آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية

 


أنا مسرورٌ جدّاً أن وفّقنا الله مرّةً أخرى للأنس بالقرآن، بحضور إخوةٍ لنا مسلمين من بلدان أخرى؛ فمسابقات القرآن الدوليّة معناها اجتماع جماعةٍ من الإخوة المسلمين من مختلف أنحاء العالم حول القرآن ومحوره.

المهمّ هو أن نعرف قدر القرآن؛ فهو ليس للتلاوة فحسب؛ إذ إنّ تلاوته مقدّمةٌ لفهمه واكتساب المعرفة القرآنيّة. هذا ما ينبغي أن نحقّقه لأنفسنا.

* القرآن: حياةٌ معنويّةٌ ومعرفة
إذا كانت التلاوة صحيحةً وحسنة، فيجب أن تمنحنا فائدتين اثنتين:

الأولى: أن تعمّق معنويّاتنا وروحنا المعنويّة وتكرّسها؛ فنحن غرقى في الأمور المادّية، والبشر بحاجة إلى التوجّه المعنويّ والروح المعنويّة، وهذا ما يحصل بالتلاوة الحسنة.

الثانية: أن نمدّ فكرنا بالمعرفة القرآنيّة ونغذّيه بها؛ بمعنى أن يؤثّر القرآن في قلوبنا وفي أذهاننا.

فإذا أنسنا بالقرآن، ستتجلّى الكثير من مفاهيم الحياة لنا. فالانحرافات، وسوء الفهم، واليأس، وخيانات البشر بعضهم لبعض، وعداء بعضهم لبعض، وإذلال الإنسان نفسه أمام طواغيت العالم، وما إلى ذلك، كلّ ذلك ناجمٌ عن البُعد عن القرآن.

* كتاب سعادة الدنيا والآخرة
القرآن كتاب سعادة البشر بلا شكّ، سعادة الدنيا والآخرة؛ شريطة أن نعمل به. سعادة الدنيا تعني التمتّع بالنعم الإلهيّة في هذه النشأة، كما يمكن للشعوب أن تنال العزّة بالقرآن، من خلال العمل به؛ فتحقّق الرّفاه، وتكتسب العلم، وتنال القوّة والقدرة، وتكتسب الوحدة والانسجام، وتوجِد لنفسها أسلوب الحياة الطيّبة بالقرآن. هذه كلّها أمور دنيويّة، وثمّة فوائد أخرويّة أيضاً، تتحقّق بالقرآن هي الحياة المعنويّة والحقيقيّة والأبديّة المستمرّة.

* الانحرافات والبُعد عن القرآن
إنّ الأمثلة على عدم العمل بالقرآن في الأمّة الإسلامية كثيرة، نستعرض بعضها:

1- هؤلاء نسوا ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾
لنفترض على سبيل المثال أنّ القرآن يقول عن أتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح: 29). بعضنا ينسى ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ويدعها جانباً. مثل من؟ مثل هؤلاء الذين تحالفوا في البلدان الإسلاميّة مع أمريكا ومع الصهاينة، وداسوا على دماء الفلسطينيّين بأقدامهم، وضيّعوا حقوقهم. هؤلاء نسوا ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ وصاروا خدماً للكفّار، وتابعين لهم، ومنفّذين لأوامرهم. الكثير من زعماء الدول العربيّة هم الآن من هذا القبيل.

2- أولئك نسوا ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾
والفئة الأخرى نسوا ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾. وأوجدوا الخلافات بين المسلمين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ (التوبة: 71).

فعندما يأتي هؤلاء ويكفّرون المؤمن بالله، وبالقرآن، وبالكعبة، وبالقبلة، ويقولون عنه إنّه كافر؛ فإنّهم [بذلك] ينسون ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾. وعندما لا يكون "التراحم بين المؤمنين" سائداً، تنشب الحروب الداخليّة في البلدان الإسلاميّة، ولكم أن تلاحظوا ما يحصل في دول عدّة، خصوصاً في اليمن؛ فمنذ سنوات عدّة واليمن يتعرّض للقصف. ومن الذي يقوم بالقصف؟ هل هو كافر؟ لا، إنّه مسلم؛ مسلمٌ بالظاهر، لكنّه لا يرحم المسلمين. إذاً، تلاوة القرآن مقدّمةٌ للعمل والمعرفة والتعرّف.

* ما الذي نستطيع فعله؟
1 - ذكر الله: أن لا ننسى ذكر الله، ومن ثمّ، أن نجعل تقوى الله معياراً لأعمالنا. هذه أعمالٌ بسيطةٌ وممكنةٌ وليست مستحيلة، فلتذكروا الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: 41-42). وليسأل الإنسان نفسه عندما يريد القيام بأيّ فعل: هل هذا الفعل يوافق رضى الله أم لا؟ فإذا لم يحرز أنّه مخالفٌ لرضى الله، فلا إشكال فيه، ولكن فليحذر من أن يكون مخالفاً لرضاه تعالى.

2- التقوى: معنى التقوى هو أن نراقب أنفسنا ونرصدها، تماماً كالشخص الذي يعبر طريقاً ضيّقاً تحيط به الهاوية من الجانبين.

هنا، ستنظرون إلى موطىء أقدامكم في أيّ خطوة تخطونها. لقد جرى تشبيه التقوى في الروايات بالسير في منطقة مليئة بالأشواك، فيُقال: حاذروا هنا أن تعلق ملابسكم بهذه الأشواك، أو أن تدخل الأشواك في أقدامكم. سوف تراقبون الطريق وتحذرون. وكيف تراقبون؟ هذا هو معنى التقوى. معناها أن تكونوا حذرين؛ كي لا تعلقوا في حقل أشواك عالم الوجود، وعالم المادة هذا، والمادة التي تحيط بالإنسان من كلّ ناحية.

* مراتب التقوى العليا دروس شهدائنا
وللتقوى مراتبها حتماً. ومرتبتها العليا خاصّة بالذين يضحّون بأنفسهم. رحمة الله ورضوانه على ذلك الشهيد العزيز (علي شيت سازيان) الذي علّمنا هذه العبارة، وهي: "إنّك إذا اجتزت أسلاك نفسك الشائكة، فيمكنك أيضاً أن تجتاز الأسلاك الشائكة للعدوّ". رضوان الله على هؤلاء الشهداء، فلقد علّمونا الكثير من الأشياء.

* وصيّتي: أن تأنسوا بالقرآن أكثر
أعزّائي! ما أشدّد عليه وأوصي به هو أن تأنسوا بالقرآن أكثر. فالذكر الإلهيّ والتقوى اللذان أشرنا إليهما، إذا ما تحقّقا فينا، فستكون الهداية القرآنيّة أسهل بالنسبة إلينا؛ لأنّه ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2)، وعندما تكون التقوى موجودة، تكون الهداية حتميّة.

التمسّك بالقرآن مصدر سعادتنا وقوّتنا، وسبب عزّتنا، ونسأل الله تعالى أن يزيد هذا التمسّك فينا يوماً بعد يوم، وأن يوصلنا إلى تلك الأهداف التي حدّدها لنا القرآن.

(*) كلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله في لقائه أساتذة القرآن وقرّاءه وحفظته المتفوّقين المشاركين في مسابقات القرآن الدوليّة (1) 15/04/2019م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع