لستُ شيعيّاً وأحبُّ السيّد مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان إحسان عطايا: السيّد في وجدان فلسطين سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم السيّد الحيدريّ: ارتباطي بالسيّد نصر الله ولائيّ وفقهيّ مع الإمام الخامنئي | أوّل دروس النبيّ : بنــاء الأمّــة* نور روح الله | تمسّكـوا بالوحدة الإسلاميّة* أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود* فقه الولي | من أحكام مهنة الطبّ

مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان

تقرير: ولاء حمّود

"لقد أصبح المرقد الشريف اليوم درّةً تشعّ بالعطاء، والحنان، والحبّ، والوعي، والبصيرة. وسيكون وجهةً للعالم وللمنطقة أجمع، ومن أفضل المظاهر التي ستتراكم مع الأيّام، ومقصداً لكلّ طالب حقّ، لأنّ من أُودع فيه كان مدرسة في الإخلاص والفكر والمواقف، وشخصيّة استثنائيّة تنصر المظلوم، وتقف في وجه الظالم مهما كان قويّاً ومتغطرساً". هكذا استهلّ سماحة الشيخ عبد المنعم قبيسي حديثه عن البُعد الثقافيّ لمرقد سيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه). والمزيد من التفاصيل في هذا التقرير.

* موقعٌ خاصّ لخدمة الزوّار
يحدّثنا ضياء أبو طعّام، المسؤول الإعلاميّ في المرقد، عن قصّة إنشاء هذا المعلم، قائلاً إنّها "بدأت عقب استشهاد سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) أثناء الحرب، بحيث شُكّلت لجنة موسّعة لدراسة الحيثيّات المتعلّقة بمكان الدفن. وبعد نقاش داخليّ في حزب الله، وقع الاختيار على الموقع الحاليّ للمرقد، وعدّ ذلك توفيقاً إلهيّاً بكلّ معنى الكلمة".

يشير الإعلاميّ أبو طعام إلى أنّ "الوصول إلى المرقد سهلٌ من مختلف الاتّجاهات، بعيداً عن الازدحام والخصوصيّات التي قد تثير حساسيّاتٍ سياسيّة. فالموقع لا يشكّل عائقاً أمام أيّ جهة ترغب في زيارة المرقد أو تأدية مهامها. فهو يقع عند طريق المطار، في نقطةٍ وسطيّة تربط بين مختلف المناطق اللبنانيّة، وتحيط به مساحة واسعة تسهّل الدخول والخروج، والمشاركة في النشاطات المتنوّعة، خصوصاً بالنسبة إلى الباصات الكبيرة التي تقلّ الزوّار من مختلف المناطق".

ويؤكّد أنّ المرقد "تحوّل إلى نقطة جذبٍ لوفودٍ من خارج لبنان، ولا سيّما من العراق، حيث باتت الزيارات الدوريّة عادةً متكرّرة كلّ شهرٍ أو شهرين، وغالباً ما تتكرّر الوجوه والأعداد، ما يعكس مدى ارتباط الناس بسماحة السيّد. إنّ التجربة أثبتت أنّ هذا الموقع هو الخيار الأنسب لخدمة محبّي السيّد من لبنان والعالم".

من جهةٍ أخرى، يوضح سماحة الشيخ عبد المنعم قبيسي، أنّ الزوّار لا يقتصرون على الداخل اللبنانيّ، على الرغم من أنّ عددهم يصل إلى مئة ألف شهريّاً، ويتراوح بين أربعين وخمسين ألفاً في المناسبات الكبرى كعاشوراء. ويضيف أنّ الوفود تشمل فئات عمريّة متنوّعة ومؤسّسات اجتماعيّة، وسياسيّة، وتربويّة، وكشفيّة، ومناطقيّة، وكلّها تأتي لتجديد الصلة بذلك السيّد الجليل الذي ستبقى روحه مشعّة، وفكره مضيئاً، ولسانه صادعاً بالحق، يملأ القلوب إيماناً والضمائر وعياً.

* المرقد الشريف: منارة أمميّة
وعن هويّة المرقد، يقول أبو طعام: "عقب تشييع سماحة السيّد حسن نصر الله
(رضوان الله عليه)، دار نقاش داخليّ حول طبيعة المرقد وهويّته: هل سيكون مزاراً دينيّاً؟ أم ذا طابع وطنيّ؟ أم معلماً أمميّاً يعكس فكر السيّد وتجربته ويجسّد روح المقاومة؟

فكلّ خيار كان سيترتّب عليه شكل خاصّ للمكان، ونوعيّة النشاطات، والخطاب الإعلاميّ المرتبط به.

وبعد دراسة مستفيضة، ورغبةً في إيصال فكر السيّد، وثورته، وتضحياته في سبيل القضايا المحقّة، وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة، رُجّح اعتبار المرقد معلماً أمميّاً، يتجاوز الانتماءات الضيّقة، وينفتح على الإنسان أيّاً كان دينه أو خلفيّته". وفي هذا السياق، يصف أبو طعام مشهد الزائرين قائلاً: "يأتون بدافع الحبّ والعشق، لا يسألون عن هويّة المرقد أو طابعه، فالبكاء والدعاء والحديث مع سماحة السيّد يتخطّى الطوائف، ويفوق أحياناً بكاء أبناء بيئة المقاومة ذاتها." ويتابع: "الزائر يتحدّث إليه كما لو كان أباه. رأينا ذلك جليّاً في المناسبات كعيدَي الفطر والأضحى، حيث يتوجّه الناس بعد الصلاة مباشرة إلى المرقد، كما يتوجّهون لزيارة أحبّائهم الراحلين".

* برامج المرقد: عبادة، وعي، وتجديد للولاء
يبيّن سماحة الشيخ عبد المنعم قبيسي، أنّ النشاطات المتنوّعة التي تقام هناك تأخذ أنماطاً متعدّدة، فيقول: "برامج المرقد تتنوّع بين الطابع العباديّ كالأدعية الأسبوعيّة، وبين المناسبات الشهريّة والدوريّة التي كانت ترتبط بإطلالات صاحب المرقد، لنجعل منه مصداقاً حيّاً للصوم، والعيد، وليالي القدر، والدعاء، والتوجّه إلى الله عزّ وجل". ويضيف أنّ الطابع العامّ للنشاطات هو دينيّ ثقافيّ، إلّا أنّ مضامينه تحمل مفاهيم جهاديّة عمليّة، تعزّز صمود المجتمع وترسّخ ارتباطه بمصادر قوّته.

وفي سياق آخر، يشير الشيخ قبيسي إلى حرص إدارة المرقد على مواكبة المواسم الدينيّة التي كان سماحة السيّد يهتمّ بالإطلالة من خلالها، فيقول: "نولي اهتماماً خاصّاً للمناسبات الكبرى كليالي القدر وعاشوراء، بحيث انضمّ المرقد إلى شبكة المنابر الرسميّة التي تحيي هذه المناسبات. وتعمل الإدارة على تحديد حصّتها من الإحياء بما يتناسب مع حجم المناسبة، وحرصاً على أن لا تزاحم مواقع أخرى".

* نبض روحيّ حيّ وملتقى وجدانيّ
يرى سماحة الشيخ قبيسي أنّ المرقد الشريف أعاد إحياء الروح التواصليّة بين الناس، حتّى باتوا يميلون إليه يوماً بعد يوم، ويجدون فيه ملاذاً للتعبير عن حبّهم ووفائهم لسماحة السيّد الشهيد. يقول: "نشعر بهذا التعلّق من خلال المتابعة والمراقبة اليوميّة، فندوّن حضور الزوّار من مختلف الأطياف، بحيث يأتون زيارةً، ووفاءً، وحبّاً، وتجديداً للعهد مع السيّد الأقدس (رضوان الله عليّه)".

ويؤكّد أنّ هذا الجوّ الروحيّ ينعكس في إقامة حلقات الذكر وقراءة القرآن، ومجالس الدعاء والابتهال، فضلاً عن نشاطات تنظَّم من مختلف الفئات. فعناصر الكشّافة مثلاً، يأتون لتلاوة القرآن، وتجديد القسم، ويقيمون برامجَ متنوّعة كاللطم، والرسم، والتصوير في تأكيدٍ أنّ الإسلام الذي ضحّى من أجله السيّد، باقٍ حيّاً وفاعلاً في نفوس أبنائه".

أمّا عن الحضور الشعبيّ، فيوضّح أبو طعّام أنّ المرقد لم يخلُ منذ التشييع من الزوّار، ويقول: "الحدّ الأدنى يوميّاً لا يقلّ عن خمسة آلاف زائر، والمرقد مفتوح من التاسعة صباحاً حتّى الحادية عشرة مساءً. وثمّة مطالبات بفتحه حتّى بعد منتصف الليل، فالناس يحتاجون إلى هذا الفضاء الرمزيّ للتعبير عن مشاعرهم أو للاختلاء في عبادة الله تعالى".

* إعلام المرقد: رسالة أمميّة
وعن انطلاقة العمل الإعلاميّ في المرقد، يقول أبو طعّام: "تأسّست المديريّة الإعلاميّة مباشـــرة بعد التشييـع، وكان لي شرف البدء فيها. اليوم، يضمّ الفريق عدداً كبيـــراً مـن المتطوّعين، يعمــلون بكلّ إخــلاص، ويشكّلون قلب هذا الجهد النقيّ." ويؤكّد أنّ العمل الإعلاميّ انطلق من فريق صغير لا يتجاوز سبعة أشخاص، ومع ذلك، تمكّن من إيصال رسالة المرقد ونشاطاته إلى العالم. يتابع: "أنشأنا منصّات إعلاميّة تعبّر عن المرقد، وننتج موادَّ باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، خصوصاً المتعلّقة بالنشاطات، ونعمل على التوسّع تدريجيّاً." ويضيف أنّ التحدّيات كانت كبيرة، خاصّة مع الحجب المتكرّر للصفحات الإعلاميّة، لكنّ الفريق استطاع شقّ الطريق الصحيح عبر عدد من المنصّات مثل تليغرام، وإنستغرام، بالإضافة إلى قناة تحمل اسم المرقد. ويُنتظر الإعلان عن الموقع الإلكترونيّ الرسميّ تزامناً مع الذكرى السنويّة الأولى لرحيل سماحة السيّد. ويشير أبو طعّام إلى أنّ الموقع سيكون أمميّ الطابع، ويقدّم محتوى بأربع لغات أساسيّة: العربيّة، والإنجليزيّة، والفارسيّة، والفرنسيّة، على أن تُضاف الإسبانيّة لاحقاً، ما يمنح المرقد صوتاً عالميّاً يضمّ أكثر اللغات المحكيّة في العالم.

من جهة أخرى، تعمل المديريّة الإعلاميّة على مشروع أرشفة خطابات سماحة الأمين العام حسن نصر الله (رضوان الله عليه) موضوعيّاً وليس زمنيّاً، في محاولة لاستخلاص ما قاله في قضايا محوريّة مثل صراع الحقّ والباطل، والأسرة، والشباب، وربطها بالواقع المعاصر. ويختم أبو طعّام بالقول: "لقد لمسنا أنّ كلام سماحته عابر للزمان لا للجغرافيا فقط؛ ففي خطابات تعود إلى العام 1997م، نجد رؤى وتحليلات ما زالت تقارب الواقع كما لو أنّها كُتبت اليوم."

* خدّام ضيوف السيّد
يلفت أبو طعام إلى أنّ جميع العاملين، بدءاً من عائلة سماحة السيّد الخاصّة من أبناء وبنات وأحفاد، يشكّلون جزءاً من الفريق الذي يخدم في المرقد. ويبرز جانب الأب المربّي الذي صنع أسرة متواضعة، ومعطاءة، ومقدامة، وزاهدة، لا تتصدّر المشهد بل تظلّ في الخلف ليبرز الآخرون في الصفوف الأماميّة. كما يشمل الفريق الخاصّ بسماحة السيّد، من الحماية إلى المكتب الإداريّ والأمانة العامّة، وجميعهم حاضرون ومخلصون في خدمتهم. ويتميّز الجميع بروح الخدمة للزوّار، بحيث يُستقبل كلّ زائر باهتمام، وتُلبّى احتياجاته، فيشعر منذ لحظة وصوله إلى مواقف السيّارات وحتّى دخوله إلى المرقد الشريف بأنّه ضيف سماحة السيّد.

* وفاءٌ متجدّد في رحاب المرقد
كيف ستكون الذكرى السنويّة الأولى لسماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)؟ سؤال يشغل قلوب المحبّين الذين ينتظرون هذه المحطّة بحبّ وترقّب، يقول الشيخ عبد المنعم قبيسي: "هذه الذكرى ستقام عبر نشاطات مختلفة، تتصدّرها المسابقة الإلكترونيّة العالميّة التي ستحمل اسم (سيّد شهداء الأمّة)، وربّما يُطلق عليها (اقرؤوا كتابي). وستُتاح المشاركة عبر المنصّات الرقميّة، لتتناول سيرة السيّد وأبعاده الجهاديّة، والسياسيّة، والتربويّة، والأخلاقيّة، إلى جانب برامج ونشاطات أخرى سيُكشف عنها في وقتها".

أمّا المديريّة الإعلاميّة، فيوضح أبو طعام أنّها بصدد إنشاء غرفة إعلاميّة لتوثيق الذاكرة الشفويّة لسماحته، تستقبل عشرات وربّما مئات الشخصيّات من مختلف أنحاء العالم ممّن التقوه في مناسبات خاصّة، بهدف تحويل رواياتهم وذكرياتهم إلى أرشيف موثّق ومصنّف يمكن الاستفادة منه في المستقبل.

ويضيف: "في الأسبوع الذي سيجمع الذكرى السنويّة للسيّدين الشهيدين، سماحة السيّد حسن نصر الله والسيّد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله عليهما)، ستُقام نشاطات يوميّة داخل المرقد، تتضمّن إنتاجات فنيّة كالأوبريتات الإنشاديّة، إضافة إلى زرع شجرة زيتون مقدسيّة في باحة المرقد، تخليداً للقدس، القضيّة الأسمى التي طالما وصفها السيّد بأنّها (رسالة السماء)".

ويشير إلى مشاريع مستقبليّة قيد التخطيط، تهدف إلى توسعة البنية التحتيّة للمرقد، عبر إنشاء قاعات استقبال، واستراحة للوفود، ومنصّات مفتوحة للإبداع، لتكون هذه المرافق امتداداً للمرقد كـمعلم أمميّ جامعٍ ومحفّزٍ لثقافة المقاومة والوفاء.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع