لقاء مـع فضيلة الشيخ أكرم بركات
حوار: الإعلاميّ قاسم بيضون
في زمن يتشابك فيه السؤال السياسيّ بالدينيّ، ويبحث فيه الفرد عن رابط عقليّ بين إيمانه وواقعه، يبرز مفهوم جوهريّ في الفكر الإسلاميّ الشيعيّ لا يتعلّق فقط بمن يحكم، بل بمن يحقّ له أن يحكم.
فإذا كانت الولاية في أصلها لله سبحانه، فكيف ينعكس هذا المبدأ الإلهيّ على الأرض؟ وكيف ينتقل من كونه حقّاً إلهيّاً إلى نظام حكم بشريّ؟
هذا ما نستعرضه في حوارنا مع فضيلة الشيخ د. أكرم بركات، حيث نتتبّع خيط الولاية من مصدرها الإلهيّ، مروراً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، وصولاً إلى موقع الوليّ الفقيه في عصر الغيبة، ليس كاختيار بشريّ، بل كامتداد منطقيّ لولاية الله في إدارة شؤون الأمّة.
• ولاية الفقيه هي الولاية لله سبحانه وتعالى. كيف يمكن شرح هذا المصطلح اليوم بلغة يفهمها الشباب؟
ولاية الفقيه تعني أنّ الولاية في الإسلام هي لله، ويمارسها من خلال حاكم يجسّد نظام الحكم الإسلاميّ. ويمكن توضيح هذا المفهوم بلغة مفهومة للشباب بالاستناد إلى محاضرات الإمام الخمينيّ قدس سره التي ألقاها في النجف في الستينيات، حيث بيّن أنّ الوليّ الفقيه هو وليّ على الحكومة الإسلاميّة، وأنّ الإسلام ليس دين فرد أو جمعيّة، بل دين حكومة ونظام.
واستدلّ الإمام رحمه الله على ذلك عبر طبيعة الأحكام الإسلاميّة نفسها، التي تُظهر بوضوح أنّها أحكام دولة. فمثلاً، الأحكام الماليّة كالزكاة والخُمس وردّ المظالم والكفّارات تُنشئ صندوقاً ماليّاً ضخماً، خاصّة خُمس أرباح المكاسب الذي يقتطع عشرين بالمئة من الأرباح، يكفي وحده لتغطية حاجات الحوزات العلميّة والسادة الفقراء لو طُبّق في سوقَي طهران وإسطنبول فقط، فما بالك بسائر الأسواق؟ وهذا المال لا يعود للأفراد بل للحكومة.
كما أنّ الأحكام الجزائيّة لا يمكن تنفيذها من دون وجود حكومة تدير السجون، وتوفّر الأمن، وتضمن تطبيق العدالة في أنحاء البلاد كلّها. وكذلك أحكام الثغور التي تتطلّب حماية مركزيّة منظّمة لحدود أيّ دولة من تهديدات العدوّ، لا جهوداً محلّيّة متفرّقة.
يتّضح من ذلك كلّه أنّ الإسلام نظام حكم، وهذه الحكومة تحتاج حاكماً. والعقل والعرف يقرّان بأنّ أيّ حكومة لا تقوم بلا حاكم، فرداً كان أم لجنة. وهذا الحاكم لا يحكم بهواه، بل باسم الإسلام، فيجب أن يكون عالماً بأحكامه، أي فقيهاً مجتهداً، وأن يمتلك كفاءة إداريّة وسياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، كما يجب أن يكون عادلاً مؤتمناً، لا يخضع لأهوائه.
بالتالي، فإنّ الحاكم في الإسلام لا بدّ من أن يكون فقيهاً، وكفؤاً، وعادلاً، وهذه نتيجة عقلائيّة قطعيّة. وإذا تولّى الحكم، وجبت طاعته، وإلّا بطلت المقدّمات كلّها. من هنا، تثبت له الولاية على الأمّة، وهي جوهر ولاية الفقيه.
ويؤكّد الإمام الخمينيّ رحمه الله أنّ هذه الفكرة بديهيّة لا نظريّة؛ فمن فهم الإسلام حقّ فهمه، أدرك أنّ حكمه لا يتمّ من دون حكومة، ولا حكومة بلا حاكم فقيه عادل كُفْؤ. لكن ما طرأ على المجتمعات الإسلاميّة حوّل هذه البديهة إلى قضيّة تحتاج برهاناً.
ففي الفقه الإسلاميّ، القضايا البديهيّة لا تحتاج تقليداً، لأنّ التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم. لذا، فإنّ علاقة الأمّة بالوليّ الفقيه علاقة مباشرة، لا تمرّ عبر مرجع التقليد. فالإنسان يقلّد في الأحكام الفرديّة التي لا يعلمها، أمّا في الأحكام الاجتماعيّة العامّة، إذا أدرك بديهيّتها، فيرجع فيها مباشرة إلى الفقيه صاحب الولاية.
وهذا الفقيه يجب أن تتوافر فيه صفات تتجاوز مرجع التقليد العاديّ، إذ يُشترط فيه مستوى عالٍ جدّاً من الكفاءة السياسيّة، والقدرة على إدارة الشأنَين الاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنّه يتولّى قيادة الأمّة. وبذلك، تكون ولايته عليها ولاية مباشرة.
• كيف يتجسّد تسلسل الولاية في الفكر الشيعيّ من ولاية الله مروراً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمّة عليه السلام وصولاً إلى الفقيه؟ ولماذا يُعدّ هذا الامتداد الطوليّ عاملَ استقرار دينيّ وفكريّ؟
إنّ تسلسل الولاية في الفكر الشيعيّ يبدأ من ولاية الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان لأجل كماله، لا لحاجة فيه. والتكامل المطلوب إلهيّاً هو فرديّ واجتماعيّ، كما يدلّ عليه القرآن حين قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، رافضاً فكرة أن يكون الإنسان مصدر فساد وسفك دماء، بل إنّ هناك مساراً للتكامل الاجتماعيّ تتحقّق ذروته في آخر الزمان على يدَي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
لهذا، أرسل الله الرسالات، وختمها بالقرآن والسنّة اللذان يشكّلان دستور التكامل. لكنّ هذا المسار يحتاج إلى قائد يحدّد القضيّة المركزيّة، ويرتّب الأولويّات، ويقود الأمّة، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: 33)، حيث إنّ «الهدى» هو القائد، و«دين الحقّ» هو القرآن والسنّة.
في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كان هو نفسه القائد الأكمل، وعالماً بالشريعة، وكفؤاً، وعادلاً، فوجب طاعته. وبعد وفاته، بقيت الحاجة إلى قائد، فجاءت الرؤية الشيعيّة لتؤكّد أنّ الأئمّة عليهم السلام يجمعون بين حفظ الشريعة وقيادتها. وقد بيّن هشام بن الحكم هذه الحقيقة حين سأل: كيف يجعل الله للحواس إماماً (العقل) لتصحيح خطئها، ولا يجعل للأمّة إماماً بعد النبيّ؟
وقد ثبت بالعقل أنّ الأكمل بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو أمير المؤمنين عليه السلام، فالأئمّة من بعده حتّى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. ثمّ غاب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف لأسبابٍ مرتبطة بعدم نضج المجتمع، لكنّ حاجة الأمّة إلى قائد لم تغب. لذا، فإنّ الدليل العقليّ نفسه الذي يثبت قيادة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، يثبتها أيضاً للوليّ الفقيه في عصر الغيبة. والفرق الوحيد أن القائد لم يعد معصوماً ظاهراً، بل هو «الأكمل الممكن»: فقيه يجمع أعلى درجات العلم، والكفاءة، والعدالة. وهذا هو الوليّ الفقيه.
• هل تنجيز الحكم الفعليّ للوليّ الفقيه على أفراد الأمّة ينحصر به بشكل مباشر؟
الجواب العمليّ واضح؛ فالإمام عليّ عليه السلام كان في المدينة ثمّ في الكوفة، ومع ذلك، عيّن ولاة على الأمصار، كواليه على مصر. وأهل مصر كانوا يطيعون الإمام عليّ عليه السلام، لكن من خلال الوالي الذي عيّنه، لا عبر التواصل المباشر معه في كلّ صغيرة وكبيرة. وهذا يعني أنّ الطاعة تمرّ عبر هيكليّة تنظيميّة تعبّر عن ولاية القائد.
وكذلك في عصر الغيبة؛ الوليّ الفقيه يقود الأمّة ضمن سلسلةٍ تنظيميّة هرميّة، تمثّل ولايته وتترجمها في الواقع. وبهذا الشكل تتسلسل الولاية: من الله تعالى، ثمّ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فالأئمّة عليهم السلام، وصولاً إلى الوليّ الفقيه، ومنها إلى الهيكليّة التنظيميّة التي تدير شؤون الأمّة. وهذا التسلسل ليس قيداً، بل هو عين الاستقرار الدينيّ والفكريّ، لأنّه يحفظ مسار التكامل الذي خُلق الإنسان لأجله.
• هل يتعارض الانقياد لولاية الفقيه مع مبدأ الحريّة الفرديّة؟
لا بدّ أوّلاً من أن نحدّد عن أيّ حرية نتحدّث: هل هي حريّة الفرد أم الحريّة في المجال الاجتماعيّ العام؟
في الأصل، ترتبط ولاية الفقيه بالحكم الاجتماعيّ العام، لا بالممارسات الفرديّة الخاصّة. فهي تنظّم الحركة الاجتماعيّة، تماماً كما تفعل القوانين العامّة في أيّ دولة. فحين يوضع نظام للسير ويُقال إنّ السيّارة يجب أن تتوقّف عند الإشارة الحمراء، هل يُعدّ ذلك تقييداً سلبيّاً لحريّة الفرد؟ وحين يُمنع رمي النفايات في الشوارع العامّة، هل يقال إنّ الدولة تصادر حريّة الإنسان لأنّه «حرّ» ويريد أن يرمي نفاياته من نافذة سيّارته؟ هذا النوع من التقييد ليس سلبيّاً، بل هو تقييد وتهذيب مطلوب لحماية المجتمع.
إذاً، الفكرة الأساسيّة هنا أنّ التقييد ليس دائماً أمراً سلبيّاً، بل أحياناً يكون ضرورة عقلائيّة، كما في المثال البسيط: لو جاء شخص وضرب أنف غيره بعصا، ثمّ قال: «أنا حرّ»، فالجواب واضح: حريّتك تقف عند حدود أنف الآخر. أي أنّ الحريّة لها سقف، ولا يمكن أن تتحوّل إلى اعتداء على الآخرين.
من هنا، فإنّ ولاية الفقيه تضبط الحركة الاجتماعيّة العامّة، وقد يترتّب على ذلك تقييد بعض أشكال الحريّة، تماماً كما هو الحال في النظام العام الموجود في كلّ دول العالم، والذي ينصّ على حدود بعدم التعدّي على حقوق الآخرين أو الإضرار بالمجتمع. أمّا على مستوى ممارسات الإنسان الفرديّة، فولاية الفقيه لا تتدخّل فيها بهذا المعنى، بل على العكس، هي تشجّع الإنسان على الإبداع والتطوّر، وتحفّزه على أن يسلك في حياته مساراً تكامليّاً. بل إنّ مشروع ولاية الفقيه، في جوهره، هو مشروع تكامل الفرد والمجتمع معاً. والوليّ الفقيه يدرك أنّ بعض مجالات التكامل، كالمجالات الفنيّة والفكريّة وسواها، تحتاج إلى مساحة من الحريّة. لذلك، هو لا يتدخّل في هذه المسائل ما دامت لا تضرّ بالمجتمع العام. أمّا السلوكات المؤذية، كنشر المخدّرات أو إشاعة العري في الشوارع، فهي تؤدّي إلى نوعٍ من الإفساد الاجتماعيّ، وعندها، يصبح التدخّل واجباً. وهكذا، إنّ ولاية الفقيه امتداد لرحمة الله وحكمته في إدارة شؤون الناس، وهي ضمانة لاستمرار مسار التكامل الذي خُلق الإنسان لأجله، حتّى يحين الوعد الإلهيّ بظهور صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، حين يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.