ما الفرق بين المرجعيّة ومنصب ولاية الفقيه؟ فقه الولي | من أحكام النزوح الوليّ الفقيه: كيف يختاره الفقهاء العدول؟ القائد المجتبى لطفٌ من الله أسباب الانتصار مع الإمام الخامنئي | احفظوا أثر الشهداء* الافتتاحية | كيف ننتقم لك؟ مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى* نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة* فقه الولي | من أحكام الصوم

ما الفرق بين المرجعيّة ومنصب ولاية الفقيه؟

الشيخ د. غسان الأسعد
 

لا بدّ للإجابة عن هذا السؤال من تحديد دور الدين في حياة الإنسان؛ إذ يتميّز الإسلام عن غيره من الديانات المنتشرة في العالم بأنّه يقدّم للإنسان منظومة متكاملة تتكفّل تنظيم مختلف الجوانب المرتبطة به، سواءً أكان من الناحية الفرديّة أم الأخلاقيّة أم الاجتماعيّة أم السياسيّة أم الاقتصاديّة. فالإسلام ليس ديناً يقصر اهتمامه على الجانب الروحيّ والمعنويّ، بل إنّه يقدّم نفسه بوصفه نموذجاً حضاريّاً بديلاً عن النماذج العالميّة ويشكّل تحدّياً لها. وبكلمة مختصرة: الإسلام دين ودولة، بل الدين في الإسلام عين السياسة، كما كان يؤكّد علماؤنا الأعلام.

* حاجتنا إلى المرجعيّة الشرعيّة
لا شكّ في أنّ بيان الشؤون الدينيّة التي يحتاج إليها المكلّف وتنظيمها والإشراف على تنفيذها يقع على عاتق المعصوم، أي النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة  عليهم السلام من بعده.

هذا وقد أرشدتنا الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت  عليهم السلام إلى ضرورة الرجوع إلى العلماء من بعدهم، سواء أكان ذلك على مستوى الأحكام الشرعيّة أم الشؤون العامّة الأخرى. فمن الواضح أنّ الفرد العاديّ لا يمكنه استنباط الحكم الشرعيّ بمفرده، لأنّ ذلك من الشؤون المعقّدة والصعبة، والتي تحتاج إلى اختصاص علميّ وفقهيّ؛ لذلك، كان لا بدّ من رجوع الناس إلى العلماء. ويرجع الشيعة إلى المراجع وعلماء الدين لمعرفة أحكامهم الشرعيّة في إطار ما يسمّى اصطلاحاً بـ»التقليد»، بحيث يقلّد الناس شؤونهم إلى الفقيه العالم القادر على الاستنباط.

* حاجتنا إلى الوليّ الفقيه
أمّا في ما يتعلق بالشقّ المرتبط بشؤون الحكم والدولة وغيرها من القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة العامّة، أي ما يشمل الأمّة والمجتمع الإسلاميّ عموماً، فالأمر فيها يحتاج إلى ما هو أبعد من استنباط الحكم الشرعيّ، بل يُحدّد تكليف الأمّة فرداً وجماعةً في مختلف الظروف، وكذلك الأولويّات والتوجّه العام. ولا يمكن للأفراد أن يتولّوا هذه الأمور بأنفسهم، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى الفساد والفوضى. من هنا، برز في الفقه والفكر الإسلاميّين ما يُسمّى بـ»ولاية الفقيه». ويناط بالوليّ اتّخاذ القرارات في الشؤون العامّة والإشراف على تنظيم الأمور المرتبطة بالحكم والدولة والمجتمع والحفاظ على الدين، ويتكفّل أيضاً ببيان السياسات العامّة للأمّة والمجتمع.

* صفات الوليّ وخصائصه
من الواضح أنّ من يتولّى منصب الولاية على المجتمع الإسلاميّ، لديه مهام خاصّة، وبالتالي، ينبغي أن يتمتّع بصفات خاصّة لا يشترط توافرها كافّةً في المرجع، وأهمّها:

1. أن يكون حائزاً مرتبة الاجتهاد في الدين، فلا يصحّ لمن يتولّى هذا المنصب أن يقلّد غيره.

2. الكفاءة الإداريّة والسياسيّة التي تمكّنه من إدارة شؤون البلاد.

3. البصيرة الثاقبة لتحديد الأولويّات التي تضمن مصلحة الأمّة.

4. الشجاعة والجرأة على اتّخاذ القرارات.

5. أن يكون مطّلعاً على أحوال الأمّة وشؤونها وقادراً على تحمّل همومها.

6. بسط اليد وامتلاك القوّة والصلاحيّة في مقام تنفيذ السياسات العامّة؛ فلا يُعقل أن يكون الوليّ ضعيفاً لا يقدر على إنفاذ قراراته.

* لفتة: قرار وتكليف لا فتوى
يتّضح من خلال ما ذكرناه أنّ الأحكام الصادرة عن الوليّ ليست فتاوى تقليديّة، بل هي أحكام وقرارات وتكاليف تنبع أهميّتها من أنّها تحدّد في بعض الحالات مصير الأمّة بأسرها.

كما يمكن أن نستنتج أنّ المنصبَين، المرجعيّة الشرعيّة والولاية، قد يجتمعان في شخص واحد، كما كان الإمام الخمينيّ قدس سره ومن بعده الإمام الشهيد السيّد عليّ الخامنئيّ  قدس سره. ويمكن أيضاً الفصل بينهما على المستوى العمليّ؛ فقد يُقلّد المكّلف مرجعاً ثبت له بالبيّنة الشرعيّة أنّه الأعلم في استنباط الحكم، ولكنّه على مستوى الشؤون الولائيّة العامّة يرجع إلى عالم آخر بوصفه الوليّ الفقيه على الأمّة، بشرط أن يكون مجتهداً قادراً على الاستنباط. أمّا المرجعيّة، فليست شرطاً في الوليّ.

وهذا يدلّ على ثراء الفكر الشيعيّ في إدارة حياة الإنسان على مستوياتها العلميّة كلّها.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع