مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة الجرح

 


في العام 40 للهجرة وفي الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان لامبارك كان أمير المؤمنين عليه السلام في دار إبنته أم كلثون فقدّمت له فطوره في طبق فيه: قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها لبن حامض، فأمر الإمام ابنته أن ترفع اللبن، وأفطر بالخبز والملح، ولم يشرب من اللبن شيئاً لأن في الملح كفاية، وأكل قرصاً واحداً، ثم حمد الله وأثنى عليه، وقام إلى الصلاة، ولم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرعاً إلى الله تعالى، وكان يكثر الدخول والخروج وينظر إلى السماء ويقول: هي، هي والله الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول الله، ثم قد هنيئة وانتبه مرعوباً وجعل يمسح وجهه بثوبه، ونهض قائماً على قدميه وهو يقول: اللهم بارك لنا في لقائك. ويكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب، ثم نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوباً، وقالت أم كلثوم: قال لأولاد: اني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني وأريد أن أقصّها عليكم قالوا: وما هي؟،

قال: إني رأيت الساعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيئُ إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان، فهلمَّ إلينا فما عندنا خيرٌ لك وأبقى. قال: فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثم أقبل عليهم يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر قالت أم كلثوم: لم يزل أبي تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلِّب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول: والله ما كذبت ولا كُذّبت، وإنها الليلة التي وُعدتُ بها، ثم يعود إلى مصلاه ويقول: اللهم بارك لي في الموت. ويكثر من قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستغفر الله كثيراً قالت أُم كلثوم: فلما رأيته في تلك الليلة قلقاً متململاً كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت: يا أبتاه مالي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟ قال: يا بنية إن أباك قتل الأبطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف له جوفاً، وما دخل في قلي رُعبٌ أكثر مما دخل في هذه الليلة ثم قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقلت: يا أبا ما لك تنعى نفسك منذ الليلة؟! قال: بُنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل قالت أم كلثوم: فبكيت فقال لي: يا بنية لا تبكِ فإني لم أقل ذلك إلا بما عهد إليّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

 ثم إنه نعس وطوى ساعة ثم استيقظ من نومه، وقال: يا بنية إذا قرب الأذان فأعلميني. ثم رجع إلى ما كان عليه أول الليلة من الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى قالت أم كلثوم: فجعلت أرقب الأذان فلم لاح الوقت أتيته ومع إناء وفيه ماء، ثم أيقظته فأسبغ الوضوء، وقام ولبس ثيابه وفتح بابه ثم نزل إلى الدار وكان في الدار أوزٌ قد أُهدي إلى أخي الحسين عليه السلام فلما نزل خرجن وراءَه ورفرفن، وصِحن في وجهه. وكانوا قبل تلك الليلة لم يصحن فقال عليه السلام: لا إله إلا الله، صوارخ تتبعها نوايح، وفي غداة غد يظهر القضاءُ. فقلت: يا أبتاه هكذا تتطيَّر؟ فقال: بنية ما منا أهل البيت من يتطيّر ولا يُتطيَّر به ولكن قولٌ جرى على لساني ثم قال: يا بنية بحقي عليك إلا ما أطلقتيه، وقد حبست ما ليس له لسان، ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش فأطعميه واسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض. فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحلّ مئزره حتى سقط فأخذه وشدّه وهو يقول:
اشددْ حيازيمك للموت

فان الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت

إذا حلَّ بناديكا

كما أضحكك الدهرُ

كذاك الدهرُ يبكيكا


ثم قال: اللهم بارِك لنا في الموت اللهم بارك لي في لقائك قالت أم كلثوم: وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك قلت: واغوثاه يا أبت أراك تنعى نفسك منذ الليلة قال: يا بنية ما هو بنعاءٍ ولكنها دلالات وعلامات للموت يتبع بعضها بعضاً، فامسكي عن الجواب. ثم فتح الباب وخرج قالت أم كلثوم: فجئتُ إلى أخي الحسن عليه السلام فقلت: يا أخي قد كان من أمر أبيك الليلة كذا وكذا وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فالحقه. فقام الحسن بن علي عليه السلام وتبعه فلحق به قبل أن يدخل الجامع فأمره الإمام بالرجوع فرجع.
وأما عدو الله عبد الرحمن بن ملجم فقد جاء تلك الليلة وبات في المسجد ينتظر طلوع الفجر ومجيئ الإمام للصلاة وهو يفكِّر حول الجريمة والعظمى التي قصد ارتكابها ومعه رجلان: شبيب بن بحرة ووردان بن مجالد يساعدانه على قتل الإمام.

وسار الإمام إلى المسجد فصلى في المسجد، ثم صعد المأذنة ووضع سبابتيه في أُذنيه وتنحنح، ثم أذّن، فلم يبق في الكوفة بيت إلا اخترقه صوته، ثم نزل عن المأذنة وهو يسبّح الله ويقدّسه ويكبّره، ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يتفقّد النائمين في المسجد ويقول للنائم: الصلاة، يرحمك الله، قم إلى الصلاة المكتوبة ثم يتلو: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) لم يزل الإمام يفعل ذلك حتى وصل إلى ابن ملجم وهو نائم على وجهه وقد أخفى سيفه تحت إزاره فقال له الإمام: يا هذا قم من نومك هذا فغ،ها نومة يمقتُها الله، وهي نومة الشيطان، ونومة أهل النار بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء، أو على يسارك فإنها نومة الحكماء، أو نم على ظهرك فإنها نومة الأنبياءِ.

نعم، الشمس تشرق على البرّ والفاجر والكلب والخنزير وكل رجس وقذر، والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يفيض من علومه على الأخيار والأشرار وينصح السعداء والأشقياء ولا يبخل عن الخير حتى لأشقى الأشقياء، ويرشد كل أحد حتى قاتله!!.

ثم قال له الإمام: لقد هممتَ بشيءٍ تكاد السموات أن يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا، ولو شئتُ لأنبأْتك بما تحت ثيابك، ثم تركه، واتجه إلى المحراب، وقام قائماً يصلي، وكان عليه السلام يطيل الركوع والسجود في صلاته، فقام المجرم الشقي لإنجاز أكبر جريمة في تاريخ الكون!! وأقبل مسرعاً يمشي حتى وقف بإزاءِ الاسطوانة التي كان الإمام يصلي عليه، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وسجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها فتقدم اللعين وأخذ السيف وهزّه ثم ضربه على رأسه الشريف فوقعت الضربة على مكان الضربة التي ضربه عمرو بن عبد ود العامري.
فوقع الإمام على وجهه قائلاً: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ثم صاح الإمام: قتلني ابن ملجم، قتلني ابن اليهودية، أيها الناس لا يفوتكم ابن ملجم.
اخبر الإمام عن قاتله كيلا يشتبه الناس بغيره فيقتلون البريء، كما قُتل في حادثة قتل عمر بن الخطاب جماعة من الأبرياء المساكين الذين هجم عليهم عبيد الله بن عمر وقتلهم.
حتى في تلك اللحظة يحافظ الإمام على النظام وعلى حياة الناس، نبع الدم العبيط من هامة الإمام وسال على وجهه المنير، وخضب ليحته الكريمة وصدق كلام الرسول ووقع ما أخبره به، لم يفقد الإمام وعيه وما انهارت أعصابه بالرغم من وصول الضربة إلى جبهته وبين حاجبية، فجعل يشدّ الضربة بمئزره ويضعه عليها التراب، ولم يمهله الدم فقد سال على صدره وأزياقه، وعوضاً من التأوّه والتألم والتوجّع كان يقول (صلوات الله عليه): فُزتُ ورب الكعبة! هذا ما وعد الله ورسوله! وصدق الله ورسوله! إستولت الدهشة والذهول على الناس وخاصة على المصلّين في المسجد، وفي تلك اللحظة هتف جبرئيل بذلك الهتاف السماوي.

لم نسمع في تاريخ الأنبياء أن جبرئيل هتف يوم وفاة نبي من الأنبياء أو وصي من الأوصياء، ولكنه هتف ذلك الهتاف لما وصل السيف إلى هامة الإمام وهو بعد هي: هتف بشهادته كما هتف يوم أحد بفتوته وشهامته يوم قال: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار.

فاصطفقتْ أبواب الجامع وضجّت الملائكة في السماء بالدعاء وهبّت ريح عاصف سوداء مظلمة ونادى جبرئيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: تهدّمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى قُتل ابن عم المحمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء.
فلمّام سمعت أُم كلثوم نعي جبرئيل لطمت على وجهها، وخدَّها وشقَّتْ جيبها وصاحت: واأبتاه واعلياه وامحمداه واسيداه.
وخرج الحسن والحسين فإذا بالناس ينوحون وينادون: وا إماماه وا أمير المؤمنيناه، قُتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم، كان أشبه الناس برسول الله.

فلمّا سمع الحسن والحسين (عليهما السلام) صرخات الناس ناديا، واأبتاه واعلياه ليت الموت أعدمنا الحياة، فلمّا وصلاة إلى الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس وهم يجتهدون أن يقيموا الإمام في المحراب ليصلي بالناس.
فلم يطق على النهوض، وتأخّر عن الصف وتقدَّم الحسن عليه السلام فصلّى بالناس، وأمير المؤمنين (عليه السلام) إيماءً من جلوس وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمته، يميل تارة ويسكن أُخرى والحسن (عليه السلام) ينادي: واإنقطاع ظهراه! يعزُّ – والله – عليَّ أن أراك هكذا.
لقد أحسن وأجاد المرحوم السيد جعفر الحلي رحمه الله حين قال:
لبس الإسلام أراد َالسوادِ
يوم أردى المرتضى سيفُ المرادي
ليلةٌ ما أصبحتْ إلا وقد
غلب الغيُّ على أمر الرشادِ
والصلاحُ انخفضتْ أعلامه
وغدتْ ترفع أعلام الفسادِ
ما رعى الغادرُ شهر الله في
حجّة الله على كل العبادِ
وببيت الله قد جدّ له
ساجداً يشنج من خوف المعادِ
يا ليالٍ أنزل الله بها
سُوَرَ الذكر على أكرم هادي
مُحيتْ فيك على رغم العلى
آية في فضلها الذكر ينادي
قتلوه وهو في محرابه
طاوي الاحشاءِ عن ماءٍ وزاد
سلْ بعينيه الدجى هل جفّتا
عن بكا أو ذاقتا طعم الرقادِ؟
وسلِ الأنجم هل أبصرْنَه
ليلةً مضطجعاً فوقَ الوسادِ؟
وسلِ الصبح أهل صادفه
ملّ من نوح مذيب للجمادِ؟
عاقرُ الناقة مع شقوته
ليس بالأشقى من الرجس المرادي
فلقد عمَّم بالسيف فتًى
عمَّ خلق الله طُرّاً بالأيادي
فبكته الأنس والجنُّ معاً
وطيورُ الجوّ مع وحْشِ البوادي
وبكاه الملأُ الأعلى دماً
وغدا جبريل بالويل ينادي:
هُدّمت والله أركان الهدى
حيثُ لا من منذرٍ فينا وهادي

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع