هكذا عشقتُ الخمينيّ قدس سره تعزية: الشيخ فضل مخدِّر: وداعاً رجل العلم والأدب(*) أسرتي: زوجتي تحبّني بصمت أول الكلام: أمّ البنين تفاءلوا.. تنجوا كيف تفكّر بإيجابيّة؟ التفاؤل والتشاؤم: نظرة دينيّة مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت

الشهيد أبو مهدي وتحرير "الفلّوجة"



عن لسان صانع الأفلام الوثائقيّة الإيرانيّ (سيّد هاشم موسويّ)
رقيّة كريمي

 

في هذه الشوارع المُوحشة، كنت أرى ظلال الموت، فالجدران التي كان الرصاص قد لعب عليها حتّى شبع، كانت تصرخ أنّ هذه المدينة استيقظت من كابوسٍ صعب. انتهت قصّة داعش في "الفلّوجة".

* على الأرض دائماً
في تلك الليلة، صرّحتَ أمام المراسلين أنّ عمليّة التحرير تبدأ في الليلة نفسها؛ أي في ليلة النصف من شعبان، فرأينا بالفعل بعض المناطق المحرّرة! ما زلت تستطيع أن ترى ظلال الخوف في عيون الناس. 

كنتُ مع بعض مرافقيك الشباب، الذين لم يبلغوا من العمر إلّا القليل، وكنتُ أرى كيف يحاولون حمايتك، أكثر من عيونهم. كنت أنت عيونهم في الواقع، كما كانوا هم عينيك. كلّهم كانوا أبناء شهداء، في حين أنّك لم تحتج إلى أيّ مرافق، ولم تكن تريد، كما لم ترد كلّ تلك السنوات. رأيتُ بعينيّ كم كنتَ قريباً من مواقع العدوّ، حتّى كنّا نسمع أصواتهم، وأنت كنت معنا. لست كغيرك، لم تكن تجلس في غرفة العمليّات، وتحتسي القهوة وتدخّن السيجار، حينما تأمر بإطلاق النار، كما يحصل في أفلام هوليوود. كنت أنت موجوداً بكلّ كيانك قبل جنودك في المعركة، تردّد بهدوء اسم هذه المدينة المحرّرة.

* حقّاً تحرّرت
سمعتُ من أحدهم أنّ الدواعش قطعوا كلّ الطرق التي أعلنتم الخروج منها، سمعتُ أنّهم قتلوا الكثير من الأبرياء ممّن لم يريدوا البقاء في تلك المدينة، التي سيطرت داعش عليها. كنت أشعر بالغثيان، فلم أكن أعلم إلى أين نريد أن نذهب، ولم أسأل. كم كنتُ متعباً! كنت أنظر بهدوء إلى الجدران المحطّمة، النوافذ المكسّرة، الشعارات التي كتبوها بأيديهم الملوّنة بدماء الأبرياء، كتبوا على الجدران "محمّد رسول الله"، ولكنّهم لم يشبهوا محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بشيء. كنتُ أسأل نفسي: هل ستنسى هذه المدينة هذا الكابوس الموجع؟ هذه المرّة حقّاً تحرّرت!

* تلك المدرسة!
سمعتُ أحد مرافقيك يقول: "وصلنا". أعادني صوته إلى الواقع من جديد. نظرتُ أمامي، رأيتُ مدرسةً كبيرةً قديمة، كانت بوّابتها تحتضن أثر ألف رصاصة ورصاصة. ترجّلنا من السيّارة، مشيتُ خلفك بهدوء؛ لأنّي كنتُ أحبّ أن أمشي خلفك بهدوء. كنتُ أشعر بالأمان والسكينة. 

كنت جائعاً، فمنذ الصباح لم نجد فرصةً لنأكل شيئاً. أنت أيضاً مثلنا. كنتُ أتناول بين وقتٍ وآخر قليلاً من الزبيب والمكسّرات التي كانت معي، ربّما لولاها لما استطعتُ الصمود. وأنت... ألم تكن جائعاً؟ ربّما لم يكن ثمّة وقت لتأكل حتّى. ربّما نسيت أنّك جائع! لا أعلم! وعندما كانت تسنح لك الفرصة لتأكل، كنتَ تجلس على الأرض، مثلنا. ولو لم تكن معروفاً، لما استطاع أحد أن يميّزك عنّا! أبو مهدي المهندس. لم أعلم لماذا أتينا إلى المدرسة، كنت أنظر متعجّباً. يوماً ما، كانت هذه المدرسة تضجّ بأصوات الأطفال، أمّا اليوم، فثمّة أطفال ورضّع برفقة أمّهاتهم، يبكون! كنت أنظر بصمت ودهشة، أسأل نفسي: أين نحن؟ هل تحوّلت المدرسة ملجأً للذين فقدوا بيوتهم في الحرب؟!

سألتُ أحد مرافقيك: "من هم؟"، ردَّ عليّ: "أُسر الدواعش، الذين هربوا وتركوهم"!

تفاجأت! للحظة لم أكن أستطيع أن أتحرّك. آباء الأطفال كلّهم كانوا يقاتلوننا؟! فلو وصلت أيديهم إلينا، لكانوا ذبحونا بدمٍ بارد. بعضهم ما زال يقاتلنا. رحتُ أسأل نفسي مجدّداً: "لماذا أتينا إلى هنا؟ ماذا نريد أن نفعل بعائلات هؤلاء المجرمين؟". 

* كأخلاق أهل البيت عليهم السلام 
في تلك اللحظة، رأيت كُرةً صغيرةً تتدحرج فتصل إلى قدميك، وإذ بطفل يقترب منك. راح ينظر في عينيك، وأنا كنت أرى في عمق عينيه والده الداعشيّ. كنت أراه داعشيّاً صغيراً! كنت أعلم أنّ والده قتل الناس، وهو أيضاً سيكون مثله. تجمّدتُ مكاني، كنت بانتظار ردّ فعلك، وإذ بك تجلس على الأرض، وتمسح شعر ذاك الطفل الصغير، وابتسمتَ في وجهه، ونفضتَ التراب عن ملابسه وناولته كرته! ابتسم الطفل وأخذ الكرة الصغيرة من يدك، وعاد إلى لعبته الطفوليّة مع أطفال الدواعش. اغرورقت عيناي بالدموع، وبصعوبة تمالكتُ نفسي. كنت أعرف أنّك تعشق أبناء الشهداء، الذين قتلهم آباء هؤلاء الأطفال، كنت أعرف أنّك تساعد حتّى في علاج الفقراء، من دون أن يعرفوك. ولكن ما كلّ هذه الرحمة مع طفل العدوّ المجرم القاتل؟! 

قبل تحرير "الفلّوجة"، كانت كلّ وسائل إعلامهم تتّهمنا بقتل الأبرياء! أين كانت كاميراتهم ليشاهدوك الآن، أكبر قياديّ في الحشد الشعبيّ، كيف تمسحُ شعر طفل صغير والده قاتلنا، وأيتم عدّة أطفال مثله؟! كنتُ أرغب في أن أسألك: لماذا تفعل ذلك؟! ألم يقاتلنا والده؟! ولكنّك ابتعدت ومرافقوك خلفك. كنتُ أعلم جوابك دون أسألك حتّى. كنت لتجيبني: "هم يتصرّفون بحسب أخلاقهم، ونحن بحسب أخلاق أهل البيت عليهم السلام"!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع