مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد باقر حسن جابر

نسرين إدريس قازان
 

شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد باقر حسن جابر (كميل)
اسم الأمّ: صباح صبحي جابر.
محلّ الولادة وتاريخها: بني حيان 3/10/1993م.
الوضع الاجتماعيّ: خاطب.
رقم السجل: 18.
مكان الاستشهاد وتاريخه: يبرود، 7/3/2014م.


عاش محمّد باقر بكلّه مع أهله ورفاقه وكلّ من عرفه، فهو بحقٍّ صديقٌ صدوق، وأخ ودود، تعتمل بداخله مشاعر جيّاشة من الحبّ والحنان تفيض على الآخرين بسلاسةٍ غريبة، فإن تعبَ فؤادُ أحدِهم من هموم الدنيا، وجد قلب محمّد يسمعه، وينصحه، ويرشده، وإن ضاقت الحال في سبل الحياة، كانتْ يدُ محمّد تسنده، وكأنّه نصّب نفسه كفيلاً للآخرين، يسعى في قضاء حوائجهم كسعي هاجر بين الصفا والمروة؛ لأنّه يدرك علم اليقين، أنّ نبع زمزم الذي يبتغيه، لن يَنفجر بوادٍ غير ذي زرع، إلّا بالسعي بين القلوب المنكسرة لجبرها، فكانت كتفه مُتّكأً للجميع، وكفّه بلسماً لهم. وبهذه الكميّة الفائضة من الحبّ، تبلورت شخصيّة قياديّة آسرة، استطاعت أن تؤثّر بالآخرين، وأن تغيّر من توجّهاتهم، ومن نظرتهم إلى الأمور.
 
* أمنيّة الحياة
انتسب محمّد إلى كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف حاملاً معه مشروعاً خاصّاً، أراد من خلاله إحداث تغيير واضح حيث يكون، وقد نجح في ذلك.
انتقل بعدها من الكشّافة إلى التعبئة التربويّة ليخضع لدورات جهاديّة، بموازاة دراسته المحاسبة في المعهد، وكان ذلك ضمن مخطّط واضح وممنهج وضعه لنفسه والتزم به. ولكن سرعان ما نشبت الحرب في سوريا، فأفضى محمّد باقر ما في نفسه لأخيه طالباً النصيحة. كانت رغبته في الذهاب كبيرة، بل ربّما في تلك اللحظة، كانت هذه رغبته الوحيدة في الحياة. ومن أعلمُ بما في قلب محمّد غير أخيه الذي عرف أنّ محمّداً لا ينتظر منه النصيحة التي تلطّى خلفها، بل مباركة لقراره، فأسداهُ إيّاها؛ لأنّها الوسيلة لإحدى الحسنين: إمّا النصر أو الشهادة.

* روحٌ تألَف وتؤلَف
في الجبهة، كان محمّد باقر قطباً لافتاً، تعامل معه الجميع وكأنّهم يعرفونه منذ زمن طويل. وكان إذا ما دخل إلى مكان لا يعرف فيه أحداً، يدخله وكأنّها ليست المرّة الأولى؛ فلا تربكه التقاسيم الجديدة على حيائه المعهود، ولا يحارُ في كيفيّة الخوض بالأحاديث، فكان حيثما حلَّ، صار له أصدقاء.

* ما سرّ ذلك الشعور؟
من يذهب إلى الجبهة، لا يعود كما رحل، فغبار المعارك تجلي القلوب، وتزيل عن العيون غشاوتها، وكلّما غاب محمّد باقر عن أهله، عاد إليهم بطهارةٍ متجدّدةٍ في روحه. وكانت أمّه دوماً تطبع قبلة على جبينه، ولا تدري ما سرُّ ذلك الشعور الذي يعتريها كلّما فعلت ذلك.
في الأسابيع الأخيرة، برزت في محمّد حالة معنويّة لافتة لاحظها أهله ورفاقه، فتغيّرت ملامح وجهه، وأخبر أمّه أنّه يودّ أن يعقد قرانه. وعلى الفور، بدأ بالتخطيط لتهيئة بيته الزوجيّ في الجنوب، حيث يحبّ أن يستقرّ بهدوء، ولكنّه سرعان ما انتقل إلى بيت أحلام آخر!

* آخر صور الذكريات
كانت لحظاتُ الفرح تستحضر حنين الذكريات. صورٌ وزغاريدُ تُحفظ في ثنايا القلب بين نبض ونبض. حمل محمّد خاتم الخطوبة، ونظرات أهله مشدودة نحوه، فها هو صغيرهم قد كبر وصار عريساً. قلّب كلّ واحد منهم ذكرياته معه؛ والده ووالدته، أخواته اللواتي ربّينه، وأخوه الذي يكبره بسنة وبضعة أشهر؛ رأوه صغيراً يركضُ مشاغباً في زوايا البيت؛ فتىً يمسك يدَ أمّه لتوصله إلى الكشّافة، شابّاً في مقتبل العمر يقف مع رفاقه لمساعدة الناس في إحياء أيّام وليالي عاشوراء، يحرّكُ في قدرٍ الهريسة، أو مشمّراً عن ساعدَيه ينظّف أضرحة الشهداء في روضة الشهيدين. رأوه مجاهداً حزم حقيبة الجهاد تاركاً كلّ شيء خلفه، واضعاً أمامه هدفاً واحداً: الدفاع عن المقدّسات. والآن، ها هو عريسٌ بهيّ الطلّة، يلتقطُ معهم آخر صور الذكريات...

* خمسة.. رقم الحظّ
بعد يومين أو ثلاثة من عقد القران، التحق محمّد باقر بالجبهة. وقد صادف اليوم الخامس لخطوبته، ذكرى ولادة السيّدة زينب  عليها السلام في الخامس من شهر جمادى الآخرة، فاجتمعت العائلة كلّها في منزل الأهل للاحتفال بهذه المناسبة عند الساعة الخامسة، وهم بانتظار أن يرنّ الهاتف كي يشاركهم محمّد الاحتفاء، ولكنّه كان في تلك الساعة يشارك في عمليّة نوعيّة في منطقة يبرود - القلمون، ضمن المجموعات المقتحمة، وأثناء دخولهم لفتح الطريق أمام المجموعات خلفهم، انفجر به لغم أرضيّ، فاستشهد مقطوع الكفّين ومُصاباً في وجهه، وكأنّما كان موضع قبلات أمّه أوّل ما انبجس منه النور في لحظات وصوله الملكوتيّ!

* فراشات العشق
في روضة الشهداء، يحوم أصدقاؤه حول ضريحه، كما الفراشات تحوم حول الأزهار شوقاً إلى رحيقها؛ فتارةً يجلس (الشهيد) عبّاس سماحة بالقرب من صديقه وهو يبكي شوقاً إلى اللّحاق به، وتارةً أخرى يلتحفُ (الشهيد) عبد الجليل حمدان بدثار ويغفو بالقرب من ضريحه، وطوراً تأتي فتاة لم تلتقِ بمحمّد أبداً إلّا أنّها سمعت به شهيداً، فتزور قبره بعد أن رأته في المنام يوصيها بارتداء الحجاب، فنفّذت ما طلب، وهي تدرك أنّها رسالة من السماء إليها!

قصص محمّد باقر لا تعرف النهاية. في كلّ يوم يتكشّف شيءٌ جديدٌ في علاقاته مع الناس، فقد زرع في قلبٍ كلّ من عرفه وردة، وعندما رحل، ترك خلفه حديقةً شاسعةً من الورود، يفوح عبيرها كلّ حين.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع