الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة المضائف الحسينية.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ من انتصر في الحرب؟ «حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم المبادرات الفرديّة في الأزمات...جبهةٌ أخرى (2) أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ

قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ

الشيخ بلال حسين ناصر الدين


تحدّثنا في العدد الماضي عن سنّة الابتلاء والفتن، وأنّها حقيقة كونيّة ثابتة لا تتخلّف عن الحياة الدنيا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العنكبوت: 2-3).

أمّا الآية التي سنتحدّث عنها في هذا المقال، فتتعلّق بسنّة إلهيّة أخرى وردت في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: 43).

وكلمة (يحيق) تعني يحوط ويشمل ويحيط، وهي تُستخدم عادة في سياق سلبيّ، فلا يقال: يحيق به الخير، وإنّما يقال: حاق به المكر أو الشرّ. وهذه الآية الكريمة تثبت سنّة إلهيّة مفادها أنّ من ارتكب سوءاً، فإنّ نتائجه من الأفعال السيّئة سوف تحيط به وتلاحقه ويتأثّر فيها.

*نتائج المكر السيّئ
تجلّياً لهذه السنّة الإلهيّة، يجب أن ننظر إلى المفسد نظرة شموليّة لا جزئيّة. فلا ينبغي للمؤمن أن يغترّ بظاهر قوّة عدوّه؛ فإذا كان المؤمن يتألّم، فلا يظنّنّ أنّ عدوّه لا يتألّم أيضاً، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104). وهذا يدلّ على أنّ العدوّ قد يعيش حياة صعبة جدّاً، فالقاتل كيف له أن يرتاح؟ والظالم كيف له أن يطمئن؟ والعاق لوالديه كيف له أن يكون سعيداً؟

قد نراه في الظاهر على غير ذلك، ولكنّه في الواقع يعاني من مشكلات ومساوئ كثيرة في حياته.

إنّ نتائج المكر السيّئ ستلاحق صاحبها حتماً. والمكر قد يكون حسناً وسيّئاً، فالله تعالى ينسب لنفسه المكر الحسن فيقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 54)، والمقصود به هنا التدبير المحكم لإحقاق الحقّ. أمّا المكر الذي يحيق بصاحبه فهو المكر السيّئ، الذي لا ينزله الله إلّا بصاحبه ولا يصيبه إلّا به.

وفي سياق آيات سورة فاطر، يذكر الله استكبار الكافرين في الأرض ومكرهم السيّئ، ثمّ يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. فهؤلاء قد أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من غيرهم، فلمّا جاءهم النذير ما زادهم إلّا نفوراً واستكباراً. وهذا ما دفعهم للمكر بأهل الحقّ والإيمان، فأنذرهم الله بأنّ هذا الأمر سيعود عليهم، وأنّهم سيجنون ثمار فسادهم.

وقد ذكر الله تعالى هذا المبدأ في مواضع أخرى من القرآن الكريم، كقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم﴾ (يونس: 23)، وقوله: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ (الفتح: 10)، وقوله: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ (فاطر: 43). فكأنّها قاعدة مطّردة: من بغى يبغ عليه، ومن ظلم سلّط الله عليه من يؤذيه.

*العقاب بالمثل: سنّة إلهيّة
أمّا على الصعيد الشخصيّ، فيجب على كلّ فرد أن يكون على حذر تامّ من كلّ فعل يقوم به تجاه الآخرين، فقد يظلم الإنسان أباه أو أمّه أو زوجته أو أولاده، وعليه أن يحذر من ذلك أشدّ الحذر، لأنّ الله قد يعاقبه بمثل ما فعل. هذه سنّة من السنن الإلهيّة، ولكنّها قد تتبدّل بفعل معيّن، كالتوبة الصادقة والاستغفار والأعمال الصالحة التي قد يرفع الله بها العقاب. ولكنّ الأصل أنّ من يرتكب ظلماً، فعليه أن ينتظر عاقبته.

وهذه السنّة الإلهيّة هي التي تجعلنا نقول للمعتدين والمخادعين: إنّ مكركم وخداعكم سوف يعودان عليكم بإذن الله. وقد أكّد الله ثبات هذه السنّة بقوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43). فالسنّة الإلهيّة أمر لا يتخلّف ما دامت أركانها وشروطها متحقّقة، وهي لا تتبدّل ولا تتغيّر في مضمونها وشكلها، وسوف تقع على صاحبها لا محالة.

1. فرعون: إنّ فرعون مثال واضح على ذلك، فقد تمرّد وعاند كثيراً. ونحن نعرف أنّ «فرعون» لقب كان يُطلق على حكّام مصر القديمة، وليس اسماً لشخص بعينه، بل هو وصف لكلّ طاغية من تلك السلالة الحاكمة. وقد مارس هذا الفرعون طغياناً كبيراً ضدّ بني إسرائيل، وهم ذرّيّة النبيّ يعقوب عليه السلام الذين استقرّوا في مصر بعد قدومهم إلى أخيهم يوسف عليه السلام، وبقوا فيها يتناسلون ويتكاثرون لمئات السنين تحت حكم الفراعنة الذين كانوا يمارسون عليهم البطش والتضييق. وعلى الرغم من كلّ ما فعله الفراعنة، أرسل الله سبحانه لهم مؤمن آل فرعون، الذي قصّ الله خبره في القرآن الكريم، فكانت العاقبة كما قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (سورة غافر: 45-46). وبهذا، عذب الله تعالى فرعون وكلّ من والاه، ونجّى سبحانه عباده، وهم مؤمن آل فرعون والنبيّ موسى وأصحابه عليهم السلام.

2. النبيّ يوسف عليه السلام: يتجلّى هذا المعنى أيضاً في قصّة النبيّ يوسف عليه السلام؛ فنلاحظ أنّ إخوته حين ألقوه في البئر كان فعلهم هذا مكراً منهم، ولكنّ الله عزّ وجلّ قدّر ليوسف عليه السلام مساراً آخر منذ لحظة سقوطه في الجبّ، حتّى مرّت به قافلة(1) فأخذوه وباعوه في مصر، وعاش في كنف عزيزها حتّى شبّ. وكانت هذه المرحلة برمّتها جزءاً من التدبير الإلهيّ الذي أحاط بأحد أصفيائه، وهو النبيّ يوسف عليه السلام.

*متى يأتي النصر؟

إنّ عواقب الأمور قد لا تظهر على الفور، بل تكون ذات طبيعة تراكميّة ترتبط بحكمة الله عزّ وجلّ وتدبيره. فعندما يبشّر الله عباده بقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (سورة محمّد: 7)، ويتساءل المرء بعد أن قاتلنا وقدّمنا الجرحى والشهداء، ودمّرت بيوتنا وهجّر أهلنا، متى يأتي النصر؟

والجواب: إنّ النصر لا يأتي بالضرورة في اللحظة التي يختارها الإنسان، بل في التوقيت الذي يقدّره الله. ولهذا، كان الصبر جزءاً لا يتجزّأ من هذه السنّة الإلهيّة، فالإنسان مأمور بالصبر في هذه المرحلة حتّى يصل إلى النتيجة المرجوّة من الله عزّ وجلّ. فقد استمرّت محنة النبيّ يوسف عليه السلام قرابة ثلاثين عاماً، حتّى كشف الله لإخوته عاقبة مكرهم بأخيهم. فهم حين ألقوه في البئر كانوا يهدفون إلى التخلّص منه، بدافع من الحسد والغيرة، ولكنّ الله عزّ وجلّ كان يدبّر ليوسف عليه السلام أمراً لم يكن في حسبانهم. فلمّا رأوه وقد أصبح عزيز مصر ذا هيبة ومكانة رفيعة، أدركوا حينها حقيقة مكرهم، وأنّهم قد ظلموا أخاهم بالفعل.

*أعمالنا تمهيد لليوم الموعود
هذا نموذج تطبيقيّ ينبغي تأمّله لفهم سنن الله سبحانه وتعالى. وهذا المنطق عينه ينطبق على واقعنا المعاصر؛ فالقوى المستكبرة تمارس شتّى أنواع المكر بهدف إضعافنا وتركيعنا وإخضاعنا، إلّا أنّ هذا المكر سينقلب عليهم بإذن الله سبحانه وتعالى. فالنصر المؤزّر المنشود يتطلّب ما نمرّ به اليوم من تضحيات. وإنّ عملنا اليوم يندرج ضمن مسيرة كبرى، غايتها النهائيّة هي التمهيد لظهور الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه. فالمؤمن لا يعمل بالضرورة ليرى الفتح العظيم في حياته، بل يعمل من أجله، ويعدّ عمله هذا تمهيداً لذلك اليوم الموعود. فاليوم الذي يظهر فيه الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، يرتكز على ما نقدّمه اليوم من جهد وجهاد وفكر وتمهيد، فهو لبنة في صرح ذلك اليوم الذي سيأتي إن شاء الله. لذلك، أنا أقوم بواجبي وأترك الأمر إلى الله عزّ وجلّ، وفي الوقت نفسه أرى أنّ عملي هذا لن يضيع، إنّما هو مدماك من مداميك التمهيد لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه أو للنصر المنتظر بإذن الله تعالى.

(1) جاء في القرآن الكريم: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ (يوسف: 19)، والسيّارة هنا بمعنى القافلة المسافرة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع