله بأنّ روحي فداء له. تلفّظت حينها بعبارة لن ينساها كلّ من رافقني: "أنا ابنة الإمام الحسين عليه السلام، لا تقتلني شدّة"، وقد رسخ في ذهني أنّ إصابتي هي مجرّد خدوشٍ ستزول بلطفٍ من الله.
* نسمةٌ من رَوح الله
عند وصولنا إلى مشهد، نُقلت ومعي الجريحات إلى مستشفى شمس الشموس ومنها إلى مستشفى الإمام الرضا عليه السلام، حيث خضعت لأوّل جراحة ليديّ. نسمة من رَوح الله كنّ الطالبات اللبنانيّات اللّواتي يدرسن الطبّ في إيران، لم يتركْنَنا مطلقاً، عائق اللغة تسبّب ببعض المشكلات مع الطاقم الطبّيّ الإيرانيّ قبل مجيئهنّ. تحمّلن عناء الاهتمام بنا: تطبيبنا، إطعامنا، حتّى مساعدتنا في أمور أخرى، على الرغم من أنّ مهمّتهنّ كانت الترجمة فقط، إلا أنّ إنسانيّتهنّ طغت ليكنّ النموذج الأرقى للرقّة والحنان.
* يد السيّدة الزهراء عليها السلام
لم تتكوّن لديّ أدنى فكرة عن حال يديّ، لأنّ الآلام الوهميّة المبرحة كانت تُشعرني أنّهما سالمتان ما خلا بعض الجروح. طلبت من زوجي مصارحتي بوضعهما، فأخبرني أنّ إصبعين من يدي اليسرى فقدا جزءاً منهما، وأخفى عنّي بتر يدي اليمنى. لكنّ ربّي هيّأني بلطفه وعنايته، حين طافت روحي في عالم الرؤيا، فرأيت أنّ شخصاً وضع صندوقاً أسودَ مدثّراً بوشاحٍ شفّاف على سريري. فتحته فرأيت يداً قد لفّها الحرير، جمالها يسلب العقل، زيّن بنصُرَها خاتمٌ صغيرٌ مميّز. حين قيل لي إنّها يد السيّدة الزهراء عليها السلام، احتضنتها بلهفةٍ حتّى تماهت واندمجت في جسدي حيث استقرّت. حُفر ذاك المشهد في بالي، وأيقنت تأويل رؤياي بعد أسبوعين، بعدما علمت أنّ يدي باتت بكنف سيّدة نساء العالمين عليها السلام.
* عيون القلب
بعيون القلب رأيت إشراقة قبّة الإمام الرؤوف عليه السلام المباركة، لم أستعنْ بعينين مجوّفتين قد أفرغهما الغدر كي تتلألأ الرأفة والسكينة داخلي. شعرت بدفء يحملني بخفّةٍ، يبلسم أوجاعي. عند حائط الرحمة، أطلقت العنان لصرخاتي التي آلمني كبتها، تلك الحبيسة التي أوجعت صدري. رفض عقلي تقبّل فكرة أن أكون بجوار الحنون عليه السلام ولا أرتوي من رأفته بزيارة المرقد. أصررتُ على الدخول إلى الحرم، وبعد أن تناولنا العشاء في مضيف الإمام عليه السلام، اصطحبني خدّام المقام إلى جنّة الرضا عليه السلام، وهناك، ولدت من جديد حين لامست قدماي بلاط الحضرة، وأمسكت يداي الضريح، وبعد مئة يومٍ عدت إلى لبنان.
* سلسلة جراحات مستمرّة
مجموع الجراحات التي أجريتها لعينيّ، ووجهي، ويديَّ، وحنجرتي بين لبنان وإيران تجاوز العشرين، آخرها كانت لنسيج تشكّل في القصبة الهوائيّة، نتيجة لإدخال الأنابيب المتعدّدة في حنجرتي عند إصابتي، ما سلبني قدرتي على التنفّس، وساهم في حدوث حالات اختناقٍ متعدّدة. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل خضعت لعمليّات كيٍّ للأنسجة وتوسيع للقصبة كي أستعيد أنفاسي. كما سأخضع قريباً لعمليّة تركيب عينين زجاجيّتين، بعد أن خضعت لجراحة تحرير جفن مؤخّراً.
* حكمة وصبر
إنّ الله بعلمه المسبق بالأحداث، رحم قلبي الضعيف من الانشطار، لأنّه لن يحتمل أن يصاب أحدٌ من أفراد أسرتي بالأذى الذي لحق بي، فأهداني الصبر لأنّ الآلام التي أعيشها تسهُل وتذوي أمام جرحٍ بسيط قد يلحق بأحدهم، فالحمد له أن جعلني فداءً لسلامتهم، وإنّي بفضله لا أرى إلّا الجميل من صنيعه.
قرّرت حفظ القرآن الكريم، فقد منّ الله عليّ بذاكرةٍ قويّةٍ بعد الإصابة، وعزمت على تربية أولادي تربيةً مهدويّةً خاصّةً بعد أن تقبّل أولادي وضعي الجديد، وتخطّت ابنتي التشوّه الذي عاث خراباً في وجهي. لا أعرف لليأس سبيلاً، وسأثبت لعدوّي أنّنا بجراحنا نحيا.
اسم الجريحة: روان علي الموسوي.
تاريخ الولادة: 26-6-1996م.
تاريخ الإصابة: 17-9-2024م.
نوع الإصابة: فقدان العينين، بتر اليد اليسرى.