مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

رواية "يوم سقطت طهران"

د. أمين الساحلي

أخٌ متديّن ينتظر ليثأر لأخيه الشهيد في الحرب، ومحامٍ شاب يبحث عن نافذة للتمرّد، وروائية تكتب لتبقى على قيد الحياة. شخصيات جمعها مخطّط "حصان طروادة" الذي حاكت خيوطه وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والهدف: تغيير ملامح الثورة الإسلامية لتعود عقارب الساعة ثلاثين سنة إلى الوراء. ما دور هذه الشخصيات وهل يتفوّق الحب والدهاء على البغض وينجح في تفتيت المؤامرة؟ الجواب مفاجأة لم يتوقعها أحد... تقريباً.

فسلمت يدا الكاتبة أمل عبد الله التي دفعت إليّ بجرعة من الأمل بأنّ عصفورة الحي يمكنها أن تطرب وأن رقوة الأهل تشفي أكثر من تعويذة الغرباء، وأن لحديث القنطرة والزقاق والمفارق والحقول معنى أكثر تألقاً من حديث الأبراج العالية والمدائن المزخرفة والتماثيل الهائلة في الآفاق البعيدة. تحية إلى هذه الرواية الأدبية ذات الشراع المسافر إلى "العالمية عن طريق المحلية"، الشعار الكبير الذي يجب أن ترفرف به راياتنا في كل ميدان.

*طهران محطّ الأنظار
طهران، حاضرة التجربة الإسلامية المعاصرة، كعبة الحدث السياسي والإعلامي، "اللا" الحضارية الوحيدة المرفوعة في وجه النفوذ الحضاري الغربي الذي أصدر حكمه بالإعدام - من غير قتل ربما على حد تعبير بطلة الكاتبة-، محط أنظار الوكالات الاستخباراتية العالمية، المجتمع المليء بالتناقضات التي تُطحن معاً بكل شؤونها وشجونها.
لقد سرّني – وألهمني - أن لا يكون المكان في هذه الرواية مجرد خشبة مسرح تطأه الأقدام. إنّه هنا رمز ودلالة فهو وإن كانت لوحاته قليلة إلّا أنّه شديد الحضور والفعالية بتدبير ورشاقة وإحكام.

*بساط من ألف لون
ولعلّي سوف لن أتمكّن من الوقوف في هذه العجالة على كل ما وجدته في هذا العمل. لقد وجدتني أقف على بساط فيه ألف لون وخط وصورة ومعنى. ولقد سألني خاطري مراراً كيف استطاعت الكاتبة أن تتخطى كل تلك الحوائل لتجمع كل ما جمعته في بساط واحد؟
أ – الدقة في تفاصيل الحياة: لقد أثارت اهتمامي الدقة التي لم تغادر الحصوات التي تعلق بخبز السنكك الإيراني واستطاعت أن ترى ما لدى المراهقة الأرستقراطية من العلاقة بطوني ويلسون من الولع بساعات الروكس وبدلات الأرماني وما شابه.

ب – الوصف: ثم إنّ الوصف الذي أعادني إلى حديقة الأنس رسم لي مشهد نرجس وهي تحمل باقة النرجس المكللة بالحب الطاهر: وردة تحمل وروداً، يا له من منظر رائع، وأجمل منه مشهد الفقاعات الوردية التي تحمل صورنا وأحلامنا، وتضيع الحدود والفوارق بين الحلم والحقيقة. وقد ذكرني ذلك بقول الشاعر:

 فتداخلت صور الجمال

 

 

 وأعجزت آياته عجباً خيال الشاعر

 فاحتار في وصف الجمال كما بدا

 

 

 واحترت في وصف الخيال الحائر


ج – الوصف الداخلي لحوار النفس: شيء آخر استوقفني في هذا النص الأدبي هو ذلك النظر النافذ إلى الأعماق والممتد إلى آفاق ما دون الجلد، المكان المبعد والمغيّب والذي يبث الحديث عنه بكلمات قليلة، غير أنّ الكاتبة هنا أفرغت الكثير من محبرتها في الحديث عمّا يدور تحت جلد الإنسان وخلف صفحته الهادئة. لقد تحدثت عن الدسائس وهي بعد فكرة، وصنعت من السخرية والغضب والكراهية والتشفي والعشق والإخلاص وغير ذلك ألواناً يمكن أن تجتمع أو تفترق في صناعة انفعال واحد. وهذا ما جعلني أنسب لما أقرأ هنا شيئاً جديداً. أعترف أنني احتجت إلى وقت لأفهم ماذا تعني المنطقة الشائكة لدى نرجس أو أية فتاة أخرى كيف تبلغ الحيرة حداً يذوب فيه البطل والبطولة، الثأر والثورة معاً، فلا يصبح للقلب فهم ودقة على الإطلاق. إلى كثير من الأمثلة التي لا يمكنني سردها جميعاً.

 

د – وصف الملامح والمشاعر: لا أريد أن يفوتني التعليق على اللمسة الإخراجية التي طبعت حوارات هذه الرواية. الحاجب كان يقوم ويقعد ليؤدي دور الغضب هنا والاستعلاء هناك، الخَدّان وتعاقب الألوان عليهما، العينان بألوانهما، وكم أسجّل تميّزاً حينما جرى اختيار أن تكون العينان صندوق بريد حميد حيثما أراد أن يبعث برسالة حية إلى نرجس المنتصرة المطلة عليه من موقعها العالي. كان اللحن يعزف في وقت واحد ويشارك فيه الجبهة المتعرقة والأوداج المنتفخة، الخدود الملونة والعيون الجاحظة، والصوت بحالاته المتعددة، كلّها كانت تأتمر بعازف حاذق هو صاحب القلم والإشارة والعلامة.

هـ - كما أرى أنّ عليّ أن أذكر بعض الجمل القصيرة التي تحمل من المعاني الكثير، كوصف الحدث الذي يحيي ويميت في آن معاً، أو أن المشاعر لا تعرف لغة الدليل أو وصف الغرب للإيمان وللعمل الإعلامي أو المناقبية المهنية برمتها، ففي ذلك من فهم الغرب ما لا يشبه التهليل، والذي نقوم به لمصلحة هذا الغرب في كثير من أنديتنا مع الأسف. كذلك فإنّ في ما أخبرته الكاتبة على لسان الشيخ ناصري من أنّ النار هي التي أضحت برداً وسلاماً بحثاً، أظنه يستحق المذاكرة، بعيداً، كل ما وقع فيه قائله في الرواية، فهو عنوان لبحث شاق وشيق على ما أحسب.

*ما لم أجده في مكان آخر
أخيراً أتذكر أنني قرأت في مكان ما من الرواية أن نرجس تلعثمت حينما حارت بينها وبين بطلتها نسرين، وأنا أضيف إلى الحيرة فرداً ثالثاً هو الكاتبة، لينشأ ثالوثٌ يحمل في طياته الكثير من القوة، وربما يكون الأدل على ذلك، حينما وزعت الكاتبة بعدالة غريبة موازين القوى، بين من يهاجم الكذب والخداع، وبين من يدين هذا الهجوم لجهة عدم تأدبه ولياقته. هنا أيضاً أسجل لهذا النص ما لم أجده في مكان آخر.
في النهاية أهدي الأخت الكريمة أمل عبد الله تحية الكاتبات العامليات المغمورات كزينب فواز وغيرها ممن لم نكترث بإحياء تراثهن وبقين على الرفوف حتى الآن. لقد تعب الجنوب وهو يسمع أزيز الرصاص، وهو يعلم أن الزغاريد قبل المعركة ميوعة ولهو واسترخاء أمّا الزغاريد بعد المعركة فهي نصر وهمّة وجناح جميل يحلق بنا عالياً إلى القمم المجيدة. وأقول –من غير مجاملة– إنني وجدت بعضاً من ألوان هذا الجناح مرسومة على صفحات هذا العمل المتألق.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع