مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

الشهيد المجاهد محمد محمود عساف "أبو حسن"

نسرين إدريس


بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ.
صدق الله العلي العظيم‏


الاسم: محمد محمود عساف‏
اسم الأم:
غالية عساف‏
محل وتاريخ الولادة:
9/7/1963
الوضع العائلي:
متزوج وله ولدان.
رقم السجل:
بوداي 107 / 100
مكان وتاريخ الاستشهاد:
9/7/1988


في زاويةٍ من زوايا المنزل تنتصب أمام عينيك خزانة تحتوي حاجياته مرتبة، لم يمسها الزمن الطويل على رحيل صاحبها بعتقٍ أو إهمال، ثيابه العسكرية، بزة الكشافة، سلاحه الذي استشهد وهو يحضنه، خاتمه، سبحته...

مشاهد تربك فيك الحاضر، فلا تدري وأنت تدير ناظريك بين الأمس واليوم، أيهما أكثر حقيقة ووضوحاً؟ وسرعان ما يجيبك على تساؤلاتك الكثيرة الصامتة إحساسك بأنفاسه تلون جدران البيت، فصاحب هذه الذكريات أكثر حضوراً من ثلاث عشرة سنة خلت، والرصاصة التي استقرَّت في قلب الشهيد محمد عساف لم تستطع أن تسكن الحياة بين جنبيه أن تبعده عن مكان أحبته. في الأوزاعي، المكان الذي ولد وتربى واستشهد فيه، لم يزل طيفه ينتقل بين أهداب ساكنيه، فتنتفض القلوب الغافلة عند ذكره ترحماً عليه، واشتياقاً لوجهه الجميل الهادئ الذي أينما مرَّ ابتسمت الوجوه لملاقاته.. لقد ترك الشهيد محمد الكثير من الذكريات التي يتعلم منها المرء في حياته، والكثير من المواقف الواعظة التي لا تنسى. كان يقف بين إخوته الأربعة عشر في منزلهم المعروف بالإيمان والصلاح، ليقيموا الصلاة جماعةً مع والدهم الذي دأب على هذه السنَّة ليزيد من خلال الصلاة أواصر الأخوَّة والمحبَّة بين أولاده، وهذا المشهد يُبين أنه ومنذ الصغر ملتزم بالأحكام الشرعية، وأن في نفسه بذرةً من الإيمان الطاهر التي كبرت معه حتى أوصلته إلى مرتبة الشهادة.

تعلَّم الشهيد محمد في مدرسة الأوزاعي حتى الصف الثاني متوسط، وترك المدرسة ليعمل في مهنة حدادة السيارات، في هذه الأثناء كان اليهود قد بدأوا يقتلون ويجزرون بأبناء القرى الجنوبية بعد أن استتب لهم احتلال فلسطين وطرد أهلها منها، فالتحق بالعمل العسكري وهو يبلغ من العمر إحدى عشرة سنة، وإذا كان عمره صغيراً على حمل السلاح، فإن تلك الحقبة من الزمن قد صقلت الرجال باكراً، واستدعت المرحلة أن يتحمل كل فردٍ مسؤوليته تجاه وطنه وأمته، وكان الشهيد محمد من المبادرين الأوائل للذود عن حرمات الأرض ومقدساتها، ولم يكن العمل العسكري بالنسبة إليه هوايةً أو مسؤولية يتحملها فحسب، بل عشقاً وعهداً لا يحله إلاَّ الدم القاني الذي يرفع الإنسان مطمئناً إلى الله، وكانت والدته أحياناً تلحق به لتعود به إلى المنزل خوفاً عليه، إلاَّ أنها ومع الزمن تعوَّدت على تواجده في المركز، ولكنه بيَّن لها أبعاد مواقفه وأهمية هدفه فهدأ خوفها عليه واطمأنت انه يسير بعين الله.

ذلك المقاتل الصغير الذي كبر والبندقية، كان إنساناً متميزاً برأفته وحنانه، بصمته وتواضعه، مدَّ حبه إلى قلوب الناس كالدم في شرايينها، وسعى دوماً لخدمة المستضعفين وتأمين احتياجاتهم وحل مشاكلهم.. الناس تلجأ إليه لاستشارته في شؤونها وشجونها، وكيف لا يكون كذلك وقد علَّمهم أن يحبوا بعضهم بعضاً، ويخاف بعضهم على الآخر ليكونوا كالجسد الواحد، وضحى بالكثير لأجل المحافظة على الاستقرار الداخلي بين أبناء مجتمعه، متنازلاً عن حقوقه عندما يرى مصلحةً للإسلام في ذلك، كان يرضى بكل شي‏ء، ويحاور بالكلمة الطيبة، يحارب الضغينة بابتسامته المشرقة، ويبدد غيوم الكراهية بكلمات تتدفق في أذن الآخر فيمتثل لها كأنها أوامر، فكانت شخصيته المحبوبة من الناس حتى من أعدائه سلاحاً غيَّر الكثير من واقع الحال داخل الأوزاعي آنذاك.

عندما بلغ عمر السادسة عشر توفيت والدته، فأحسّ‏َ بفقدها أنه فقد الحياة بكل ما لها من معنى، وكأن الدنيا هبَّت بكل رياح صقيعها وعصفت بروحه، وتجمدت في مقلتيه دمعةً لم تخفها يوماً ضحكة طويلة أو نكتة استحضرها في مواقف طريفة، وصار مذ ذلك اليوم دائم التواجد في المركز، يزاور إخوته ويطمئن عليهم، يسألهم عن احتياجاتهم ويساعد في تأمينها، ثم يعود الى حيث يجلس مترقباً أن يتحقق الحلم الذي حفره على زناد البندقية.

الحرب مع إسرائيل، لم تكن مرحلة انهزمت أمامها النفوس وانصاعت لمقولة "العين لا تقاوم المخرز"، ولم يفهم الشهيد محمد سبب وقوف عدد من المقاتلين على أرصفة التبريرات عام 1982، تاركين البعض الآخر يواجهون اجتياح الدبابات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية تحت وابل الصواريخ التي ترميها طائرات عمياء أرادت أن تطفئ‏ كل شي‏ء في لبنان وتتركه رماداً للرياح.. هو لم يحتج ليفكر، فإن ما بينه وبين الله سلاح منّ‏َ به الرحمن عليه ليشق دربه نحو الجنة، فكان بإخلاصه لوطنه ولأمته مثالاً يُحتذى، وكفى بالمرء فخراً أن يكون من تلك الثلَّة التي كتبت أولى سطور الهزيمة لإسرائيل على أيدي مجاهدي المقاومة الإسلامية، وكان من المجاهدين الأشداء الذين قدموا الكثير من الخدمات الكبيرة في المقاومة بما كان يمتلكه من الجرأة والفطنة العسكرية.بقي الشهيد محمد مع بندقيته، لم يغادرها ولم تفارقه، لكنه وجد نفسه في دائرة الإصلاح فيما بين الأخوة، فقام بتكليفه على أكمل وجه متحملاً الأذى، راضياً بالظلم إذا كان في عين الله، ولم يلتفت طرفة عين إلى فرص العمل التي كانت تعرض عليه مقابل المال الوفير وراحة البال بعيداً عن المعارك.

عندما بلغ الاثنين وعشرين عاماً من العمر، تزوَّج من إحدى قريباته التي وقفت إلى جانبه في أيام الشدائد، وشدَّت على ساعده وهو يقاتل، وكانت بإيمانها وهدوئها مثالاً للزوجة الصالحة التي تدفع بزوجها إلى ساحة القتال متناسيةً نفسها في سبيل إعلاء كلمة الحق، وقد تحملت الأذية والنكران في سبيل القضية التي انتميا إليها، وقد رفعا برأسيهما شامخاً بها.. أما هو فالزوج الصالح، والصديق المتفهم، والوالد الحنون. عندما رُزق ب"محمود" ولده الأول لم تسعه الدنيا من الغبطة التي شعر بها، وقليلاً ما كان يفارقه حتى ظن الجميع أنه لن يغادر المنزل لشدة تعلقه به، غير أن تواجده القوي على متاريس الحق بيَّن أن لا حبّ‏َ في قلبه أقوى من حب الشهادة..

بعد أن رزق ابنه الثاني "مصطفى" راح يطرق على أبواب جيرانه منذ الصباح الباكر ليخبرهم انه رزق بولدٍ ثانٍ، ومع تلك المشاعر الرقيقة والشفافة همس لشقيقته انه يشعر بدنو شهادته. وبقي الحلم يتراقص على أجفان غده، يرى نفسه والفجر قد بزغ من جبين المقاومين، ويسمع مداس أقدامهم فوق تراب عاملة الندية، وهو والبندقية يرسمان ملحمة البطولة والشهادة.. أجل لقد انتظر أن يستشهد فوق تراب عاملة وأن يصبح دمه غديراً فواحاً بين دساكرها المسبية؛ إلاَّ أن ذاك النهار من تموز وبالتحديد في التاسع منه، والذي يصادف ذكرى مولده، كانت شوارع الأوزاعي تلتهب بالنيران، وكان هو والأخوة المجاهدون يتنقلون بين ألسنتها دون خوف يحملون السلاح ويدافعون عن بيضة الإسلام المحمدي الأصيل، في تلك الأثناء خرجت زوجته من الملجأ وبدأت بمساعدة أهل الحي بإطفاء الحرائق، وعند الساعة الثانية عشرة ظهراً سكت قلبه برصاصة عمياء وهو بين جدران المنازل التي شهدت مراحل حياته كلها، شهيداً وقد أوفى بعهده لله ولوطنه ولأمته، تاركاً وصية لم تزل تلهج بها شفاه المجاهدين الأبطال: "حفظ المقاومة الإسلامية".

* من وصية الشهيد محمد عساف‏
أهلي، إخوتي، وكل أحبتي: لا تحزنوا للدماء التي تسقط في سبيل الله، فهي دماء سوف تزهر وتثمر، فجاهدوا في سبيل الله حتى آخر قطرة من دمائكم، وصونوا نهج الإسلام المحمدي الأصيل على خطى الإمام الخميني العظيم، وادعموا مسيرة المقاومة الإسلامية من خلال متابعتكم لخط آل البيت عليهم السلام ولمسيرة كربلاء الخالدة من خلال عملكم الدائم لمحاربة كل قوى الفساد والاستعمار وخاصة أمريكا الشيطان الأكبر والجرثومة السرطانية إسرائيل حتى تبقى كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع