نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

قصة العدد: اسمي علي الأصغر

اسمي علي الأصغر.. واسم أبي حسين..
بيتنا قديمٌ يقع وسط زقاق ضيق... ويصل هذا الزقاق بعد منعطفين إلى مستديرة واسعة نسبياً يسميها الناس بالساحة.


ويقع على أطراف هذه الساحة عدة دكاكين.. دكان القصاب.. الفرن.. محل الخضار وبيع الفاكهة.. ومحل لبيع المفروشات والأدوات المنزلية.. ويوجد مصرف أيضاً بجانب مقهى علي الطباخ وكل المحلات قديمة ما عدا المقهى والمصرف.
في كل سنة في شهر محرم يقام العزاء في مدينتنا الصغيرة.. فيأخذ أحدهم دور الحر ويمثل آخر دور حرملة وطفلان صغيران دور طفلي مسلم..
أما برويزخان الذي يملك سيارة ب أم ف فيمثل دور الشمر.. وأبي كان في سنوات كثيرة يأخذ دور الحسين عليه السلام.
وفي يومي التاسع والعاشر يقفل أصحاب المحلات محلاتهم.. ويجلس الرجال أمام الدكاكين والنساء يجتمعن فوق السطوح لمشاهدة العزاء..

وعندما يقتل الإمام الحسين في العزاء.. يضج الرجال والنساء بالبكاء واللطم على الرؤوس والوجوه بقوة.
وتتحدث والدتي بأنني عندما كنت صغيراً كان أبي يأخذني إلى العزاء فيكون هو الحسين عليه السلام ويعطيني دور علي الأصغر، وبعد مقتل كل أصحاب الحسين عليه السلام كان والدي يحملني بين يديه ملفوفاً ويطلب الماء بعدها -لعلي الأصغر العطشان والذي لا حليب له - من جيش يزيد وجنوده الذين كانوا يرتدون جميعاً ألبسة حمراء. وعندما يصل مشهد التعزية إلى هذا الحد تعلو أصوات النياح والبكاء كثيراً ويلعن الناس يزيد وشمراً وهم في حالة غريبة من الأنين والنحيب.
- الإمام الحسين - يعني أبي - بعد مقتل كل أنصاره يجيء إلى الساحة يتصبب منه العرق ويريد أن يمسحه فيسدد أحد جنود الشمر سهماً إلى صدره فيوقعه إلى الأرض..
وفي تلك الحال كان برويزخان الذي كان يمثل دور الشمر يأتي ويجلس على صدر أبي - الذي فقد وعيه - وهو يلعب بشاربيه.
في تلك اللحظة لا يبقى لدى الحاضرين أي تحملٍ ويبدأون بضرب رؤوسهم وصدورهم صارخين والدموع كانت تسيل من عينيَّ أيضاً.

لقد كان أبي محباً وعاشقاً للحسين عليه السلام. ولأنه في العزاء؟ علي الأصغر، عندما وُلدت سماني علي الأصغر..
ومع أن الناس كانوا يعلمون أن هذا العزاء هو عملٌ مسرحي ولا واقعية له هنا فإن برويزخان كان مجبوراً على عدم الظهور بين الناس لعدة أيام بعد عزاء التاسوعاء والعاشوراء.. وكانوا يلقبونه بالشمر وحتى أنهم في الأيام الأخرى من السنة كانوا لا يطيقونه أيضاً.
وأما والدي فبالعكس.. فقد كانوا يحبونه كثيراً.. وكلما شاهدوني مع والدي يشيرون إليَّ قائلين: لقد وهبه الله علي الأصغر ابن الحسين عليه السلام.
ولما كبرت قليلاً لم أعد أتمكن أن أمثل دور علي الأصغر الرضيع في عزاء شهر محرم ولكن والدي بقي يمثل دور الإمام الحسين عليه السلام.

وكان لوالدي أمنية دائماً، هي أن تفتح طريق كربلاء ليستطيع الذهاب لزيارة الإمام الحسين عليه السلام.. لقد كان والدي عاشقاً للإمام الحسين عليه السلام وأمنيته الكبرى كانت الذهاب إلى كربلاء.. حتى أنه في إحدى المرات عرّض نفسه للخطر لكي يهرب إلى كربلاء ولكن الشرطة العراقية اعتقلته في الطريق وأخذت ماله وأغراض سفره وتركوه في الصحراء الخالية دون طعام وشراب وبدون مالٍ أيضاً.
حين أذهب مع والدي إلى العزاء كان يدخن بشدة وعصبية مصغياً إلى المقرئ.. وعندما يتحدث المقرئ عن كربلاء والإمام الحسين عليه السلام.. يبدأ والدي بالضرب بشدة على جبهته أو صدره ويبكي بحرقة شديدة.
وكان يحب الشيخ "ميرهادي واعظ" أكثر من الباقين ويقول: كلهم جيدون ولكن كلام هذا الشخص يرسخ في القلب أكثر..
في شهر محرم قبل ثلاث سنوات جرى برنامج العزاء في مدينتنا الصغيرة كالعادة وكنت أحب كثيراً أن أصبح علي الأكبر الابن الآخر للإمام الحسين عليه السلام.. وكان علي الأكبر عليه السلام كبقية أنصار الإمام الحسين العظماء يقاتل جيش يزيد.. ولكن أبي قال لي: أنت ما زلت صغيراً ولا يمكنك أن تكون عليَّ الأكبر.

في تلك السنة كنت أحد طفلي مسلم وكان "الحارث" يطاردنا ويبحث عنا فالتجأنا إلى زوجته التي كانت رؤوفة على عكسه فخبأتنا في بيتها وبعد ذلك علم الحارث بذلك فصاح:
الماء في القربة ونحن عطاشى في عسر ومشقة!!
الصديق في البيت ونحن نبحث في العالم!!

ثم ربطني مع رفيقي في المدرسة أحمد الذي كان الطفل الآخر لمسلم ابن عقيل وحملنا من وسط الناس ليقطع رأسينا وفي هذه اللحظة من التعزية التهب بكاء الناس رجالاً ونساءً.
وفي شهر محرم قبل سنتين، كانت الحكومة عسكرية ولم يقبل الجنود بإقامة العزاء ليالي التاسوعاء والعاشوراء. وكانوا يلاحقون مقيمي العزاء أيضاً لذلك لم يعقد العزاء في تلك السنة.. ولكن الناس كانوا يتجمعون يومياً وسط الساحة ويتظاهرون وكنت أخرج مع أبي في صف التظاهرات.

وكان الشيخ هادي في ذلك العام يصعد على أحد السطوح ويخطب في الناس من خلال مكبر صوت يدوي فتتعالى أصوات الناس بعد كلامه.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. ثم يسيرون في التظاهرات مطلقين الشعارات..
وفي ذلك المحرم اعتقل الجنود الشيخ هادي عدة مرات وكان الناس يقولون أنهم في كل مرة يأخذونه فيها كانوا يضربونه بشدة حتى أنني شاهدت بنفسي ورماً على عينه في أحد الأيام.
وبعد فترة - أي في الأيام التي سبقت مجيء الإمام قدس سره - لم يعد الشيخ ليذهب إلى منزله وكان الناس يتحدثون بأنه أرسل زوجته وطفله إلى مدينة أخرى. وكل ليلة كان يبيت في منزل مختلف كيلا يُعتقل وليستطيع في اليوم التالي أن ينظم المسيرات أيضاً.

وقد جاء إلى بيتنا في إحدى الليالي وجلس مع أبي في غرفة وتحدثا.. ولم يدعني والدي فلم أفهم ماذا يقولان؟
وعندما كان الناس يرون والدي في تلك الأيام كانوا يقولون له: يا حسين.. ادعُ لنا لنتخلص بأسرع ما يمكن من شر يزيد الظالم هذا..
وكان والدي يدعو دائماً بعد الصلاة أن يزيح شر الشاه عن رؤوس المسلمين بحق سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
هرب الشاه وجاء الإمام قدس سره.. وانتصرت الثورة الإسلامية وعاد محرم ثانية.
في شهر محرم من السنة الماضية.. كنا مسافرين إلى القرية التي ولدت فيها والعزاء كان أيضاً يقام هناك وكنت أحب كثيراً أن أشترك في التعزية ولكن أهالي القرية لديهم علي الأكبر.. وطفلا مسلم.. والشمر أيضاً، ولديهم الإمام الحسين عليه السلام كذلك.
وهناك بعد انتهاء العزاء وفي ختام الصلاة كذلك كان الناس يهتفون الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الخميني قائد..

وفي السنة الحالية صمم والدي أن يفرش بساط العزاء في مدينتنا بأي شكل وقال لي ذات يومٍ: لقد أصبحت كبيراً.. ومن الأفضل أن تمثل دور علي الأكبر عليه السلام.
فطرت من الفرح لسماع هذا الكلام.. لقد مرت سنوات وأنا أود أن أصبح علي الأكبر والآن ستتحقق أمنيتي.
فإذا كنت في هذه السنة علي الأكبر فسأستشهد قبل والدي.. وفي طوال فصل الصيف انهمك أبي بتجهيز الوسائل التي تلزم للعزاء حتى امتلأت زاوية إحدى غرف البيت بالقبعات والسيوف والدروع والألبسة المتنوعة وهيأ لي ثياباً لأصبح علي الأكبر عليه السلام.. وكنت أحب أن يغيّر الناس اسمي وينادونني بعلي الأكبر.. فاسم أبي حسين ويمكنه في كل سنة أن يكون الحسين عليه السلام وقد فرحت لذلك.
وانتهى الصيف شيئاً فشيئاً وكان اليوم الأول لفتح المدارس حين بدأت الحرب من العراق ضد إيران..

الجميع يتحدثون عن الحرب.. وفي الليالي كان أشخاص عديدون يحملون الأسلحة ويقومون بأعمال الدورية في الحي بالإضافة إلى الحراس الليليين.
وكان الجميع يتجمعون حول الراديو لسماع خبرٍ جديد، ولم يكن أي شخصٍ يضيء الكهرباء في بيته. وإذا ما أراد أحدٌ إضاءة غرفته فإنه كان يلف كل الشبابيك بالحرامات كيلا يظهر النور للخارج..
وفي بداية الليل كنت أسير مع أحمد وعباس في الأزقة الضيقة وإذا ما رأينا نوراً قليلاً يظهر إلى الخارج.. نصرخ: أطفئ النور.. أطفئ النور.
وكان الشيخ هادي واعظ يتحدث في الليالي بعد صلاة الجماعة عن الجهاد.. وقد أعدّ وهيأ بمعونة عدة من شباب المنطقة أوراقاً لتوزيع المحروقات والبيض. وفي الصباح كان بنفسه يحمل النفط ويوزعه ليصل إلى كل البيوت.. فيصل إلى كل بيت مرة في الأسبوع.

في تلك الأيام كنا نكبر بعد الصلاة كما هو الحال دائماً ولكننا نقول في نهاية التكبير مكان الموت للمنافقين الموت لصدام اليزيدي الكافر.
والجميع كانوا يلعنون صداماً، لأنه رئيس جمهورية العراق وكنت أعتقد أن صدام الكافر هو نفسه يزيد الذي ندعو الله أن يقتله. وقال أبي ذات يوم: "إن صدام هو من أبناء يزيد".
ولم يحن إلى الآن موعد شهر محرم. وكنت مع أبي نطلب من الله أن ينتصر المجاهدون لنتمكن في محرم هذه السنة من إقامة العزاء بتلهف وحرارة أكثر وكان أبي يقول: "أتمنى أن يساعدنا الله سريعاً فنقيم العزاء في نفس صحراء كربلاء".
وكنا نسمع أشياء كثيرة عن الحرب والشهادة لكن إلى ذلك اليوم لم أكن أشعر بالحرب جيداً.
ذلك اليوم كان يوم الجمعة وككل يوم جمعة ذهبت مع والدي إلى صلاة الجمعة وكانت خطبتا إمام الجمعة حول الحرب وتحدث عن الاستشهاد لكني لا أذكر ذلك بدقة. وبعد الصلاة صعد الشيخ هادي واعظ إلى الميكرفون وقال إن أربعة من أهل المدينة قد استشهدوا في الحرب ثم ذكر أسماءهم فعلت الشعارات والهتافات: "يا أخي المجاهد شهادة مباركة".
وانتهت صلاة الجمعة ومشى جميع الناس إلى المقبرة حاملين أربعة توابيت فوق أكفهم.. النعوش كانت مغطاة بالأعلام الإيرانية وكان يظهر عليها شعار الجمهورية الإسلامية وأنا أستطيع أن أرسم هذا الشعار بسهولة.
وكان أبي يقول أن هذه العلامة هي لا إله إلا الله وقد أخرجت بهذا الشكل.. وكان الناس يحملون النعوش سائرين إلى مقبرة المدينة وهم يطلقون الهتافات: "القتل الأحمر لنا والخميني قائدنا".
ولم يكن أحدٌ يبكي حتى في المقبرة وإنما كانوا يطلقون الهتافات فقط وسعيت في ذلك الازدحام لإيصال نفسي إلى المقدمة كي أرى الشهداء فلم أستطع.. وتناولت زوجة أحد الشهداء مكبر الصوت الذي يخص الشيخ هادي واعظ وتحدثت عن زوجها وكان طفلها يلعب بجانبها فقلت في نفسي إذا أقمنا العزاء هذه السنة فهذا الطفل يمكنه أن يكون علي الأصغر بشكل جيد.
وبعد انتهاء كلام زوجة الشهيد قال الشيخ هادي: إلهي بحق باب الحوائج تقبل منا هؤلاء الشهداء الأربعة.
فقال الجميع: "إلهي آمين".

وقد كان الشيخ دائماً يطلب من الله في آخر مجالس عزائه أن يقضي حاجات الناس ولكنه في هذه المرة طلب شيئاً آخر من باب الحوائج!
بعد ذلك اليوم تغير وضعنا فقد أصبح أبي يرجع إلى البيت في الليالي متأخراً ووالدتي تقول: ذهب أبوك إلى التعبئة لكي يتعرف على الأسلحة ويتدرب على إطلاق النيران.
وكان أستاذنا يدربنا على الأسلحة أيضاً في ساعات الرياضة وصرت قلّما أرى والدي فقد كان يصلي ويذهب إلى التدريب العسكري في الميدان قبل أن أنهض من فراشي في الصباح الباكر.
وذات يومٍ صباحاً حين نهضت من نومي شاهدت شيئاً عجيباً.. رأيت أبي وقد ارتدى لباس القتال يتحدث مع والدتي.. وفي البداية لم أصدق أن أبي قد أصبح مقاتلاً.. ففتحت عيني جيداً.. لا.. إنني لم أشتبه هذا والدي وقد وضع على كتفه بندقية خضراء اللون كالتي كان يدربنا عليها معلم الرياضة.. كان أبي يتحدث مع والدتي وهي تبكي.. فأصغيت بأذنيّ جيداً قال أبي: "هذا الطريق طريق الحسين عليه السلام فإما أن نذهب ونقضي على صدام وإما أن نستشهد كالإمام الحسين عليه السلام".
فلم تقل أمي أية كلمة فقال أبي مرة ثانية فكري.. إذا لطف الله بنا وانتصرنا فسينجو الشعب المسلم في العراق وستفتح طريق كربلاء.

عندها بكى أبي أيضاً فقد كان يبكي في أيّ وقت يُذكر فيه اسم الحسين عليه السلام وكربلاء فوالدتي تقول: "أبوك عاشق للحسين عليه السلام".
فنهضت وتوضأت وصليت وكان أبي يأنس كثيراً لصلاتي وكانت صلاة الصبح ركعتين وتنتهي بسرعة. وجلست على مائدة الصباح وأكلت مع أبي وأمي وخرجنا ثلاثتنا معاً من البيت وكنت أحب أن يراني أحمد وعباس وسائر زملائي في المدرسة رافعاً يدي إلى بندقية أبي وأمشي معه خطوة خطوة ووالدتي إلى جانبي وذهبنا هكذا حتى وصلنا إلى المسجد الذي كان فيه عدة أشخاص آخرين يلبسون كوالدي لباس القتال.
وكان الناس يقولون: "ألا توجد حاجة للمساعدة".. فهؤلاء كانوا يقدمون أنفسهم. ومضى أبي إلى المجاهدين الآخرين ثم تحركوا جميعاً إلى الساحة وكان الجميع يضربون الأرض بأقدامهم وبقوة وهناك شخص يصيح واحد.. إثنان.. ثلاثة.. فيجيبونه معاً: "شهيد".

وكنت فرحاً لأن والدي كان يفعل كذلك وكان الناس يسيرون خلف المجاهدين ولما وصلنا إلى المساحة رأيت هناك باصاً متوقفاً والناس يحيطون به.
وأخذ المجاهدون يقبِّلون القرآن الذي كان بيد إمام الجمعة واحداً تلو الآخر وكان كل واحدٍ يريد الصعود إلى الباص يودع شخصاً أو شخصين من معارفه ويقبلهم.. فقبلني والدي كذلك وقد أصبحت يداه أشد حرارة وكان يبدو أكثر رأفة.
كل المجاهدين ضاحكون وآخر هؤلاء المجاهدين وكان في يده مكبر للصوت صعد إلى الباص ووقف على بابه وبدأ بالحديث والوداع ورجاء الدعاء من الجميع.
وعندما نظرت جيداً وجدت أنه الشيخ هادي واعظ وقد خلع عباءته وعمامته ولبس ثياب القتال.
وبعد كلام الشيخ هادي سار الباص عدة أمتار فتوقف الناس أمامه وذبحوا خروفين وعبر الباص فوق دمائهما والناس يهتفون وهم يرفعون قبضاتهم.
"يا حارس القرآن... الله حاميك
يا عدو الإسلام... الله مخزيك
".
وكان والدي يضحك فلوحت بيدي له وأطلقت الشعارات مع الآخرين وعندما رجعت مع والدتي إلى البيت سألتها: إلى أين يذهب أبي مع المجاهدين؟ فقالت: سيذهب إلى كربلاء.

بعد ذلك اليوم مرت أيام كثيرة حتى أقبل شهر محرم وفي يومي التاسع والعاشر أقيم العزاء في المدينة.. ولبس المشهدي علي بائع السمانة في اليوم العاشر اللباس الذي كان يلبسه أبي كل سنة وأصبح هو الإمام الحسين عليه السلام.. ولكن لم يكن اسمه حسيناً!! ولم يكن في عزاء هذه السنة علي الأكبرعليه السلام.. فقالوا لي: إلبس لباس علي الأكبر الموجود لديك وتعال للعزاء.. فقبلت في البداية ولكن بما أني كنت أحب أن يكون أبي هو الحسين عليه السلام لم أذهب وهم أيضاً لم يأتوا بشخص آخر ليكون علي الأكبر وفي نهاية العزاء ابتهل الجميع بالدعاء من أجل انتصار الإسلام وكان المشهدي علي يقول في التاسوعاء والعاشوراء بعد العزاء: "إلهي.. إن الإمام الحسين الذي كان عندنا في كل سنة قد ذهب هذه السنة لقتال صدام اليزيدي فانصره يا رب"..
فيرد جميع الحاضرين: "إلهي آمين".. أنا وأمي قلنا ذلك أيضاً..

كان يوم الجمعة اليوم الثالث للمقتل.. فطرق باب بيتنا في الصباح الباكر. فظننت أنهم جلبوا لنا حساءً يطبخونه في عاشوراء ويوزعونه وكنت أحب هذا الحساء كثيراً.. فنهضت إلى أرض الدار وفتحت الباب.. لقد كان السيد حسن بائع المفروشات وهو أحد الأشخاص الذين لبسوا ثياب القتال وذهبوا إلى كربلاء مع والدي.. كان لونه ممتقعاً.. وما يزال يرتدي ثياب القتال ولكن لم يكن معه بندقية.. رآني وابتسم لي.. وكانت ابتسامته تبدو مصطنعة.. قال لي: هل والدتك في البيت؟
فقلت: نعم.. قال: اذهب ونادها.
فذهبت وناديت والدتي، فجاءت وتكلما قليلاً فقالت لي أمي.. إذهب يا علي الأصغر واجمع فراشك لأرى ماذا يريد السيد حسن..
فعدت إلى الغرفة ورتبت فراشي وجمعت أشياء أخرى ونسقتها.. ولكن والدتي لم تأتِ بعدُ.. وفجأة علا عويل أمي.. فاضطربت وأسرعت إلى أرض الدار فرأيت بعض الجيران قد تجمعوا أمام باب البيت وكان السيد حسن مطأطئ الرأس مغموماً جداً ووالدتي جالسة على التراب في الزقاق تبكي بشدة وتنتحب. وتلطم على وجهها ورأسها...
فهي كانت تلطم بهذا الشكل في مجالس العزاء عندما يتحدث المقرئ عن مقتل الإمام الحسين عليه السلام.
فلم أدرِ ماذا أفعل.. فأخذت بالبكاء بدون إرادة.. فجاءت إحدى جاراتنا وأخذتني إلى بيتها ولم تتركني - مع كل محاولتي للبقاء في الزقاق - لأعرف سبب بكاء أمي.
وانتهزت الفرصة بعد دقائق حين ذهبت الجارة لتأتيني بالشاي وهربت من بيتها..

كان الرجال والنساء يتجمعون حول أمي ويقولون: "مبروك لقد كان مؤهلاً لذلك" فهمت...! إنهم يتحدثون عن والدي.. فلم يأخذني البكاء ثانية.. فهمت أن والدي قد أصبح شهيداً..
فهمت أن والدي الذي ذهب إلى صحراء كربلاء ليحارب صدام اليزيدي قد قاتل وأبلى بلاءً حسناً وفي النهاية صار كالإمام الحسين عليه السلام شهيداً.
لا أدري لماذا كنت أحب أن أكون طفلاً!؟؟ طفلاً.. رضيعاً وملفوفاً، لو كنت طفلاً لحملني أبي حتماً فوق يديه.. وأخذني إلى ميدان المعركة.. وعندها استشهد قبل والدي.
تذكرت.. كان يجب أن أصبح عليَّ الأكبر.. فلو أصبحت علي الأكبر لنلت الشهادة قبل والدي أيضاً..
فأسرعت إلى البيت ودخلت غرفتي وارتديت لباس علي الأكبر عليه السلام ووضعت سيف والدي على وسطي.
ونظرت إلى المرآة فوجدت نفسي وقد أصبحت مثل بطل شجاع.

وخرجت من الغرفة بذلك اللباس.. وقد ازدحم الناس في الزقاق وجاء المشهدي علي أيضاً الذي كان هو الحسين عليه السلام في هذه السنة.. وعندما شاهدوني.. سكت الجميع وتوقفت والدتي عن البكاء ومسح الكل دموعهم.. وتقدم المشهدي علي وقال: "هذا لباس علي الأكبر".. وأنت يجب أن تلبس لباس الإمام الحسين وكان لباس الإمام الحسين عليه السلام معه وأعطانيه فأخذته وذهبت إلى الغرفة لأرتديه فخلعت لباس علي الأكبر.. لكن أمي أسرعت ورائي ولم ترض أن أرتدي لباس الإمام الحسين عليه السلام قائلة: ليكن ذلك في محرم آخر..
الناس يأتون ويذهبون.. واقترب وقت الظهيرة فذهبت مع أهالي الحي إلى الساحة وأتى إمام الجمعة وصلينا صلاة الجمعة يومئذٍ في الساحة وتحدث الإمام في خطبته عن الشهادة قال: "إن أبي كان ناصراً للحسين عليه السلام".
كان إمام الجمعة يتكلم ويبكي.. قال: إن أبي والشيخ هادي قد استشهدا يوم عاشوراء في سوسنكَرد.. وكان لصلاة الجمعة يومها شكل آخر.
وبعد صلاة الجمعة ذهب الناس إلى المقبرة وفي هذه المرة كان فوق أياديهم نعشان وُضع على كل منهما علم الجمهورية الإسلامية ووضعوا لباس الإمام الحسين عليه السلام على نعش أبي فقال أحدهم: كان الإمام الحسين عليه السلام يريد النصرة من أصحابه ويدعوهم إلى عونه ومؤازرته. وكان سيف أبي معلقاً أمام النعش الآخر حيث وُضعت عمامة الشيخ هادي. وبدون إرادة سالت الدموع على وجهي. لقد ذكرني هذا المشهد بذلك اليوم في التعزية عندما كان الشمر جالساً على صدر والدي والجميع يلطمون ويصرخون ويبكون وكنت يومئذٍ كالجميع أبكي أيضاً..

وكان النعشان يطيران فوق الأيادي ووالدتي تصرخ: لقد انتصر حسيننا.. فيردد الناس:
"الشهداء أحياء.. الله أكبر
مضرجون بالدماء... الله أكبر
"
وبعد أن تقدمنا قليلاً استبدل الناس شعارهم وهتافهم بالتكبير فيصيح أحدهم قائلاً: تكبير.. عندها يعلو هتاف الجميع...
"الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر... الخميني قائد... الموت للمنافقين الموت لصدام".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع