منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

أمراء الجنة: مع الشهداء حسين ومحمد أحمد سلهب‏


نسرين إدريس
 

الاسم: حسين أحمد سلهب‏
اسم الأم: فاطمة راغب سلهب‏
محل وتاريخ الولادة: الحدث - بعبدا 1968.
رقم السجل: 4
الوضع العائلي: عازب.
الاسم الجهادي: أبو جعفر
تاريخ الاستشهاد: 13/3/1991

الاسم: محمد أحمد سلهب‏
اسم الأم: فاطمة راغب سلهب‏
محل وتاريخ الولادة: الحدث - بعبدا 1970
رقم السجل: 4
الوضع العائلي: عازب‏
الاسم الجهادي: أبو رعد
تاريخ الاستشهاد: 13/3/1991

حازا على وسام الدفاع عن المقاومة عام 1991 في تلك اللحظة... كانت يداهما تزرعان وردة من نوع آخر.. وردة أريجها دوي صارخ يتردد في الوديان، وتغنيه الجبال. فيملأ صمت المدى بضجيج يمنحه الحياة مغلفاً بعلب الموت! ما أجمل تلك الورود التي تزرع حباً، وتقطف لتقل بغضاً...
في المشهد الأول: تمتد أصابعهما في أعماق التراب الندي، وهواء آذار، الذي يخبئ‏ في صقيعه لفحات من الدف‏ء الخفيف المسافر على أرصفة القلوب الخالية من جدران الدنيا، المسكونة بمكان لا يذكره بصر، ولا ترمقه عين، غير أن تلك القلوب وحدها التي تحسها - يبعثر الأحاسيس بين النبض والتراب...

يكملان عملهما باطمئنان كامل، وهدوء يتربص به حفيف الأسلاك، ولحظة موت انتظرها كلاهما في أكثر من مكان، وفي كل كل زمان... تتلاقى عيناهما، كما يداهما، ما يجمعهما أعمق من نظرة... أكثر من مشاعر أخوة... أخطر من لعبة "تفخيخ"...
ها إنهما يولدان معاً مرة ثانية من رحم آخر، يضمهما في أحشائه لحياة مخاضها الشهادة... ليست الأخوة أن نولد من رحم أم واحدة... بل أن نموت في سبيل قضية واحدة".

تانك اليدان، اللتان تعبثان برفق بحبات التراب.. لطالما اشتركنا سوياً في دروب الدنيا.. ففي المشهد الثاني يتوقف الزمن على أطراف أصابعهما ليقلبا صفحات الماضي، ويعودا طفلين صغيرين بين سبعة أخوة، يلهوان في باحة منزل عابقة أرجاؤه بالإيمان والحب والدف‏ء... ويأتي صوت والدتهما دوماً:

"حسين انتبه على أخيك محمد... دائماً على الأخ الكبير أن يداري أخاه الصغير، ولهذا غالباً ما تكون آثار أقدام الأخ الأكبر في دروب الحياة إشارات يتبعها الأخ الصغير.

ولم يكن محمد ليقل حنكة عن أخيه حسين الذي يكبره بسنتين، وهما اللذان يمتلكا من الصفات المتشابهة ما يجعل الأحد ظلاً للآخر؛ في طيبة قلبهما وإيمانهما وحبهما للناس والخير، والذكرى الطيبة التي تسكن أرجاء ذكراهم في قريتهما التي قضيا الشطر الأكبر من حياتهما فيها، فهناك حيث نشأ ونشأت معهما أحلامهما، لم يكونا بعيدين عن الجو الإسلامي الأصيل، فالتزما بالأحكام الشرعية قبل بلوغهما سن التكليف، وتنشفا عبق الانتصار العظيم للثورة الإسلامية في إيران، ليصبح نهج الإمام الخميني قدس سره هو النهج الذي صبت إليه نفساهما.

ومع انطلاقة الشرارة الأولى للمقاومة الإسلامية، التهب في لبهما أوار عشق الشهادة في سبيل الله، خصوصاً وأن قريتهما "بريتال" كانت، منذ المراحل الأولى للجهاد، ساحة تربى فيها الكثير من الشهداء الذين كانوا من مجاهدي المقاومة الإسلامية، وهي التي أعطت من خيرة شبانها، في أكثر من ميدان، دفاعاً عن الحق، وعن مسيرة الشهداء، ولا تزل جدران بيوتها الفقيرة بالمادة، الغنية بالعنفوان والكرامة الكريمة بالدم، حتى الآن ممهورة بصور أولئك الشهداء شاهدة على الزمن الذي مضى، مؤكدة الوفاء للغد الآتي...

وشأنهما شأن العديد من الشهداء الأحرار، لم يتوانيا عن اختيار الطريق الصحيح بالرغم من معرفتهما الجلية بصعوبته، والأخطار المحفوفة على جنباته، ولكن من يملك قلباً خالصاً لله، لا يخاف في الله لومة لائم، وهذا ما يميز الشهداء عنا، إنهم يملكون قلوباً نابضة بالعشق للباري، أما نحن، فلا نملك في صدورنا المظلمة سوى نبض آلات تعطينا الحياة.

ومن بين القبضات الحسينية، والهتافات الخمينية، كان الالتزام بمسيرة حزب الله، مسيرة الشهداء والمقاومين، فكانت البداية مع حسين الذي أنهى دراسته الأكاديمية حتى الصف الرابع المتوسط، ملتحقاً بصفوف المجاهدين الأبرار، وهو الذي تميّز بمشاركاته الفاعلة مع الأخوة المجاهدين، فكان إلى جانب عمله العسكري، يقوم بعدة نشاطات يخدم من خلالها أهل قريته، وقد واظب على قراءة دعاء "الندبة" صبيحة كل نهار جمعة على قبور الشهداء ، مجدداً من خلال ذلك التزامه الخط والنهج اللذين قدموا في سبيل إعلاء شأنه أرواحهم.

وبموازاة ذلك، كان محمد قد أنهى دراسته في اختصاص "نجار موبيليا" في المهنية، وسرعان ما حسن خياره وسار على درب أخيه، فكانت الانطلاقة له مع كشافة المهدي عليه السلام. وهكذا، والتزاماً بخط ولاية الفقيه المبارك، الأساس المتين لنجاح أي عمل إسلامي، خطا حسين ومحمد خطوتهما الأولى على طريق الكفاح، فكانا لا يتوانيان عن تقديم أي خدمة صغيرة كانت أم كبيرة لأي أحد إداءً للتكليف الشرعي وخدمة للمستضعفين... وأصبحا باختيارهما الموحد، نموذجاً راقياً لأجمل وأصدق صور الإيثار والتضحية، فكانا نفساً واحدةً ذائبة في سبيل الله، عبّرت بعمق عن ثبات الخطى السائرة في الدرب الحسيني المقاوم، والالتزام الصريح والواضح بخيار الشهادة فداء لله.

وإلى جانب تطوير مهارتهما العسكرية، عمدا إلى تهذيب نفسيهما لسلوك طريق ذات الشوكة وإزالة أدران حب الدنيا عن روحيهما الطاهرة، فخضعا للدورات الثقافية المختلفة، ما جعلهما يزدادان تعلقاً بالرحيل عن هذه الدنيا الفانية إلى حيث سبقهما الكثير من رفاق الدرب. وكان لشخص الأمين العام لحزب الله سماحة السيد الشهيد عباس الموسوي وقعاً خاصاً في قلبيهما، ولحديثه رونق مميز يعشقان سماعه، فكان لهما القائد والمرشد والدليل، وهو الذي كان للمستضعفين سنداً وللمحتاجين ملجأ، ورمزاً من رموز العطاء...

وليس للمسافة من مكان بين الألباب و عشقها، فمن "برتيال" يمما وجهيهما جنوباً، وأضحيا يقضيان معظم الأوقات على المحاور المتقدمة، يلوذان بصقيع جبل صافي، وتشعبات دروبه... يتدفأن بأنفاس بعضهما، ويدعو الواحد للآخر أن تنال نفسه ما تتمناه... وصار غيابهما عن المنزل أمراً طبيعياً، فهما اللذان لا تهدأ روح الثورة فيهما، ولا تتجمر عزيمتهما، بل تبقى في اشتعال مستمر، والشوق إلى الشهادة يصرخ في صمتهما: الجنوب، الجنوب... و"يا قدس إنا قادمون".

وليس للشهادة مكان أو زمان، إن هي إلاَّ حب خالص يتفجر في أعماق الروح، لتصعد إلى رحاب الله مطمئنة... وإذا ما كانت روحاهما قد امتزجتا معاً بالعشق الإلهي في الدنيا. فقد أبتا أن تفترقا بعد رحيل الأجساد، "ثمة أرواح في هذه الدنيا تأبى الفراق، فهي ساكنة في مساحة واحدة للبقاء".

في المشهد الأخير ... يقفان على أعتاب باب الدار الذي شهد على سنين عمرهما... يستودعان أرجاءه، ووجوه المخلصين الذين آزروهما طيلة فترة الكفاح، يقبلان كفي الأم التي ربت، وتعبت وسهرت، وأعطت كل ما لديها من الحب والحنان... وجبهة الوالد الذي علّم وأوصى... يتلوان سورة الفاتحة، ويتوجهان إلى حيث سكنت نفساهما واطمأنت...

إنها اللحظة الأخيرة يعود الزمن ليتحرك على أصابع تتشابك وتنغرس بين التراب... وبين رفة جفن ونبضة قلب وحفيف سلك، رددت الأودية معزوفة الرحيل الأخيرة، وسال النجيع ما بينهما، ليتلاقى جسداهما فوق الردم الندي بقطرات الدم الطاهر.

حسين ومحمد سلهب، الأخوان اللذان بقيا معاً حتى آخر اللحظات.. عاشا حياتهما متلازمين، وعانقتهما الشهادة متلاصقين... فطوبى لهما تلك الشهادة المباركة والفريدة، وهنيئاً للسائرين على دربهما ودرب الشهداء العظام الذين يمجدون في كل لحظة جهاد أسماء الشهداء ويخلدونهم في وجدان الأمة.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات: