مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*) مناسبة: آخيتك في الله مناسبات العدد أسبوع الأسرة: نماذج رائدة التربية على الحياء الحياء قيمة اجتماعيّة عندما ينعدم الحياء الحياء من الإيمان أول الكلام: عيد الله الأكبر مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*)

مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)


آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ


يذخر الدعاء المأثور: "اللّهُمَّ ارْزُقْنا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ"(1) -الذي هو من الأدعية الواردة عن الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف- بجملة من الواجبات الفرديّة والاجتماعيّة للمنتظِر. كما يمثّل هذا الدعاء درساً عظيماً صدر عن حالة تضرّع، واشتمل على جملة من الأوصاف المطلوبة في آخر ذخيرة إلهيّة، فعلى كلّ منتظرٍ صادقٍ أن تكون له لياقة التحلّي بتلك الفضائل. ويمكن القول إنّ هذا الدعاء يتضمّن سائر الصفات المطلوبة في المنتظرين الصادقين للحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويحتوي أيضاً على جملة من صفات الفرد والمجتمع المهدويّ المطلوب.

* دعاء توفيق الطاعة
نصُّ الدعاء الشريف، الذي سنتناول الوظائف كما ذكرت فيه:
"اللّهُمَّ ارْزُقْنا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ وَبُعْدَ المَعْصِيَةِ وَصِدْقَ النِيَّةِ وَعِرْفانَ الحُرْمَةِ، وَأَكْرِمْنا بالْهُدى وَالاسْتِقامَةِ وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنا بِالصَّوابِ وَالحِكْمَةِ، وَاملأ قُلُوبَنا بِالْعِلْمِ وَالمَعْرفَةِ".

أوّلاً: الوظائف الشخصيّة للمنتظِرين
1- على المنتظر أن يكون ممّن له ارتباطٌ وثيقٌ بالله تعالى، وممّن يسعى إلى التحلّي بالصفات العليا والفضائل الأخلاقيّة الآتية:

أ- توفيق الطاعة: إنّ المنتظر الصادق من أهل الطاعة لله والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم عليه السلام، فيطلب دوماً من الله تعالى أن يوفّقه لهذا النحو من الطاعة؛ "اللّهُمَّ ارْزُقْنا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ".

ب- البُعد عن المعصية: إنّ المعاصي موانع في السير إلى الله تعالى، وهي أهمّ عامل في سقوط الإنسان. ولذا، يجب على المنتظر الحقيقيّ لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يطلب توفيقاً إلهيّاً لترك المعاصي، كما عليه أن يسعى إلى تحقيق هذا الأمر في نفسه. والجدير ذكره، أنّ الذنوب وإن وقع تقسيمها إلى صغيرةٍ وكبيرةٍ، إلّا أنّ كلّ عصيان لأمر الله معصية كبيرة؛ "وَبُعْدَ المَعْصِيَةِ".

ج- النيّة الخالصة: إنّ إصلاح النيّة وخلوصها إلى أعلى قدر الإمكان يحول دون الوقوع في شائبة الشرك والرياء في سائر مراتبه، فلا يقوم العبد المنتظر إلّا بما يكون طاعة لله ورضى للحقّ تعالى، وهذه هي وظيفة أهل الانتظار؛ "وَصِدْقَ النِيَّةِ".

د- معرفة ما حرّم الله: لا يمكن للعبد أن يترك المعاصي ما لم يعرف ما حرّم الله سبحانه على عباده ومعرفة حكمته البالغة من وراء ذلك. وإذا كان الحرام بمعنى ما لا يصحّ أن نقتحمه ونكشف عنه الستار، سواء أكان ذلك حقّاً أم ديناً أم قانوناً... فالمنتظر الذي يجهل المحرّمات الإلهيّة ولا يدرك حريمها، لن يأمن عدم الوقوع في ارتكابها. ومن هذا المنطلق، يلزم معرفة المحرّمات الإلهيّة؛ "وَعِرْفانَ الحُرْمَةِ".

2- على الإنسان، الذي يكون في حال ترقّب ظهور أكرم أهل عصره، أن يطلب من ربّه الكريم المنّان أن يزيده في حفظ كرمه ومنحه أسباب الكرامة، كما عليه أن يسعى إلى اكتساب الطرق الباعثة إلى تلك الكرامة:

أ- طلب الهداية التكوينيّة: إنّ أساس كرامة النفس الإنسانيّة هو الاهتداء بنور الدين الإلهيّ ومراعاة التقوى، فمن لم يسلك مسير الطاعة والهداية وقع في ظلمات الجهالة والانحراف، فيكون محروماً من الكرامة الإلهيّة الخاصّة بالإنسان. فعلى المنتظر أن يبذل جهده العلميّ والعمليّ ليحقّق الأرضيّة المناسبة لتعزيز الهداية التكوينيّة في نفسه؛ "وَأَكْرِمْنا بالْهُدى".

ب- طلب الاستقامة في مسير الهداية: قد ينال الإنسان حظّاً من الهداية الإلهيّة، إلّا أنّه قد يغفل بعدها عن الحقّ تعالى، فيميل إلى أهوائه وميوله، فينحرف عن جادّة الحقّ، ويقع في مستنقع الضلالة، فينطفئ نور الهداية لديه، ويلفّه ظلام ليل الانحراف عن الحقّ. فعلى المنتظرين الصادقين أن يستقيموا في مسير الهداية الذي عرّفه الله لهم مع التمسّك بالعلم والإيمان لاتّقاء كلّ ميلٍ أو انحرافٍ عن الطريق المستقيم؛ لتشملهم أعلى درجات الهداية التي هي ثمرة الاستقامة في مسيرة الهداية؛ "وَالاسْتِقامَةِ".

3- ترجمان عقل الإنسان وفكره، فعلى أهل الانتظار الالتزام بالقول الحسن وصيانة اللسان من الزلل. ويُستفاد ممّا ورد من تعاليم في هذا الدعاء الشريف، أنّه يجب على المنتظرين الصادقين السعي إلى صون ألسنتهم ممّا لا ينبغي قوله، وأن يكونوا من أصحاب:

أ- القول الصائب: يجب على المنتظرين الصادقين أن لا يقولوا إلّا الحقّ، وأن يبتعدوا عن القول المخاطب للصواب (في الجدّ والهزل)؛ "وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنا بِالصَّوابِ".

ب- الكلام الحكيم: ليس من الحكمة الكلام في ما لا نفع فيه، دينيّاً كان أم دنيويّاً، كما أنّ ما ليس بحكيم من القول من اللغو الذي ينبغي لأهل الإيمان الإعراض عنه. فمن اللائق بأهل الانتظار أن لا يتكلّموا إلّا عن حكمةٍ، وأن يصونوا لسانهم عن اللغو؛ "وَالحِكْمَةِ".

4- إنّ قلب الإنسان المنتظر وعاء لا يليق أن يرتسم فيه ما شاء من علوم ومعارف. وقد ورد في هذا الدعاء الشريف من العلوم والمعارف الحقّة التي يلزم أن تنتقش في قلب المؤمن، كما أنّ من واجب المنتظرين الصادقين أن يتناولوا هذا الموضوع بالبحث:

أ- كسب نور العلم: إنّ اكتساب نور العلم والخروج من ظلمة الجهل من آكد وظائف منتظري ظهور إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف. ولمّا كانت العلوم الكسبيّة لا تتيسّر من دون تعليم وتعلّم، يجب على المنتظرين الصادقين أن يسعوا جاهدين إلى كسب العلم الحصوليّ وتهذيب القلوب لإدراك الحقائق بالعلم الحضوريّ؛ "وَاملأ قُلُوبَنا بِالْعِلْمِ".

ب- كسب نور المعرفة: المعرفة أخصّ من العلم، ولذا تطلق على العلم الحاصل بإدراك الآثار وتمييزها عن غيرها إلى جانب إدراك خصوصيّات الأمر المعلوم. وعلى المنتظرين الصادقين أن لا يكتفوا بتحصيل العلم، بل عليهم أن يتعمّقوا ويوسّعوا من دائرة معارفهم وصولاً إلى المعرفة الحقّة. وعليه، فكلّ معرفةٍ علمٌ، وليس كلّ علم معرفة؛ "وَالمَعْرفَةِ".


(*) من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود - الفصل الرابع: الانتظار – بتصرّف.
1- البلد الأمين، الكفعميّ، ص350، دعاء آخر مرويّ عن المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع