فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

التخصص العلمي في مدرسة الإمام الصادق عليه السلام


الشيخ كاظم ياسين‏


لم يقل أحد :سلوني قبل أن تفقدوني" إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولده جعفر بن محمد عليهم السلام، فقد روى الجنابذي في معالم العترة الطاهرة عن صالح بن الأسود: سمعت جعفراً بن محمد يقول: "سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي. وكان عليه السلام يقول: حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب وحديث علي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله".

وانتشر عنه من العلوم الجمة ما بهر به العقول، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه ولا لقي أحداً منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم ما نقلوا عنه، فقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل ذكرهم الحافظ بن عقدة الزيدي في كتاب رجاله وذكر مصنفاتهم فضلاً عن غيرهم، واستدرك ابن الغضائري على ابن عقدة فزاد عليهم، وروى عنه راوٍ واحد هو أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث. وقال الحسن بن علي الوشا: أدركت في هذا المسجد أي مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد. ونقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعات غير هؤلاء الأربعة آلاف من أعيان الأئمة وأعلامهم مثل يحيي بن سعيد الأنصاري وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وأبي عيينة وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السجستاني وجابر بن حيان الكوفي وأبو عمرو بن العلاء وعمرو بن دينار وآخرين غيرهم، ومن غلمانه أبو يزيد البسطامي وإبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار.

وقد روي عنه في التفسير الشي‏ء الكثير وكذلك في علم الكلام ورد الدهرية وحسبك من ذلك بتوحيد المفضل. ودوَّن من أجوبة مسائله في الفقه وغيره كتب جمة وأخذت عنه مهمات علم أصول الفقه وكتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنف تعرف بالأصول الأربعمائة بالتفسير. وممن اشتهر بالتفسير والنسب في ذلك العصر محمد بن السائب الكلبي والسدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن وأبو حمزة الثمالي. وبالفقه والحديث في ذلك العصر غير الإمام الصادق وأبو حنيفة إمام المذهب وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس إمام المذهب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم وابن جريح وعروة بن الزبير وابن سيرين المعروف بالتفسير والحسن البصري والشعبي، وفي التاريخ والمغازي محمد بن إسحاق بن يسار. وفي النجوم نوبخت وبنوه، وفي الكتابة عبد الحميد أحد كتاب الدنيا كاتب مروان الحمار آخر ملوك بني أمية. وكان السبب في انتشار علومه وكثرة الآخذين عنه أنه أدرك أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، فأدرك الأولى في أيام ضعفها فتمكن من نشر علوم أجداده لقلة الخوف، وكانت الثانية في أولها لم تنجم فيها ناجمة الحسد لآل أبي طالب وهي دولة هاشمية ترى أن مثل جعفر الصادق من مفاخرها.

وقد تغيرت الأوضاع كلياً في أواخر عهد بني أمية وأوائل عهد بني العباس، وأدت التطورات إلى ظهور حال من الإنفتاح والحرية على صعيد الفكر والعقيدة. وحال من النشاط والحماس العلمي قلّ أن يوجد له نظير في تاريخ البشر، فتوجهت الأمة الإسلامية باندفاع شديد نحو مختلف العلوم، سواء تلك المرتبطة مباشرة بالإسلام مثل علم القراءة وعلم التفسير، وعلم الحديث والرجال، والفقه وعلم الكلام، والعلوم الأدبية بكل أنواعها. أو العلوم البشرية والمادية مثل الطب والفلسفة والفلك والرياضيات والكيمياء وما أشبه ذلك. فظهرت في العالم الإسلامي حركة علمية هائلة، وتوفر مناخ واسع من الحرية، بحيث انفتح الطريق أمام كل من عنده متاع فكري أو بضاعة علمية أو اتجاه معين في باب العقائد أن يتقدم فيعرض ما عنده على الناس ويقول كلمته دون أن يخشى بطش السلطة أو يخاف من أحد.

وكان الإمام جعفر الصادق عليه السلام ينظر إلى أصحابه على قدر كفايتهم الموهوبة، كل على حسب استعداده وكفايته، فاختص بجماعة منهم فكانوا خير معين على حل المشاكل التي تحل بالمجتمع والتي يهتم بها الإمام عليه السلام أشد الاهتمام، فهم يقومون بتنفيذ الخطط التي يرسمها لهم وتحت إشرافه، فهو المصدر الأول والمنتهى الأخير لتلك التعاليم التي تقوم بها النخبة الصالحة من أصحابه وكانت لهم اليد الطولى في خوض معارك الحياة الاجتماعية والسياسية، وفي محاربة أهل الإلحاد والزندقة، ومناظرة أهل العقائد الفاسدة، والفرق الشاذة، وكان الإمام الصادق عليه السلام يشيد بذكر خلّص أصحابه، ويظهر للناس كفايتهم، وحيث كانت ترد عليه الوفود من سائر البلاد الإسلامية للاستفادة مرة، وللمناظرة أخرى، فقد جعل لكل واحد من أصحابه وظيفة خاصة يقوم بها عندما يعوّل في الجواب عليه، إظهاراً لفضله وعلو منزلته..

ولذلك كان من أدوات منهج الإمام جعفر الصادق عليه السلام التعمّق والتخصّص، فالعلم لا يعطيك بعضه إلا أن تعطيه كلّك، فكان للاختصاص دورٌ كبيرٌ في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره في تلك المرحلة، بحيث يكون قادرا على استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسة الإمام من سائر أنحاء العالم الإسلامي ولذا وجهَ الإمام عليه السلام التخصص العلمي واعتنى به وتصدى للإشراف على كل تلك التخصصات. ففي الفلسفة والمساجلة في علم الكلام ومباحث الإمامة تخصص كل من هشام بن الحكم وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق (محمد بن النعمان) الأحول، ومحمد بن عبد الله الطيار، وقيس الماهر وغيرهم، فبرز هشام بن الحكم في المناظرة في الإمامة والعقائد، وكان الإمام الصادق عليه السلام مسروراً بمناظراته ويحب أن يسمعها مع زعيم المعتزلة عمرو بن عبيد الذي تغلب عليه، وبعد أن قصها هشام للإمام عليه السلام قال له الإمام: "يا هشام من علمك هذا؟ قال: يا بن رسول الله جرى على لساني.. قال الإمام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى"(1)..

وفي الفقه وأصوله وتفسير القرآن الكريم تخصص كل من: زرارة بن أعين الذي جعله للمناظرة في الفقه، وأبان بن تغلب الذي جعله للفقه، وأمره وزرارة أن يجلسا في المسجد فيفتيا الناس، ووكل لحمران بن أعين الأجوبة عن مسائل علوم القرآن الذي كان حجة فيها، والفضل بن يسار، وتخصص في حكمة الوجود المفضل بن عمر الذي أملى عليه الإمام الصادق عليه السلام كتابه الشهير المعروف بتوحيد المفضل، كذلك تخصص في الفقه محمد بن مسلم وجميل بن دراج، وبُريد بن معاوية، وإسحاق بن عمّار وعبدالله الحلبي، وأبو بصير. كما تخصص في الكيمياء جابر بن حيان الكوفي أو (أبو الكيمياء في العالم) كما يطلق عليه الغربيون، وقد ذكره ابن النديم في الفهرست وقال إنه من تلاميذ الإمام جعفر الصادق عليه السلام ونسب إليه حوالي مئة وخمسين كتاباً معظمها في الكيمياء والصناعة وخواص الأشياء، وقال عنه ابن خلكان: كيماوي، تلميذ الإمام الصادق عليه السلام، وقد كان يصرح هو بذلك في مقدمة كل بحث علمي فيشير إلى أستاذه قائلاً: حدثني مولاي جعفر بن محمد عليه السلام. ونشط طلاب الإمام عليه السلام في نتاجاتهم، كلٌ حسب اختصاصه في التأليف. فقد جمع السيد حسن الصدر أسماء مؤلفات الشيعة في هذه الفترة وذكر أنها وصلت إلى ستة آلاف وستمائة كتاب(2).


(1) راجع الاحتجاج تجد كامل المناظرة، ج‏2، ص 125 - 128.
(2) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص 288.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع