لستُ شيعيّاً وأحبُّ السيّد مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان إحسان عطايا: السيّد في وجدان فلسطين سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم السيّد الحيدريّ: ارتباطي بالسيّد نصر الله ولائيّ وفقهيّ مع الإمام الخامنئي | أوّل دروس النبيّ : بنــاء الأمّــة* نور روح الله | تمسّكـوا بالوحدة الإسلاميّة* أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود* فقه الولي | من أحكام مهنة الطبّ

سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة

تحقيق: نهى عبد الله


قصّة شغف يافع فتيّ من جنوب لبنان، رحل باحثاً عن التفقّه، طالباً للعلم، إلى حيث وجد ضالّته، إلى النجف، بعلبك، قمّ.. وحينما عاد، عاد تعبويّاً، مقاوماً، مجاهداً، ولائيّاً، عالماً، مفكّراً، سيّداً أسر قلوب محبّيه، بل وقلوب خصومه أيضاً، فاستقرّت قلوب الجميع في راحة يده. كيف كانت هذه الرحلة؟ ما هي طموحاته التي تخلّى عنها في سبيل هذه المسيرة؟
أيّ نبوغ مبكّر امتلك؟ كيف ميّزه الإمام الخمينيّ قدس سره؟
رحلةٌ يتتبّعها هذا التحقيق لنكتشف كيف كان سيّد شهداء الأمّة على مقاعد العلم، وكيف جذب قلوب كثيرين، وحفّت به مذاك أجنحة الملائكة.

* السيّد في النجف الأشرف
يسهب فضيلة الشيخ حسن ياسين، إمام مجمّع الإمام الباقر عليه السلام، في الحديث عن ذكريات النجف الأشرف، عن حال طلبة العلم الذين يذهبون ويلتحقون بطلب العلم ويخوضون عناء البحث عن أستاذ: "بعضنا كان يوفّق في إيجاد أستاذ ينسجم مع أسلوبه وفكره، وبعضنا لا، فيستغرق وقتاً ليجده. كنّا مجموعةً من طلبة لبنانيّين، لم ندرك في البداية أنّ التوفيق الإلهيّ أحاط بنا، وتجاوزنا كثيراً من الصعوبات، حقيقةً لا ندري كيف. الطلبة هناك كانوا يعانون الضيق والعسر والفقد والغربة، لكنّنا وفّقنا في الحصول على مسكن يجمعنا، وأستاذ مميّز هو سماحة سيّد شهداء المقاومة السيّد عبّاس الموسويّ، كما كنّا تحت رعاية مرجعيّة الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره والسيّد الحكيم قدس سره وغيرهما. ومن مصاديق التوفيق أيضاً الطاقة المعنويّة التي أحاطت بنا، فطالب العلم عادة يحصّل درساً أو درسين في اليوم فقط، أمّا مجموعتنا فكانت تحصّل أربعة أو خمسة دروس يوميّاً، ثمّ ننصرف للصلاة وتناول الطعام؛ لنقوى على مواصلة الدرس بطريقة المباحثة العلميّة، أي نعيّن أحدنا أستاذاً فيشرح بعض الدروس ويطرح الأسئلة علينا. فيظهر الكفوء والأقدر على هضم الدرس وتحليله وإعادة تركيبه. هنا، كان يبرز السيّد، إذ كان صاحب إدراك قويّ ومناقشة معمّقة، فيطرح أسئلة جريئة وجديدة ودقيقة، ويتمتّع بكثير من الفهم والإحاطة العلميّة بالنكات وبالتفاصيل".

يتابع: "لا أذكر بالتحديد أوّل لقاء جمعني به، ما أذكره أنّني سجّلت في دروس النجف للطلبة اللبنانيّين، وحين الدرس، اجتمعت هذه المجموعة المباركة: سماحة السيّد حسن، والشيخ المرحوم محمّد خاتون، والشيخ الشهيد علي كريم، وغيرهم. وكنّا أكثر من إخوة، تواصلت أرواحنا وتعانقت، نمضي نهارنا ومساءنا معاً، وأفراحنا وأحزاننا. وعشنا أيضاً أزمة الوضع الأمنيّ في زمن صدّام، وخشية النظام الصدّاميّ من توافد نسبة كبيرة من طلبة العلوم من الشباب اليافعين. كنّا مُرَاقبين بشدّة، إلى درجة أنّ أحد طلّاب العلم اللبنانيّين استشهد تحت التعذيب؛ لأنّ الجواسيس التقطوا له صورةً حينما زار منزل أحد المراجع. على الرغم من ذلك، كنّا نزور آية الله السيّد الخوئيّ قدس سره، ونتردّد كثيراً إلى منزل الشهيد الذي شغفنا بعشقه، آية الله السيّد الصدر قدس سره. وعندما نرى العيون المترقّبة لنا كأنّما سكينة الله قد نزعت الخوف من قلوبنا، كنّا ندخل ولا نبالي. هذه أجواء النجف التي عايشها سماحة السيّد وكلّ تلك المجموعة المباركة من المؤسّسين للمقاومة". يظهر الحنين في وجه من يتحدّث عن سماحة السيّد الشهيد، والعبرات المحبوسة.

أمّا المجال العلميّ الذي كان يجذب سماحته يقول الشيخ ياسين: "كلّ دروس الحوزة كان يهتمّ بها السيّد، والسبب أنّه كان يرى أنّ العلوم مرتبطة بمنظومة معيّنة، كان يهتمّ بكلّ مقدّمات العلوم الفقهيّة والمكاسب وفروعها، كذلك العقيدة والكلام، ثمّ الأخلاق والعلوم القرآنيّة، حتّى النظام الإسلاميّ وبنيته والسياسة والاقتصاد. وكان من توفيقات الله أنّ المجموعة تلك خرجت عن النظام التقليديّ في الدرس الحوزويّ، فتنوّعت هذه المواد التي حصّلناها ببركة تنوّع شخصيّة الأستاذ سماحة السيّد عبّاس الموسويّ قدس سره وغناها وعمقها، لقد طوى بنا في السنة الواحدة ما يحصّله غيرنا في خمس سنوات، من دون مبالغة".

هنا، يبرز سؤال: هل كان للسيّد أيّ تميّز ملحوظ حينها في تلك المجموعة؟

يجيب الشيخ حسن ياسين بابتسامة استدراك: "أولّاً، كنّا نلمس تميّزاً في تعامل السيّد عبّاس معه، وكطلبة علم، كنّا نفهم سبب هذا التمييز. ثانياً، كانت العادة الدارجة أن نذكر الاسم الأوّل للطالب واسم عائلته إذا أردنا أن نتحّدث عنه، إلّا السيّد، كان يكفي أن تقول: "السيّد حسن"، ليعرفه كلّ الطلبة من اللبنانيّين وغيرهم، على الرغم من أنّ كثيرين كانوا يحملون الاسم نفسه. لكن، عندما تذكر هذا الاسم مجرّداً عن الكنية، فأنت تقصد السيّد (رضوان الله عليه). هذا وكان لا يزال في بداية تحصيله العلميّ".

* حوزة بعلبك
يروي فضيلة الشيخ حسن ياسين قصّة التحاق هذه المجموعة بحوزة بعلبك: "بعد تصاعد التوتّرات الأمنيّة في العراق وتهديد حياة الطلبة اللبنانيّين، عدنا إلى لبنان العام 1977م، وتأسّست حوزة بعلبك في العام 1978م من دون توفّر أي مقوّمات، بل قامت بجهود أفراد قلّة من طلبة العلوم الذين شكّلوا فريق التدريس للطلبة الجدد. كنّا ندرس وندّرس في الوقت نفسه. وعلى الرغم من الإمكانات المتواضعة جدّاً، تابعنا جميعاً تحصيلنا العلميّ. بخصوص سماحة السيّد، فقد أُنيطت به بعض المهام، ومع ذلك، كان يدرس ويدرّس ويُظهر شدّة الالتزام بما يقوم به، ساعده في ذلك طاقته المفعمة، إذ كان تعبويّاً التحق بالمعسكرات التدريبيّة في البقاع. وربّما كثير من الناس لا يعلمون كيف أتقن السيّد اللغة الفارسيّة، ففي تلك الفترة، كنّا مجموعة اكتسبت اللغة من خلال المعسكرات، هكذا ببساطة، وبجهد شخصيّ محض، من دون أستاذ أو تدريب".

وعن تميّز سماحته، يذكر الشيخ: "ما زلت أحتفظ بسجلّ حوزة بعلبك الذي عندما تتصفّحونه، يظهر تميّز السيّد بوضوح، لأنّه يحتوي على درجات التحصيل الدراسيّ للطلبة كما للأساتذة، والسيّد كان في الحالتين بارزاً".

يبرز حنين الأخوّة والصداقة أكثر عندما يسرد الشيخ: "بقينا على هذا الحال من الملازمة الشديدة التي توّجت بالمصاهرة والنسب في ما بيننا، حتّى قرّر السيّد الشهيد أن يتابع شغفه بالعلم ويرحل إلى قمّ. ما زلت أحتفظ برسالته التي خطّها بيده وأرسلها إليّ يشكو شوقه بعد ذلك الفراق..."، يسكت الشيخ هنا، فلا كلام.

وماذا عن روحه اللطيفة المفعمة بحسّ النكتة التي عرفناها وهو قائد؟ كيف كانت شخصيّته وهو طالب وتعبويّ؟

ينظر الشيخ إلى صورة سماحته المثبّتة في مكتبه: "هذا ما يدفع الجميع إلى حبّه، سرعة بديهته ولطافته وحسّ الدعابة والنكتة، كان منضبطاً راقياً في مزاحه، يليّن به كلّ المواقف، وفي الوقت نفسه، إذا ألمح أحدنا إلى ذكرى مبهجة، كان يلتقطها السيّد بسرعة ويزيد الموقف فكاهةً من روحه اللطيفة التي أفتقدها كثيراً. بقيت هذه الروح اللطيفة المبهجة في جلساتنا، حتّى شهادته، لم تتغيّر".

ويتابع: "السيّد كان جوهرةً لامعة في الأخلاق، كان يهتم بأحوال الجميع ويسأل عنهم، حتّى بعد توليه منصب الأمين العام، فمنذ سنوات قليلة نقلت له، أنّ شيخاً من زملاء النجف كان مريضاً، ذلك الشيخ كان شريكه في السكن لبضعة أشهر فقط، وكنت أشكّ أن يتذكّره بعد كلّ هذه السنوات، لكنه فاجأني وطلب منّي أن أتواصل وأتفقّده، وعندما توفي الشيخ اتّصل سماحته بذويه معزّياً إيّاهم. إنسانيّته وأخلاقه كانت أجمل مزاياه".

* قمّ المقدّسة
يصعب أن تجد أحداً من رفاق سماحة السيّد بعد استشهاد ثلّة كبيرة منهم. أمّا الباقون، فبعضهم تكرّم بأن يشاركنا شيئاً منها، وبعضهم فضّل السكوت، والكلّ يعاني غصّة فقد الصديق والأخ، فرحلة العلم على صعوباتها واختباراتها وأفقها، قد تكون من أقوى الأواصر التي تربط بين القلوب.

عن هذا الجانب يتحدّث الشيخ مالك وهبي: "أوّل مرّة سمعت باسمه كان عمري اثني عشر عاماً، حيث كان والدي ووالد السيّد صديقين مقرّبين. يومها، عاد والدي من البازوريّة ونظر إليّ مليّاً، وقال لي: (خطب بنا فتى في عمرك، اعتلى المنبر، أدهشنا. لم أصدّق عمره، فهو لم يخطئ وقد تحدّث أفضل من أيّ خطيب سمعته في القرية). ما زلت أذكر نظرة والدي الشاردة، كان مأخوذاً بذلك الشابّ، ثمّ علمت أنّه ابن السيّد عبد الكريم. كان خطيباً يستحوذ على القلوب، بينما أنا أعيش عمر الصبا واللعب حينذاك. وبالمناسبة، ثمّة شخصان فقط ممّن عرفتهم وجدت فيهما الحسّ القياديّ وحمل همّ الأمّة منذ صغرهما، هما سماحة السيّد والحاج عماد مغنيّة، على الرغم من سيطرة الاتّجاه اليساريّ في معظم قرى جنوب لبنان آنذاك، وكان التديّن حالة غريبة عن واقعها، في تلك المرحلة حمل هذان الشخصان مشروعاً للأمّة من لا شيء".

ثمّ يروي الشيخ مالك للمجلّة كيف بدأت علاقة الصداقة بينه وبين سماحة السيّد: "كنت قد التقيته في قمّ عدّة لقاءات عابرة، لكنّ اللقاء المميّز كان في بعلبك في العام 1985م، لم أكن أعرف منزله فقصدتُ صديقاً ليدلّني، وفعلاً بعد المغرب ذهبنا إليه، ما زلتُ أذكر عندما فتح الباب كيف عانقني عناقاً طويلاً كأنّما نعرف بعضنا لسنوات طويلة، لا زلت أذكر ضحكته وابتسامته البشوشة ما دفعني للشعور بمستوى الحنان الذي يكنّه، وتجاذبنا أطراف الحديث في قضايا كثيرة، وحضر جاره الشيخ المرحوم علي خاتون الذي كان زميله في النجف أيضاً، وسهرنا معاً، بُهرت به، كان السيّد شابّاً طموحاً ذا ذكاء وقّاد، يمتلك مشروعاً كاملاً للهويّة الشيعيّة، شعرت أنّه بحر زاخر، وقد غرقت في حبّ ذلك البحر، وما زلت حتّى اليوم غارقاً في حبّه". مجدّداً، تُنهي بعض الدموع حديثاً لم يبدأ بعد.

وعلى سبيل النجاة من شرارات الفقد الموجعة، يروي الشيخ رحلة قمّ مع السيّد: "التحق السيّد بالحوزة العلميّة في قمّ مرّات عدّة، وبشكل متقطّع، حيث كان يعزم على مواصلة تحصيله، ثمّ حين تطرأ بعض القضايا في المقاومة يُضطرّ للعودة إلى بيروت. وما إن تنفرج الأمور، حتّى يقتنص لعلمه وقتاً خاصّاً ويعود إلى قمّ، فبدأت محاولاته للتحصيل العلميّ في قمّ منذ 1981م تقريباً، وأفضل المحاولات التي كاد أن يُكتب لها الاستمرار كانت في العام 1989م، ولم ينقضِ عامٌ على ذهابه حتّى اضطّر إلى العودة إلى لبنان، نتيجة إلحاح الإخوة في المقاومة".

وعن مستواه العلميّ، يقول الشيخ: "عندما قدم إلى قمّ 1981م كان مستواه التحصيليّ أعلى ممّن في سنّه، نظراً لشروعه المبكّر في التحصيل ولمؤهّلاته الخاصّة، فكان طالباً في السطوح العليا أو البحث الخارج. وفي أوّل حضوره، درّس الأصول - الحلقة الثانية، والشرائع أيضاً، وقد حضر درسه كلٌّ من الشهيد السيّد هاشم صفيّ الدين وابن عمّه السيّد يوسف، وأنا لأيام قليلة وتوقّفت عن الحضور لأسباب خاصّة.

في العام 1989م، التحق بدرس البحث الخارج عند السيّد محمود الشهروديّ، والسيّد كاظم الحائريّ، ودرس الأخلاق عند السيّد بهاء الديني، وأظنّ أنّ أستاذه في علم الرجال كان السيّد أحمد المدديّ، كما حضر دروس تفسير القرآن عند آية الله الشيخ جوادي الآمليّ، وأظنّ أنّه كان يقتنص شيئاً من وقته لدروس سماحة آية الله السيّد علي الخامنئيّ دام ظله حتّى شهادته المباركة". يتابع: "وأكثر من واكبه في تلك المرحلة هما الشهيدان السيّد هاشم صفيّ الدين والشيخ نبيل قاووق (رحمهما الله)".

وعن مميزات سماحة السيّد العلميّة: "كان يطوي من العلم كمّاً ونوعاً في سنة ما يحصّله غيره في ثلاث أو أربع سنوات، والشواهد كثيرة في مباحثاتنا ونقاشاتنا، ومستوى قدراته اللافت نقاشاً وتحليلاً، ولولا العوائق التي صادفته خلال دراسته الحوزويّة، لكان من المفترض أن يحوز درجة الاجتهاد". يتابع الشيخ مؤكّداً ذلك: "الشاهد أنّه عندما عاد إلى لبنان عام 1989م، كان من الجليّ لكلّ من عرفه من طلاب العلم في تلك المرحلة أنّه سيبلغ درجة الاجتهاد لو بقي ثلاث سنوات فقط، لولا العوائق...".

من الإخوة الذين اجتمعوا للدرس في قمّ: "الشهيد السيّد هاشم صفيّ الدين، والسيّد يوسف صفيّ الدين، الشيخ المرحوم مصطفى قصير، والشيخ علي دعموش وأنا، وكنّا نجري مباحثات علميّة ثابتة، وكان يبرز سماحة السيّد بغنى فكره الوافر، وعمق تحليله، لم يكن متعصّباً لأيّ فكرة، بل كان منفتحاً على كلّ الآراء، وكان يأنس بكلّ فكرة تُعرض بشكل منطقيّ واستدلاليّ".

لا يمكن المرور على تلك المرحلة من دون السؤال عن الصفة الأبرز التي كانت تميّزه بوصفه طالب علم، وهنا، يستلّ الشيخ وهبي إحدى الذكريات الحاضرة لديه، فيقول: "ليست ميزة بل ميزات، لكنّ إحداها تملّكتني إلى اليوم، وهي مرتبطة بحادثة. كنت معتاداً على زيارته في قمّ. يومها، كنت ضيفاً لديه بينما كان ولداه، السيّدان الشهيد هادي وجواد، طفلين كثيري الحركة، وأخذا يلعبان حولنا، وأنا أحبّ الهدوء. فانزعجت حينها وسألته: كيف تتحمّل كلّ هذا الضجيج والحركة؟ ابتسم وقال لي: (كنت في صغري انفعاليّاً كثير الغضب، وغضبي شديد جدّاً، لكنّي جاهدت نفسي منذ عمر الثانية عشرة للتخلّص منه)، الأمر الذي استوقفني كثيراً، فكيف خطر في باله جهاد النفس ولم تكن الساحة الإسلاميّة في لبنان تعرف هذه الأفكار بعد، الأمر الذي يدلّ على أنّ السيّد كان قارئاً باحثاً، اكتشف ما لم يكتشفه الأكبر منه والأقدم في العمل الإسلاميّ".

ويذكر شاهداً خاصّاً على تميّز سماحة السيّد: "كيف لا نرى تميّزه وسماحة الإمام الخمينيّ قدس سره نفسه قد رأى ذلك بمجرّد النظر إليه؟!". يذكر القصّة التي رواها السيّد نفسه على قناة الميادين: "كان يتابع عمله في طهران، وإذ يتبلّغ بموعد لقاء مع الإمام الخمينيّ قدس سره، عندما وصل، طُلب منه الدخول إلى غرفة خاصّة. يقول سماحة السيّد: (دخلت الغرفة لأتفاجأ بالإمام الخمينيّ قدس سره جالساً أمامي، فالتفت يميناً ويساراً لأتحقّق من نوعيّة الحضور، فلم أجد أحداً، فتسمّرت مكاني والأسئلة لا تراوح بالي: لماذا أقف وحيداً أمامه وكنت قد اعتدت زيارته مع الآخرين؟ وبدأت أشعر بالإرباك، ابتسم الإمام قدس سره وبدأ يجاذبني أطراف الحديث ليهدّئ من روعي، ورويداً تمالكت نفسي، وخضنا في حديث آخر)". يتابع الشيخ مالك: "لم أسأله يومها عن سبب اللقاء والحديث الخاصّ، لكنّ الإمام قدس سره البصير ميّزه بلا شكّ وأبصر فيه شيئاً خاصّاً".

تميّزت تلك الفترة بأن تسلّم سماحة السيّد مهاماً حسّاسة ودقيقة في المقاومة، يُطرح سؤال عن سبب إصراره على متابعة تحصيله العلميّ! هنا، يشوب صوت الشيخ أنينٌ، ليبوح بسرّ: "ربّما لا يعرف كثيرون أنّ لسماحة السيّد أمنيّة خاصّة، كان يحمل مشروعاً للطائفة، وكان يطمح لأن يصل إلى درجة الاجتهاد. لطالما عبّر أمامي عن هذه الأمنية في قمّ وفي لبنان. كان يرى ضرورة أن يحظى كلّ علمائنا في هذا الزمن بدرجة عالية من فهم الدين وخصائص الزمن، وهذا يتحقّق بالاجتهاد، إضافة إلى شغفه الخاصّ بالعلم. السيّد كان يمتلك قدرات استيعاب وإحاطة واكتشاف وتحليل هائلة، ولهذا، ربما قيّض الله له مسؤوليّة القيادة التي عبرت بنا من التحرير إلى انتصارات ضخمة، مع قدرته على التأثير وتربية أجيال تناديه بالأب الروحيّ. حتى عندما استقرّ في لبنان، لم يترك المتابعة العلميّة، قبل تعيينه أميناً عاماً وبعد ذلك، فكان يعقد جلسات علميّة كلّما تسنّى له ذلك، يعدّها أولويةً، ساعده على ذلك نهمه الشديد للمطالعة، حيث بمقدوره أن يقرأ كتاباً يحتوي مئتي صفحة في ليلة واحدة، قراءة واعيةً مع تسجيل ملاحظاته. كذلك، كلّ مشروع يريد طرحه، كان يبحث أوّلاً في جوانبه الشرعيّة والفكريّة والسياسيّة قبل أن يطلب تنفيذه". ويتابع بحزن: "بعد سنوات طويلة، صرّح السيّد لي: (أرأيت يا شيخ؟ راحت علينا قصّة الاجتهاد، وربّما لم يُرِد الله لي ذلك لحكمة، فلو حزت هذه الدرجة لكان لي بعض المقلّدين، في حين ينبغي أن يرتبط الجميع بمرجعيّة سماحة السيّد الخامنئيّ دام ظله، فهو الأصل وأنا تلميذه فقط؛ لذلك، لا أجد ضيراً في ذلك بل العكس)".

وعن حبّه للناس، يقول الشيخ وهبي: "سألته ذات مرة على ماذا تعتمد عندما تعدنا بالنصر دائماً؟ فأجابني: اعتمد على الله، وعلى شبابنا المجاهدين وجمهورنا الوفي أشرف الناس".

يصعب كثيراً الانسحاب من لقاء موضوعه سماحة السيّد، ويصعب طرح الأسئلة على قلوب أنهكها الشوق والفقد، يختمون حديثهم: لو أُتيح لنا أن نهمس له اليوم، لسألناه: لماذا رحلت وتركتنا؟ إلّا أنّ لله حكمةً في شؤون خلقه، وقد ذهب الحبيب في سبيل الله، والشوق الحارق يرتفع مع الصلوات: هوّن ما نزل بنا أنّه بعينك يا الله.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع