نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

تسابيح جراح: جـراحـــات جنتـا


لقاء مع الجريح المجاهد يوسف حسين شكر (أبو علي)
حنان الموسويّ


نيرانٌ، ودخانٌ، ورماد. اصطحبتني رائحة حريق الخيم إلى كربلاء، حيث معسكر الإمام الحسين عليه السلام  عصر يوم عاشوراء. لم يكن المشهد مستغرباً؛ سبع خيماتٍ سوّيت أرضاً، فيما قُلِبت سيّارتي العسكريّة رأساً على عقب، بعد أن أغارت طائرات العدوّ الإسرائيليّ على المعسكر. تجلّى جمال الله ولطفه بأن أنهينا دورة المجاهدين صباحاً، مائة وخمسة مجاهدين غادروا بأمان. حاولتُ الوقوف على قدميّ لتفقّد الخسائر، ولكن سرعان ما هويتُ بعد أن أصابت قنبلة عنقوديّة قدمي وبترت جزءاً منها.

تفرغٌ وجراح
مع الاجتياح الإسرائيليّ، خضعتُ لدورةٍ عسكريّةٍ، وبعدها التحقتُ بالمعسكر في منطقة جنتا. حينها، تفرّغتُ للعمل الجهاديّ فيه، وصرتُ مسؤولاً عن تأمين كلّ ما يتعلّق باحتياجات المتدرّبين، من طعام وشراب، ومتابعة شؤونهم.

الإصابة
في عام 1984م، كان عدد أفراد الدورة مائة وخمسة مجاهدين. قضوا المدّة المحدّدة في التدريب، وتمَّ ترحيلهم باكراً بسلام. حلّت الظهيرة وقمتُ بعملي المعتاد. وزّعتُ الطعام على المجاهدين الموجودين في المعسكر، وانطلق كلٌّ إلى عمله؛ هذا إلى المغارة، وذاك إلى خيمته، وآخر إلى نقطة حراسته. بقيتُ ورفيقي نتفقّد سير العمل في أرجاء المعسكر، إلى أن لفتني غياب الفلّاح الذي كان يحرث الأرض، وعدم إتمامه مهمّته، فأخبرني رفيقي أنّه غادر فزعاً قبل وقتٍ قليل. ما لبث أن أتمّ كلامه حتّى أصمّ صوت الطائرات آذاننا. انبطحنا أرضاً لنحتمي من الصواريخ التي انهالت علينا وأحرقت كلّ الخيم، حتّى صارت جمراً. انجلى الغبار والدخان الكثيف. جمعتُ قواي كي أقف، فلم تُسعفني قدماي، وقد انزوت إحدى القنابل العنقوديّة قربي. ومرّت بظلّي، ثمّ انفجرت وأصابت قدمي اليسرى.

علاجٌ ومواساة
لم يطُل الأمر وأقبل بعض أهالي المنطقة، ووضعوني على غطاءٍ وحملوني، فنقِلتُ إلى مستشفى "الأهلي" في بعلبك، حيث خضعتُ لجراحة بترٍ لقدمي، أمّا الشظيّة التي اخترقت صدري، فقد فضّل الأطبّاء التعامل معها بطريقة طبيّة أقلّ ضرراً دون جراحة. مكثتُ في ذاك المستشفى ثلاثة أيّام، وبعدها نُقِلتُ إلى المستشفى الحكوميّ حيث رقدتُ فيه مدّة أسبوع، ومنه خرجتُ إلى المنزل، حيث كان الطبيب يزورني يوماً بعد يوم لتغيير ضمّادات الجرح، وللاطمئنان على صحّتي. لقد احتواني بكامل اهتمامه، وأولاني الرعاية والحبّ الصادقَين، حتى أنّه صار يصحبني لزيارة السيّدة زينب عليها السلام  كلّ أسبوعٍ تقريباً، لتقديم آيات العزاء والمواساة لابنة الصدّيقة الطاهرة السيّدة الزهراء عليها السلام.

ردّة فعلٍ صادمة
لم يكن خبر إصابتي مفاجئاً للعائلة؛ فمع عدوٍّ كـ"العدوّ الصهيونيّ" كلّ شيءٍ متوقّع. قام نسيبي الشهيد أبو حسن بجيجي باصطحاب والدتي وزوجتي إلى المستشفى للاطمئنان عليّ، ولكنّهما فقدتا الوعي بعد أن أخبرهما الطبيب أنّي ألِجُ في الخطر وموتي قريب.

لملمت أمّي بجفنيها دمي، فقامت هي وزوجتي الحامل بخدمتي طيلة فترة مكوثي في المستشفى، وكذلك حين عودتي إلى المنزل. شعرتُ بالحسرة لعدمِ نيلي الشهادة، وقد ضجّ بي الحنين لملاقاة أهل البيت عليهم السلام، ولكنّني أيقنتُ أنّ الجرح الذي اختاره الله لي هو كلّ الخير، وأملي أن يختارني شهيداً يوماً ما.

الجريح الأوّل
كنتُ الجريح الأوّل على مستوى المنطقة؛ لذا حظيتُ باهتمامٍ بالغٍ من المعنيّين في الحرس الثوريّ وفي حزب الله. وقد زارني الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ قدس سره، الذي كان الأمين العام آنذاك، بالإضافة إلى العديد من الشخصيّات البارزة حينها، وفي مقدّمتها سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله). استخدمتُ العكّاز ثلاثة أشهر، بعدها ركّبتُ طرفاً صناعيّاً في مستشفى الجامعة الأميركيّة، فاعتدتُ عليه خلال شهرٍ واحدٍ فقط بعد تدريبات عدّة، ثمّ عدتُ لاحقاً إلى مزاولة عملي بشكلٍ طبيعيّ. كنت أقوم بتغيير الطرف بشكلٍ دوريٍّ كلّما احتاج الأمر، ولم يتوانَ القيّمون في مؤسّسة الجرحى عن متابعتي صحيّاً. وحاليّاً، بعد تقاعدي، هم يتكفّلون بكلّ شؤون حياتي، جزاهم الله خيراً.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً نذرتها في خدمة المجاهدين، تابعتُ خلالها دعم المعسكرات والاهتمام بشؤونها، وبقيتُ كذلك حتّى أتممتُ كلّ المهام التي أوكِلت إليّ.

آيات الحبّ
إلى سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله): كم خفق قلبي خلف خطواتك سيّدي، حين كنتَ تجوب طرقات بلدة النبيّ شيث عليه السلام راجلاً تتفقّد الناس وأحوالهم؟! وكم انسابَ شوقي في كلّ الجهات أنّى وجّهتَ وجهك شطرها، سواء حين كنتَ تتفقّد المعسكرات، أو عندما كنتَ تنظّم مسيرة تنعى فيها الإمام الحسين عليه السلام ! ما زلتُ يا سيّدي على العهد، متى أَمرتَ، ستراني حاضراً ملبّياً بالروح والدم والولد، وكم تحلو الشهادة بين يديك نُصرةً لدين الله، وذوداً عن إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف!

أتمنّى اغتراف البركة من رؤياكم مجدّداً، حفظكم الله ورعاكم، وحماكم من كلّ أذى قد حاكه الأعداء لكم، وأطال في عمركم المبارك. أعانكم الله على بلاء هذه الدنيا، ونصركم على أعدائه نصر عزيزٍ مقتدر.

إلى إخواني الجرحى أقول: أعاننا الله وأعانكم على الجراح، فهي الوسام الخالد الذي رزقنا الله إيّاه، فَبِه نُثاب يوم القيامة.

تلك الإصابات تقرّبنا من أهل البيت عليهم السلام، فنواسيهم بجراحنا، خاصةً "أبو الفضل العبّاس" عليه السلام، رمز التضحية والفداء، البطل المقدام. لا تتراجعوا عن مبادئكم وعقيدتكم مهما زادت الآلام، فأنتم بجراحكم حجّة على الناس. حافظوا على صلواتكم، وأدّوا الفرائض، وكونوا السبّاقين إلى خدمة الناس ما استطعتم، فكلّ ذلك يرتقي بكم نحو درجات الفردوس الأعلى، التي لا يعلمها إلّا الله.

الاسم الجهاديّ: أبو علي.
تاريخ الولادة: 11/2/1958م
مكان الإصابة وتاريخها: جنتا، 1984م.
نوع الإصابة: بتر القدم اليسرى.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع