حوار: الإعلاميّة أوجينا دهيني
ثمّة شخصيّات استثنائيّة لا تترك أثرها في لحظة عابرة، بل تسكن في ضمير الأمّة، وتتحوّل إلى منارات تهدي الطريق وسط العواصف. شخصيّات تعيد تعريف المفاهيم، وتُبقي القضايا حيّة في الوجدان، على الرغم من محاولات الطمس والتغييب.
هذا النصّ رحلة في العلاقة المتينة التي نُسجت بين حركات المقاومة في منطقتنا، وخصوصاً بين حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين والمقاومة الإسلاميّة في لبنان، ضمن سياق أكبر رسم ملامحه سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه). علاقة تجاوزت التنسيق السياسيّ لتلامس عمقاً وجدانيّاً واستراتيجيّاً نادراً، وتركت بصمتها في الوعي الفلسطينيّ، وفي معادلة الصراع مع العدوّ.
نقترب في هذه المقابلة مع إحسان عطايا، عضو المكتب السياسيّ لحركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين، من روح المقاومة، والارتباط العميق بفلسطين التي لم تغب يوماً عن قلب السيّد، ولا عن ميادين المقاومين.
كيف بدأت العلاقة بين حركة الجهاد الإسلاميّ والمقاومة الاسلاميّة؟
لقد أحدث انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران تحوّلاً مهمّاً في مسار القضيّة الفلسطينيّة، بحيث وُجّهت البوصلة نحو القدس وفلسطين، ودُعمت المقاومة الفلسطينيّة بكلّ ما تحتاجه في مواجهة الاحتلال الصهيونيّ. وفُتح المجال أمام حركات المقاومة الفلسطينيّة لبناء علاقة استراتيجيّة ومميّزة مع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، بالتالي، مع فيلق القدس، الذي كان له دور كبير في تعزيز هذه العلاقة بين حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين وإيران وتطويرها.
وقد أدّى ذلك إلى فتح الباب أمام علاقة وثيقة ووطيدة بين حركة الجهاد الإسلاميّ والمقاومة الإسلاميّة التي انطلقت في لبنان في الثمانينيّات. وما ساعد في تطوّر هذه العلاقة وتعزيزها هو التواصل المباشر بين قيادة المقاومتين، ولا سيّما بعد استشهاد مؤسّس حركة الجهاد الإسلاميّ وأمينها العام الأوّل الدكتور فتحي الشقاقي وقدوم إخوانه إلى لبنان العام 1988م.
نستطيع القول إنّ هذه العلاقة قامت على أساس متين من التعاون والتشاور، وتقديم الدعم في مجالات عديدة، وعلى رأسها الإعداد والتدريب العسكريّ، ما أسهم في رفع مستوى الأداء والجهوزيّة وتطوير القدرات في مواجهة العدوّ الصهيونيّ، على طريق التحرير وإزالة الاحتلال والعودة إلى الديار.
ما الذي جعل السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) مختلفاً في نظر الفلسطينيّين عن بقيّة الزعماء في العالم العربيّ؟
لقد تجاوز سماحة السيّد حسن نصر الله (رحمه الله) العالم العربيّ بقيادته للمقاومة، واستطاع أن يكون قائداً أمميّاً بكلّ جدارة، فقدّم للأمّة نموذجاً يُحتذى به في المقاومة والجهاد، والقيادة والميدان. وأثبت أنّه قائد ملهم لمسيرة المقاومة المظفّرة، على مدار سنوات طويلة من البذل والعطاء، والعمل الدؤوب، من أجل إحقاق الحقّ، وإزهاق الباطل. وتمكّن من تجاوز الكثير من العقبات والمطبّات الشائكة، ومواجهة التحدّيات الصعبة، في أشدّ الظروف تعقيداً، بحكمة وحنكة منقطعتَي النظير، في معركتنا المفتوحة مع الأعداء. وتحمّل مسؤوليّة كبرى تجاه القدس وفلسطين، فكانت شغله الشاغل وجُلّ اهتمامه، ما جعل الفلسطينيّين يشعرون بحجم هذه المسؤوليّة التي حملها سماحته، ويلمسون هذه العلاقة الوجدانيّة السامية التي تربطه بفلسطين وشعبها ومقاومتها.
كيف تصفون العلاقة بين الشعب الفلسطينيّ وخطاب سماحة السيّد، خصوصاً في أوقات الحرب أو التصعيد؟
كانت علاقة سماحة السيّد بفلسطين علاقة أصيلة ومبدئيّة وجوهريّة، ولم تكن خافية على أحد، وليست طارئة أو آنيّة، وكانت متماسكة لا يمكن فكاكها. لذلك، لم تغب فلسطين عن عقله ووجدانه لحظة واحدة، بل كانت حاضرة في سلّم أولويّاته في أوقاته كلّها، تسكن قلبه وفكره، وكانت همّه الدائم طوال حياته المباركة. فبادر سريعاً مع إخوانه القادة في حزب الله إلى اتّخاذ قرار صائب وجريء وشجاع، بفتح جبهة جنوب لبنان إسناداً لغزّة، بعد عمليّة طوفان الأقصى مباشرة، وكان لهذه الجبهة دور مهمّ جدّاً في مشاغلة العدوّ واستنزافه على مختلف المستويات.
ولهذا، فإنّ العلاقة بين الشعب الفلسطينيّ وخطاب السيّد جمعت بين الوجدانيّة والاستراتيجيّة، لأنّه كان يخاطب قلوبهم وعقولهم؛ فعلى الرغم من الطرح الاستراتيجيّ في خطاب سماحته، إلّا أنّ المحبّة والعاطفة الجيّاشة كانت تنبعث من كلامه المفعم بالمشاعر الصادقة، لتصل إلى قلوب الفلسطينيّين وعقولهم.
من موقعكم المقاوم والممانع والمراقب، كيف تقيّمون تأثير خطابات السيّد نصر الله في الإعلام الإسرائيليّ؟ هل لمستم ارتباكاً أو خشية حقيقيّة في طريقة قراءتهم لخطابه أو لظهوره؟
كان لخطابات سماحة السيّد حسن وقع كبير وتأثير شديد في الإعلام الصهيونيّ الذي كان يتابع بدقّة كلماته ولغة جسده التي كانت تشكّل إرباكاً واضحاً في طريقة قراءة المحلّلين والسياسيّين الصهاينة لخطاباته، على وسائل إعلام العدوّ. وكانت هذه المتابعة تعكس خشيتهم الحقيقيّة لمجرّد ظهوره، وهو ما يعدّ جزءاً مهمّاً من الحرب النفسيّة والمعنويّة ضدّهم، عبر إعلامهم نفسه.
إلى أيّ مدى ساهم خطاب السيّد في إنعاش القضيّة الفلسطينيّة التي يعمد العالم إلى تجاهلها وإغفالها؟
بلا أدنى شكّ، نستطيع أن نقول إنّ خطاب سماحة السيّد حسن قدّم للقضيّة الفلسطينيّة خدمة كبرى في إنعاشها، وارتفاع منسوب التفاعل معها، على مستوى الأمّة العربيّة والإسلاميّة وأحرار العالم، في ظلّ مؤامرة كبرى حاكها الحلف المعادي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيّة والتي تهدف إلى تصفية هذه القضيّة، وتهويد فلسطين، وتهجير من تبقّى من الفلسطينيّين الصامدين في أرضهم من خلال المجازر والإبادة والحصار والتجويع، وإنهاء كلّ ما يتعلّق بفلسطين لصالح الاحتلال الصهيونيّ. فخطاب سماحته كان عابراً للقارات، وعاملاً مؤثّراً في الشعوب الحرّة في العالم لفهم مظلوميّة الشعب الفلسطينيّ وعدوانيّة كيان الاحتلال.
برأيكم، هل ساهم السيّد في إعادة تعريف خيار المقاومة في الوعي الفلسطينيّ، مقابل خيارات التسوية والمفاوضات؟ كيف تجلّى ذلك إعلاميّاً وشعبيّاً؟
لقد قدّم سماحة السيّد حسن مساهمة كبرى في إعادة صياغة خيار المقاومة في الوعي الفلسطينيّ، مقابل خيار التسوية والمفاوضات الذي لا يحمل في مضمونه إلّا الاستسلام. وقد ظهر ذلك جليّاً على مستويات عدّة، أبرزها المستويين الإعلاميّ والشعبيّ. وقد كان لوسائل الإعلام دور مهمّ في تصويب المفاهيم والمصطلحات التي حاول الأعداء اختراق الوعي الفلسطينيّ وكيّه من خلالها، ونجحوا إلى حدّ ما، عندما وقّعت منظّمة التحرير الفلسطينيّة على اتّفاقية أوسلو. أمّا على المستوى الشعبيّ، فإنّ خطابات السيّد كان لها تأثير مهمّ وملحوظ في الوعي الفلسطينيّ لمفهوم المقاومة وخيارها في تحرير فلسطين ومقدّساتها.
كيف ترون حضور السيّد نصر الله في وجدان الجيل الفلسطينيّ الجديد؟ أرمزًا للمقاومة، أم حالة من القيادة العابرة للطوائف والحدود؟
لم يقتصر حضور السيّد حسن نصر الله في وجدان المقاومة الفلسطينيّة وشعبها فحسب، بل تعدّاه ليصل إلى وجدان الجيل الفلسطينيّ الصاعد الذي تعلّم من مدرسته، إضافة إلى دروس المقاومة، دروساً في الوحدة، والتعايش المشترك، واحترام الرأي الآخر، والمحبّة والصدق والتواضع، وصلابة الموقف والتمسّك بالمبادئ. ولم يعد سماحة السيّد حسن بنظر هذا الجيل الجديد مجرّد رمز فريد للمقاومة، بل أضحى يمثّل حالة لا مثيل لها من القيادة العابرة للطوائف والمذاهب والحدود.
ماذا فقدتم باستشهاد السيّد؟
استشهاد السيّد كان خسارة كبيرة لفلسطين، ناهيك عن كونه خسارة كبيرة للمقاومة ولبنان والأمّة جمعاء.
لقد فقدنا باستشهاده المبارك قائداً عظيماً مخلصاً لهذه القضيّة، ونصيراً وسنداً قويّاً لفلسطين وشعبها ومقاومتها، ودرعاً حصيناً من دروع أمّتنا الإسلاميّة والعربيّة.
ولكن ما يواسينا أنّه ترك خلفه قادة عظماء، أوفياء ومخلصين لمسيرته المباركة، وأهلاً لحمل الأمانة.
هكذا تشكّلت ملامح علاقةٍ فريدة، جمعت بين فكرٍ مقاوم وقيادةٍ صادقة، وحملت فلسطين في القلب والفعل. لم تكن تلك العلاقة نتاج تحالفٍ سياسيّ عابر، بل ثمرة وعي عميق، وتجربة نضاليّة مشتركة، ووفاء لا يعرف المساومة. وما زالت كلمات السيّد ومواقفه، كما دماء الشهداء، تنبض في وجدان الأمّة، وتُلهب قلوب الأحرار على طريق القدس.