آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

مجتمع: كتابات مع الطلقــات الأولـى (1)


تحقيق: ولاء حمّود


عندما دوّى صوت الطلقات الأولى في خلدة عام 1982م، وهي تصدّ هجمات الصهاينة وتتصدّى لاجتياحهم، ارتفع معها "صرير" أقلام جديدة، واكبت العمل المقاوم؛ فكتبت بالحبر ما كُتب بالدم.
في هذا التحقيق، نسعى للإضاءة على بدايات أدب الجهاد والشهادة، في محاولة لتلمّس بدايات الخُطى وخُطى البدايات، مع كتابات مقاومة طبعت ملامحها في الوجدان.
إليكم أيّها القرّاء الأعزّاء، تجربةٌ من تجارب عديدة في أدب المقاومة، تحدّثنا عنها الكاتبة فاطمة برّي بدير.

* قبل البداية
بدأتُ تحقيقي مع أولى الكاتبات اللواتي نذرنَ قلمهنّ لهذه المسيرة. على صفحات أسبوعيّة العهد التقيتها، بعد أن كنت أنتظرها أسبوعيّاً. كان مقالها المضمخ بعبير الشهداء الأوائل، يجذبني كثيراً.

فاطمة برّي بدير، تقول عن ذكرياتها الأولى مع المقاومة قبل نطق القلم: "في نهاية الثمانينيّات، كنت تلميذة في المدرسة، والمقاومة في سنواتها الخصبة. أتذكّر حصار الإقليم وأحداث الجنوب ومعركة ميدون في البقاع، وأيضاً مجزرة (فتح الله) في منطقة البسطا، والعمليّات النوعيّة في سجد وبئر كلّاب والحقبان. مصدر معلوماتنا الوحيد آنذاك كان جريدة العهد، التي كانت توزَّع في بيئة خاصّة وضيّقة جدّاً؛ لذلك وضعت حينها هدفاً نُصب عينيّ، وهو أنّني سأكتب في هذه الصحيفة يوماً ما، وقد تحقّق ذلك فعلاً".

* صعوبات الطريق
تُعلن فاطمة أنّ تلك الأيام كانت الأصعب، تقول: "العائق الأكبر والأساس والأهمّ، والذي قد لا تفهمه أجيال اليوم، هو العمل السرّيّ؛ فالمقاومة كانت حالة غامضةً وجديدة على المجتمع اللبنانيّ، الذي عانى لسنوات من الحرب الأهليّة، فكان من الطبيعيّ أن يتحكّم الخوف في سلوك الأهل وتعاطيهم مع أبنائهم. فأنا على سبيل المثال، تعرّفت إلى الضاحية الجنوبيّة حينما بلغتُ 18 عاماً، وبقيتُ أتردّد إليها لأكثر من سنتين دون علم أهلي، وعندما علموا بذلك، مُنِعت من الذهاب إلى الجامعة لشهور عديدة. تلك كانت أخطر المعوّقات يومها: أن تؤيّد المقاومة بصمت، وتذهب إلى المسجد سرّاً، وتشارك في يوم القدس شبه متنكّر؛ كي لا يعرف أهلك أنّك تنتمي إلى بيئة المقاومة!".

* ذروة الصعوبات
تستحضر فاطمة تجارب الماضي إلى الحاضر، فتقول: "في بداية التسعينيّات، كنت قد أصبحت فرداً رسميّاً في جريدة العهد، وكنت الفتاة الوحيدة والأولى في هذا الميدان، كُلّفت بتحرير مادّة كاملة وكتابة النصوص الأدبيّة المتعلّقة بالنهج المقاوم، ولم أبلغ العشرين من عمري بعد. وما زلت أذكر أنّنا كتبنا عن المقاومة في فلسطين ومصر، مثلما كنّا نكتب عن المقاومة في لبنان. لقد كتبت نصوصاً عن خالد الإسلامبولي وسليمان خاطر وعطاف عليّان، الذين كانوا رموزاً للعمل المقاوم في مصر وفلسطين ضدّ الظلم. كما أنّنا عملنا على ملفّ بخصوص إصدار الإمام الخمينيّ قدس سره فتواه الشهيرة ضدّ سلمان رشدي. لذلك، إذا أردتُ تقييم تلك التجربة الآن، أقول: إنّ ذلك كان عملاً جبّاراً؛ لأنّنا كنّا نعمل من دون مقوّماتٍ؛ فالإنترنت لم يكن جزءاً من حياتنا اليوميّة، ولم نكن نعرف (Google) ومحرّكات البحث العجائبيّة، ولم يكن الهاتف الخلويّ موجوداً، بل كنّا نجتاز مسافات بعيدة من أجل لقاء شخص يخبرنا معلومةً ولو بسيطة!

أشعر بالفخر والتميّز والحظوة الإلهيّة الكبيرة؛ لأنّني خضتُ تلك التجربة في ظلّ تلك الظروف الصعبة".

* النصوص الأولى
بنظرة تحمل الشغف إلى الماضي، تستذكر فاطمة أول نصوصها، تقول: "لا أستطيع تذكّر النصّ الأوّل تحديداً، بل أتذكّر كتابات أولى مجملة: عن الشيخ راغب حرب، وعن الاستشهاديّ الشيخ أسعد برّو الذي أجريت حواراً مطوّلاً مع زوجته، وعن الشيخ علي كريّم، وعن استشهاد السيّد عبّاس الموسويّ وزوجته وطفله (رضوان الله عليهم جميعاً)".

وتتدارك فاطمة ذكريات طفت فجأة من أعماق الزمن البعيد على صفحة الحاضر، فتقول: "تذكّرت! لقد كان نصّي الأوّل عن الحرّ العامليّ، يومها التقيتُ أخته وصهره، ففوجئت بقلّة المعلومات عن سيرته الجهاديّة، لكنّهما أرشداني إلى حقيبة ثيابه، فتحتها، فوجدت داخلها جواز سفر وملابس، قيل لي إنّه أوهم المقرّبين منه باستعداده للسفر، فلمعت أمامي فكرة القصّة؛ لقد كان سفراً إلى سماءٍ بلون الشهادة والفخر والإباء".

* أدب المقاومة يستحق
تجد فاطمة اليوم أنّ الكتابة على ضفاف الشهادة والشهداء، وعن ميادين الجهاد والمقاومة أصبحت "عملاً مقبولاً ومطلوباً، لا بل مدعوماً، بعكس تلك المرحلة السرّيّة التي قاسينا فيها ما قاسيناه. والأمر اليوم لم يُعد حكراً على الكتابة فقط؛ إذ تمتلئ حياتنا ببرامج تلفزيونيّة وأفلام وثائقيّة ومهرجانات عالميّة، تتحدّث جميعها عن المقاومة التي صارت اليوم محرّك العالم وملهمة الشعوب".

وعن طموحها حول أدب الجهاد والمقاومة، تؤكّد فاطمة: "أطمح إلى أن يصل أدب المقاومة والجهاد والشهادة إلى حيث لم يصل بعد، وأن يصبح مقروءاً ومعروفاً في المجتمعات الأخرى؛ لأنّنا إلى غاية اليوم، نتوجّه فقط إلى مجتمعاتنا ومناطقنا وأهلنا وأقاربنا ومعارفنا.

أطمح إلى أن يصبح أدب المقاومة الإسلاميّة في لبنان في مستوى موازٍ لأعمال غسّان كنفاني، أو نتاج يوسف السباعي، أو توفيق عوّاد، أو سحر خليفة، التي كتبت عن تاريخ كامل من سنوات المقاومة في فلسطين، وغيرهم الكثير".

قلم فاطمة ما زال يحمل شغف البدايات، وحلم المستقبل، كما أقلام كثيرة واكبت قصة المقاومة منذ الطلقة الأولى. نتابع قلماً آخر منها في العدد القادم، إن شاء الله.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع