مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

إلى أبي الشهيد



مؤسّسة الشهيد


نفَّذوا الوصيَّة، فكانوا على قدر المسؤوليّة. صبروا، ومضوا، وأكملوا دروبهم بكلّ صعوباتها، ولكنّهم تخطّوها بالعزيمة والإرادة والتسلّح بالعلم.

هي كلمات وجدانيّة، من القلب إلى القلب، يعبّرون من خلالها عن مدى شوقهم إلى آبائهم الشهداء، وكلمات شكر وامتنان إلى مؤسّسة الشهيد، الحاضن والمعيل الأوّل، بعد الأمّ العطوف.

إنَّهم أبناء الشهداء، مؤمنون، أقوياء، مجاهدون، أوفياء.

•صبراً على الفراق يا أبي
(مهداة إلى الشهيد بسّام طباجة)

قبيل استشهاده بيومَين، كان لقائي الأخير بوالدي مفعماً بالعاطفة والحبّ؛ عند لقائه في مقام السيّدة زينب عليها السلام، ضممته بقوّة، وكأنّني أغذّي روحي بعد أن أحسستُ بشعور غريب، لعلّه لقائي الأخير به، وهو كذلك، فكان استشهاده في تمّوز عام 2014م، والذي تزامن مع ذكرى جرح الأمير عليه السلام.

طلب منّا أن نكون أقوياء ونسير على خطاه، وكأنّه كان يوصينا وصيّته الأخيرة. وعندما قرّرنا العودة إلى لبنان، رافقنا والدي إلى السيّارة، وهو يضمّنا وعيناه تدمعان، عندها أحسست بأنّني ألقاه للمرّة الأخيرة.

أكملتُ بعدك يا والدي طريقي، ولكن بصعوبة، من غير حضورك. غيّبتك الشهادة عنّا جسداً، لكنّ طيفك لا يزال حاضراً. ضحكاتك، حنانك، كلّ شيء فيك ما زال يلازمنا حتّى الآن. المسير في هذه الدنيا طويل وصعب، فكيف إذا كان في ظلّ غياب الأب؟ لكن بفضل الله سبحانه وتعالى، أُكمل طريقي بوجود مؤسّسة كريمة ترعاني وترعى عوائل الشهداء كلّهم، لعلّ هذا يخفّف قليلاً من عذابات الغياب.

من شدّة الشوق إليك يا أبي، أدعو الله أن يوفّقني دائماً لأكون إنساناً مؤمناً ومجاهداً حتّى أحافظ على خطّك وخطّ الشهداء كما علّمتنا، وليكون اللقاء عظيماً يوم القيامة مع من نحبّ؛ لأنّ كلّ إنسان يُحشر مع من أحبّه ومشى على دربه. 

أفتقدك، لكنّ الكرامة التي توّجتني بها تصبّرني وتقوّيني؛ فصبراً أيّها القلب، سوف يحين اللقاء بمعشوقك، وصبراً على شدّة الأيّام؛ لأنّ حلاوة اللقاء في الجنان أجمل، وصبراً يا قلبي، فذات يوم ستنطفئ نارك بلقاء محبوبك.

مَن مِثلُك يا أبي؟! هاجرتَ على صهوة المجد، والتحقت بركب الشهداء. عذراً منك؛ لأنّي مهما قلتُ فيك سيكون أيسر ممّا نكنّه لك في قلوبنا من محبّة وإعجاب وتقدير واحترام. لذلك، تمرّ الأيّام وينقضي الزمان، وأنت باقٍ في قلوبنا وعقولنا، وسيبقى حضورك طاغياً على كلّ شيء؛ فأنت شمس حياتنا المشرقة، وقمرنا الذي لا يعرف الخسوف، ونجمنا الساطع الذي لا ينطفئ.

هنيئاً لك ما نلت، وصبراً لي على فراقك، صبراً لي على العيش دونك.

ابنك مهدي (مراجعة وخبرة في المحاسبة).

•نم قرير العين
(مهداة إلى الشهيد حسن ياسين)

لفّت اليراعة شوقي ما إن علمتُ أنّني سأبدأ الكتابة عنك، وتدلّى الفخر إلى حافّة كلّ حرفٍ ونقطة حبر. كيف يدسّ المرء شخصاً لم يمت بين سطرٍ وبعض عباراتِ عطف؟ وكيف لي أنا أن أجمع حنانك أبي بين ثنايا الكلمات؟!

لا أخفيك، ولا أنكر أبداً، صعوبة تخطّي العثرات وعراقيل الحياة وحدي. فكما تعلم، الفتاة جذعها والدها، وأنا قد قُطع جذعي، إنّما الأمر المطمئن، هو زاد سفري، وما زادي سوى ذكرياتي معك؛ الضحكات والمزاح، وصورك أجمع.

أتدري؟! أستحي من أن أبوح بلحظاتنا معاً؛ لأنّ دمعي فضوليّ لكشف أسباب بكائي فتراه ينهمر عنوةً على خدّي، لذلك سأقول لك: لستُ مَن ينسى أيّامنا المليئة بالسعادة، ولستُ مَن ينسى استيقاظك في أيّام عطلتك فقط لتصنع صباحاً يليق بنا، ولستُ مَن ينسى الألعاب التي كنتَ تلعبها معنا؛ لتعوّض أيّام غيابك عن المنزل.

وأنا أعلم جيّدًاً أنّ الأب لا يتكرّر مرّتين، تماماً كالعمر، وأفقه معنى أن يختنق مَن فقد أباه وكأنّه يتنفّس من خُرم إبرة. وما اعتقدتُ يوماً أن أجد جسراً قد يملأ قليلاً من فراغك من بعد أمّي، إلى أن كبرتُ قليلاً، وعرفتُ مصدر العطف الذي يمدّنا بالأمان، وعرفتُ منبع الحنان الذي انتشلنا من عمق الفراق وخفّف عنا هول الفقد؛ "مؤسّسة الشهيد"، تلك التي أفرغت الضيق من صدورنا، وأخرجتنا إلى أوسع طريق، كانت وستبقى سنداً لن يميل، والتي بفضلها قد اجتزتُ الكثير من الطرقات الوعرة. 

أعدك صدقاً، أنّني سأكون عند حُسن ظنّك، ولن أملّ من الأمل الذي في قلبي للقائك؛ لأنّني على يقين برؤيتي لك في الآخرة. وكما كنتَ سبباً في رفع رأسي في الدنيا، سأكون سبباً في رفع رأسك يوم القيامة.

وأخيراً، أقولها لك وكلّي شوق: لن أنساك لنلتقي، نم قرير العين، فنحن بأيدٍ أمينة.

ابنتك نرجس (إعلام).

•أسأل الله أن ألقاك
(مهداة إلى الشهيد علي بيز)

حين ارتفع أذان الشهادة ذات شعبان، ولاطفت الرياح نعشك الأصفر بعد انتظارٍ طويل، ثمّ هاجت الأرض بالنداءات، كأنّها معزوفة الرحيل: "أنت حزب الله.. من خير عبادة، أبو حسن هنيئاً.. لك الشهادة"، علمتُ يومها أنّ شوق الشهادة يقوى على قيود الزمن، يكسرها، يحطّمها، يتخطّى كلّ المحن. هكذا كان عمرك الساهر على حدود الوطن، وهكذا عرفتك سيّدي يا أبا حسن..

بعد رحيلك، أخبرتْني أمّي سرّاً من أسرار العبور، وعلّمتني أنّ الغياب في فلسفة الشهادة أعظم حضور، فحاكت من ظلام البُعد خيوط النور، حاضنةً إخوتي، مواظبةً على دربك، تنتظرك ولو كان الانتظار دهوراً.

وأمّا أحوال بلادي، فلا تزال صامدة في ظلّ أبي هادي، حامل الأمانة، كاسر أنوف الأعادي.

وأمّا مؤسّسة الشهيد، فما زالت تصنع من المآتم عيداً، لقد ضمّدت بالصبر جراحنا، تابعت بالإعداد صغارنا، وواكبت مشاكلنا وآلامنا، ثمّ أخبرتْنا أنّك دون شكّ قادم، مع جيش من الشهداء، تحت راية القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وأمّا الوصيّة، فكما أحببتَ، قلمٌ وبندقيّة، ومسيرة حسينيّة، هكذا علّمتنا دماك، وهكذا يا سيّدي نلقاك.

هذه أحوالنا يا والدي، ترى كيف أحوالكم في عالم الخلود؟ أسأل الله أن ألقاك، مع الحسين عليه السلام يوم الورود.

فعهداً للدم المتناثر حبّاً في الصحاري والجرود، سنبقى على إثركم، ننتظر الإمام الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، نحيل الألم عطراً، يملأ أقطاب الوجود.

ابنك المشتاق.. الغارق في بحر هواك..

حسن (علم نفس).

•أشتاق إليك في اليوم ألف مرّة
(مهداة إلى الشهيد علي أبو عليوي)

بعد مرور خمسة عشر عاماً على شهادتك المباركة، أجول اليوم بخاطري، بين ذكرياتي معك يا "بابا"، لأبحث عن أجملها وأعمقها. كيف لي أن أختار منها وكلّ حضورك جميل؟ وكلّ تفاصيل الحياة معك عميقة؟! لكنّ أكثر ما قد أستحضره اليوم هو من مقطع فيديو جمعنا حين أتممتُ عامي الأوّل. كنتُ حديثة المشي، لذا كنتُ أتعثّرُ مراراً وتكراراً، وفي كلّ مرّة كنتَ تناديني وتعلّمني كيف أقف على قدميّ. لهذه الحادثة أثرٌ عميق في نفسي اليوم، إذ أُتمُّ الآن عامي الخامس والعشرين، لكنّني ما زلت أقف على قدميّ بعونٍ منك، وكلّما تعثّرت أكون بعينك كما كنتُ دوماً. 

أخطو منذ شهادتك أيّام العمر وأنا في كلّ محطّاته أجيء إلى كنفك لأعتزل الدّنيا وأختلي بك وبنفسي، لأتأمّل مع ذاتي وأفهم من أنا وما أنا. أنا أبحث عن هويّتي من خلالك، وأفتّش عن ماهيّتي في مكنون صفاتك. 

أنا أمشي، مذ ارتحلت يا أبتي، بعينك وبعين الله. فابنة الشّهيد هذه لم تكن يوماً يتيمة؛ إذ حسبُها أنّ الله كافلها، وأنّ الأيّام، وإن صعبت، وإن كثرت فيها التحدّيات، فإنّ معي أبي، وإنّ معي الله. 

كبرتُ يا أبي، وكبرت معي الأحلام، وكثرت الصّعوبات، لكنّني لم أتراجع يوماً عن تحقيق وصاياك. فقد أردتني مؤمنة، متعلّمة، مثقّفة، ومقاوِمة. فعقدتُ العزم على تحقيق الأحلام، وتذليل الصّعوبات، ووجدت حفظة الدّم لي سنداً وعوناً. 

فهذه أمّي التي بذلت وقتها، وشبابها، وأيّامها في سبيل حفظ أمنيّتك، صنعت لنا من نفسها وعمرها أجنحةً لنحلّق بها في سماء المجد. وهذه مؤسّسة الشّهيد الّتي لم تتقاعس يوماً عن تقديم كلّ الدّعم اللّازم، فقدّمت لنا الحضن الدافئ والملاذ الّذي نركن إليه ليحمينا من عواصف العالم البارد هذا. 

ها أنا اليوم يا أبتِ، بعون الله وبعون هؤلاء، أصبحتُ على مشارف أن أحصّل شهادة الدّكتوراه، وقد اخترتُ عملاً أخفّف به آلام المتعبين، وأعين به الصّابرين على أوجاعهم. 

حملت فطرة ذلك من راحتيك الّلتين كانتا تمسحان على رؤوس اليتامى، من عينَيك المغرورقتين بالدّموع في محراب اللّيالي الباردة، ومن غضبك تجاه الظّلم. 

ما زلتُ في كلّ خطوة أخطوها، وعند كلّ إنجاز أقوم به أسأل نفسي إن كنتَ راضياً. هل أسير في الطّريق الّذي تريد؟ هل ترقبني من عليائك وأنت تبتسم؟ هل تجلس مع رفاق درب ذات الشّوكة وتقول مبتسماً: "هذه ابنتي"؟ 

إنّ جلّ ما أسعى إليه هو أن ألقاكَ يوم القيامة ضاحكة مستبشرة، وأن أكون ابنتك الّتي تبحث عنها بين الجموع مفتخراً بها. 

أشتاق إليك يا أبتِ في اليوم ألف مرّة، وأبحث عنك بين الوجوه والحشود، وأفتّش عنك في كلّ مكان، لكنّ حسبي أنّ الملتقى فيه من العزّ والحبّ ما ينسيني صعاب الدّنيا بكلّ ما فيها. 

بعد هذه السّنوات كلّها يا أبي، صرتُ أعرف أنّكم لا تغادرون، ولكنّنا نحن -المقصّرين والقاصرين عن فهم حضوركم- قد نغادركم...

كبرتُ يا أبي، وما زلت أسأل نفسي عند كلّ مفترق طريق: "ماذا كان أبي ليفعل لو كان حيّاً؟"؛ لذا لم أضلّ الطّريق، ولم يكسرني ألم.

كبرتُ يا أبي، وكلّما أُسأل عن صلابتي أقول: "إنّ معي أبي"... فصوتك الّذي ساعد ابنة السنة الواحدة على الوقوف لا يزال يتردّد صداه في داخلي.

صرتُ "أنا" اليوم؛ لأنّك حيٌّ فيَّ وأنا أشعر بك... 

ابنتك ريّان (طالبة دكتوراه/ علاج نفسيّ). 

•حنينٌ واشتياق
(مهداة إلى الشهيد علي مرتضى)

ارتقى والدي شهيداً وأنا في عمر السنتين ونيّف، ولكنّ صورته في مخيّلتي باقية وراسخة.

ترعرعتُ في كنف والدتي وأقربائي، خصوصاً جدّي وجدّتي لوالدي، وبدأت رحلتي مع الحياة بحلوها ومرّها. أنهيتُ دراستي وأصبحت في عمر الشباب، وفي هذه المرحلة، افتقدتُ والدي كثيراً. لا أخفي ما يختلج في صدري من حنين واشتياق إلى وجوده معنا ومواكبتنا ونحن نكبر أمامه، يرشدنا ويشهد ما وصلنا إليه. لكنّه آثر أن يكون شاهداً وشهيداً في سبيل الله، ومدافعاً عن أرضه وعرضه، ومجاهداً لأعتى عدوّ لله ورسوله؛ الصهاينة.

أكملتُ تخصّصي في الجامعة في اختصاص إدارة أعمال ومحاسبة، ونلت درجة الماجستير. وهذا كلّه بفضل الله تعالى، وبفضل اهتمام والدتي، فضلاً عن الرعاية التامّة التي قدّمتها مؤسّسة الشهيد في المجالات كافّة (تربويّاً، واجتماعيّاً، وترفيهيّاً، وصحيّاً...)، والتي لم تألُ جهداً في خدمتنا والاهتمام بنا.

ختاماً.. لروح والدي الشهيد علي حسين مرتضى الرحمة والنور، سائلاً المولى أن يجعل درجته في عليّين، مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله الطاهرين عليهم السلام، ورزقنا الله شفاعته يوم القيامة.

وكلّ الفخر والاعتزاز بما قدّمه لنا وللأمّة من تضحيات؛ لأنّ كلّ ما وصلنا من إنجازات هو بفضل دماء الشهداء الزكيّة.

ابنك حسين (ماجستير إدارة أعمال). 

•بوصلتنا لن تحيد
(مهداة إلى الشهيد حسن البزّال)

حين نطقتُ كلماتي الأولى، خلا قاموسي من كلمة ترادف السند والقوّة والعطف والتضحية... "أبي"، كلمة رحتُ أبحث عن معانيها بين سطور أحاديث رفاقه والذين عايشوه: الخلوق، المحبّ، الطيّب، المؤمن، كلّها مرادفات من ذكرياتهم معه، رسمت صورة ملاك يتمنّى أيّ امرئٍ لو عايشه.. صورة رمت على أكتافي إرثاً ثقيلاً. كان كلّ جهدي عبر هذه السنين أن أصنع صورة لنفسي تليق بإرث والدي العظيم، وبالنهج الذي رسمه لنا هو ورفاقه الشهداء، فمضيتُ حاملاً كتابي وقلمي أكتب سطور مستقبل كان العلم والجهاد عنوانه العريض.

مسيرة حياتي تخلّلها الكثير من الصعاب والمشقّات، ولكنّ وجود والدتي العزيزة كان سبباً لأكون مفخرةً لوالدي العزيز، مضافاً إلى الدور الاستثنائيّ لمؤسّسة الشهيد، التي لم تبخل بتقديم يد العون لي دائماً، فكانت خير سند حتّى اللحظة الأخيرة. وقد أخذتُ عهداً على نفسي أن أردّ لها الجميل، لأنّها كانت بعد الله عزّ وجلّ خير ناصر ومعين، لأجتاز وعورة الطريق، وأحقّق النجاح.

يا والدي الشهيد العزيز، يا من بذلت أغلى ما يمكن بذله في طريق الولاية وعشق أهل البيت عليهم السلام، أعاهدك أن يبقى هذا نهجنا وخطّنا، وأنّ بوصلتنا كما وجّهتها يا أبي، لن تحيد حتّى لقائك ورفاقك الشهداء العظام، بإذن الله. 

ابنك روح الله (طبيب أسنان).

•أفتقدك في كلّ لحظة
(مهداة إلى الشهيد علي حسين)

والدي العزيز، مدَّ شوقي إلى لقياكَ في القلبِ يداً، وهدّني طول الابتعاد. أنا ذا معلّقةٌ بين ذكرياتِ الأمسِ وتكدّس سنين العُمرِ، دونما نظرةٍ تردُّ إليّ روحيّ الّتي هجرتني مُذ غبتَ عنّي. كنتُ طفلةً في السادسة من عمرها، طفلةٌ لا تريدُ شيئاً من الدّنيا سوى حضن أبيها. صغيرةٌ تخافُ الفقد وتهوى الأمان...

إنّها لرحلة شاقّة يا والدي، فكيف أعيش دونكَ يا سندي، يا كلّ كلّي، يا روحي ودُنياي؟ على من أتّكئ؟ ولِمن أشكو، وسندي تحت التّراب؟ أفتقدكَ في كلّ لحظة، في كلّ همسة، وفي كلّ نفس. هو حلم كلّ فتاة أن يكون والدُها بجانبها لكي تستمدّ منه القوّة. أفتقدكَ في أجمل لحظات حياتي، فيومي الأوّل في المدرسة كان صعباً، والمعلّمة طلبت منّي رسم أفراد العائلة، وكان لديّ خانة فارغة. افتقدتك لحظة نجاحي في المدرسة، وتخرّجي من الثانويّة. حتّى إنّ تحديد اختصاصي الجامعيّ كان محيّراً دون نصيحتكَ وبحثكَ معي عمّا يناسبني. واعلم، أنّ اختيار شريك حياتي سيكون مؤلماً دون وجودك بجانبي. كم هي صعبة حياتي دونك!

لكن، على الرغم من ذلك كلّه، أنا قويّة، وأصبح أكثر قوّة يوماً بعد يوم من أجلك. لقد تركتَ خلفك فتاةً قويّةً كوالدها. الحمد لله والشكر له دوماً؛ لأنّه يرعاني في غيابك. ولا يمكنني أن أنسى فضل أمّي الّتي كانت الأمّ والأبّ الحنونَين، والّتي لم تتركني يوماً. والفضل أيضاً لإخوتي الّذين عشتُ معهم لحظات جميلة. وأخيراً وليس آخراً، لا أنسى فضل مؤسّسة الشهيد الّتي كانت ملجأنا الأوّل والأخير، ودائماً ما دعمتنا. أبتي، أنتَ دائماً معي وفي قلبي، على أمل أن ألقاك يوم القيامة مع الحسين عليه السلام، وهناك سوف احتضنك بكلّ فخرٍ كما أتمنّى. ولكن عدني أن تزورني في المنام؛ لأنّني اشتقتُ إليكَ كثيراً، والشوق مؤلم، وابقَ معي كما عوّدتني. أحبّك! شمعَتُكَ الأخيرة.

ابنتك جنى (ترجمة ولغات). 

•ما زلت أبكي فراقك
(مهداة إلى الشهيد حسين أمهز)

سلامٌ مجبولٌ بالفخرِ الأليمِ أرسلُهُ إلى ثغرِكَ الغارقِ في ثنايا وجهِكَ القمريّ...

أمّا بعد، فضوؤُكَ البعيدُ يختبئُ بين أحلامي، يسرقُني من العدمِ ثمّ يُشكّلُني إلى فراشةٍ ملوّنةٍ برّاقةٍ حزينةٍ! لا تسلْني عن حزنِ الفراشاتِ كي لا تستدعي الحشريّةُ دمعي بعدَ أنْ تخاصمْنا مؤخّراً.

ملاكي الحارس، إنّني أراكَ شاخصاً خلفَ كلِّ فرحةٍ في عمري... وسبباً ومسبّباً لكلّ قرارٍ صائبٍ قد اِتّخذْتُهُ، فقد جعلْتُ لباسَ الزّهراءِ عليها السلام (العباءة) ردائي؛ كي أكونَ لائقةً بلقب "اِبنة شهيدٍ". ولَكَم شغفَتْ قلبي تهنئتُكَ لي على قراري هذا حينَ أتيتَني في الرؤيا، واِبتسامتُكَ تسبقُ خطواتِك فاحتضنْتَني، ثمّ شددْت على يدي وعدّلْتَ عباءتي!

شريكُ آخرتِي، وسمّيْتُكَ كذا لأنّني أهبُكَ ثوابَ كلِّ عملٍ حسنٍ يوفّقُني اللّهُ لتأديتِه. كلّ الشّكرِ لكَ لأنّكَ أعنتَني على اختيارِ شريكِ عمري، حين طلبْتُ منكَ ذلك في إحدى زياراتي لروضتِكَ؛ ليطرق بابَنا بعد أيّامٍ خاطبٌ من أبناءِ المقاومة الّتي بذلْتَ مهجتَكَ في سبيلِ خلودها، وكي لا يداهمَ خاطري أدنى شكٍّ، حدّثَنيِ زوجي حينها في زيارتِهِ الأولى بكلماتٍ محفوفةٍ برضاك فقال لي: "اِسمحي لي أن أكونَ أباكِ الّذي فقدْتِهِ"، فصرخَ قلبي: "نعم، هذا هو اختيارُ والدي الشّهيد لي"!

ظلّي الّذي لا يتركُني، سأربّي أبنائي على خطاك، وسأبكي فراقـكَ أمامهم جهاراً؛ لأنّ الدّمعَ المنسابَ على الشّهداء نهجٌ، وسأحكي لهم عنْكَ طويلاً؛ لأنّكَ نِعم الجدِّ المقاوم.

سألقاكَ بإذن اللّه تعالى على بابِ العالمِ الآخرِ حيثُ يُؤجَرُ المشتاقونَ على حزنِهم.

فراشتُكَ المشتاقة هبة (أدب عربي).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع