حوار: الشيخ حسين شمس الدين
"العلاقة التي جمعتني بسماحة السيّد لم تكن مجرّد علاقة شخصيّة أو تنظيميّة، بل كانت وجدانيّة روحيّة. وربّما لأوّل مرّة أقول هذا: لم أخاطب سماحته يوماً بعبارات مثل "أخونا الكبير" أو "أستاذنا"، بل كنت أكرّر في كلّ لقاء، حتّى آخر لقاء معه، وأفتتح حديثي بقول: أنا التراب الذي تحت قدميك".
هو حوار خاصّ مع سماحة السيّد هاشم الحيدريّ، أحد أعلام محور المقاومة، للوقوف على محطّات جمعته بالسيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، واستكشاف وصاياه ورؤاه التي قد تنير درب الجيل الجديد، في ظل التحدّيات الفكريّة والثقافيّة الراهنة.
1. أوّل تعرّفكم إلى سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وأوّل لقاء جمعكما، ما الذي ميّز ذلك اللقاء وجعل آثاره الوجدانيّة والشخصيّة حاضرة في ذاكرتكم حتّى اليوم؟
كانت معرفتي بسماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) يوم انتخابه أميناً عامّاً لحزب الله، أثناء تشييع الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه)، بحيث شاهدت خطابه الأوّل على تلفاز صغير بالأبيض والأسود في مدينة قمّ المقدّسة. كان حينها شابّاً، وخطابه ترك أثراً عميقاً في وجداني. في التسعينيّات، بدأ يسطع نجمه كقائد شابّ، خطيب ثوريّ، مقاوم صلب، وشخصيّة خمينيّة بكلّ معنى الكلمة، وكان حضوره محبّباً ومؤثّراً في جيل الشباب، وشعرت أنّني قطرة في بحر هذا الوهج الكبير. أمّا أوّل لقاء مباشر معه، فكان في العام 2009م (وربّما 2008م)، بعد حرب تمّوز، وقد رتّب له بعض الإخوة الفضلاء، بينهم أحد العلماء المعروفين بعلاقته الوثيقة به. رافقني بعض الإخوة إلى اللقاء، واستمعنا لخطابه في الطريق على الرغم من الصعوبات الأمنيّة. وحين وصلنا، انتظرنا حتّى استراح، ثمّ التقيناه، وكان اللقاء مليئاً بالمشاعر: فرح، رهبة، إعجاب، وشكر لله على هذه النعمة.
بدأ سماحته اللقاء بأسلوبه المعروف: هادئ، مطمئن، يصغي بإتقان، ويخفّف عنك رهبة اللحظة بحضوره الأبويّ. ومذاك، وعلى مدى خمس عشرة أو ستّ عشرة سنة، تعمّقت علاقتي به، فصرت بفضل الله في خدمته وأشارك في لقاءاته. كانت لقاءاتنا طويلة ومكثّفة، تمتدّ لخمس أو ستّ ساعات، وأحياناً ثماني ساعات، معظمها ليليّة، ولم ألتقه نهاراً إلّا مرّة واحدة. كنت قد التقيت بالكثير من العلماء والقادة والشخصيّات، لكنّ الانطباع عن سماحته يزداد عمقاً كلّما اقتربت منه، وهذا ما يشهد به كثيرون. كان حين يجلس معك يمنحك نفسه بالكامل، وكأنّ لا شيء يشغله سواك، وهذه من صفات الكرماء، وقد فتح لي هذا الباب حتّى لحظة استشهاده (رضوان الله عليه).
2. الولاية، كيف كان السيّد الشهيد مؤثرّاً في مسار تبيان هذه القضيّة؟
كان سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) يؤمن، مثلنا، أنّ الارتباط بالهويّة الدينيّة يتجاوز الحدود الجغرافية، ويعدّ امتداداً طبيعيّاً لخطّ الإسلام الأصيل، خطّ الولاية الذي يجمع كلّ الأمّة. وكان، بعد سماحة الإمام الخامنئيّ دام ظله، قائدي في المعنى الكامل للكلمة، والأقرب إليّ من حيث الرؤية الولائيّة. من أولى المسائل التي أكّدها مسألة "الجهر بالولاية"، فكان يشجّعني، بل يرسم لي هذا الطريق، على الرغم ممّا كان يثيره بعضهم من استغراب لتكراري لهذا الأمر في خطاباتي. ومع أنّ إيماني بالولاية كان سابقاً لعلاقتي به، إلّا أنّ سماحته مثّل لي الامتداد العمليّ والروحيّ لهذا النهج. لقد وجّهني بدقّة حتّى في التفاصيل الصغيرة، وطلب منّي التوقّف عن البرامج التفسيريّة والدينيّة، وقال: "أريدك أن تخطب بطريقة تشبهني"؛ خطاب ثوريّ، ولائيّ، سياسيّ، نابض بروح المقاومة، وشرح لي رؤيته بالتفصيل، وحدّد طبيعة الخطاب: "ثلث للمعارف، والباقي للسياسة، والولاية، وقضايا الأمّة".
منذ العام 2012م، بدأت مرحلة تصاعديّة في التوجيهات الولائيّة التي تلقّيتها منه، وكان يؤكّد أنّ دوريَ لا يقتصر على العراق، بل يشمل المشروع الأوسع للخطّ الولائيّ. كان يقول لي: "في خطاب الولاية ثمّة نقص في التبيين، خاصّة في العالم العربيّ، وأنت لديك مساحة لا تقيّدك مثلما تقيّدني الظروف"، ويكرّر: "هذا تكليفك". وكان يقول لي بعبارات مؤثّرة: "ربّما تُقتل على هذا الطريق... واصل الجهر بالولاية"، وهي جملة لا تزال تسكن قلبي ووجداني. خلال الأعوام 2011م و2012م و2013م، حمّلني تكاليف مباشرة، وكان يتابعني عن قرب، ويعلّق على البرامج والمقاطع التي أقدّمها، على الرغم من انشغالاته الكبرى، وكان يقول لي: "أنا أتابع"، ويوجّه بدقّة حتّى أدقّ التفاصيل. ومنذ لقائي الأوّل به وحتّى استشهاده، بل حتّى اليوم، ظلّ همّي الأكبر الالتزام الكامل بتوجيهاته، لا سيّما أنّ الخطاب الذي طلبه لم يكن سهلاً في سياق العراق وظروفه، في ظلّ الاحتلال الأميركيّ والحرب الناعمة ضدّ الولاية والجمهوريّة الإسلاميّة.
وكذلك في لحظات استشهاد القادة الكبار أو وسط الزلازل السياسيّة والأمنيّة، كان سماحة السيّد يستقبلك بذات الصفاء والسكينة، لا يشغله عنك شيء، وهي سمة من سمات القيادة الرساليّة العميقة. وفي الملفّات التي كُلّفت بها في العراق أو في جبهات أخرى، كان يتعامل معي بالمنهج نفسه؛ فعند وقوع أحداث جديدة، كان يتّصل أو يطلب اللقاء ويوجّه بما تقتضيه المصلحة. أذكر حادثة بعينها في إحدى المناطق، فرأى أنّ من المصلحة أن لا يتحدّث هو بشأنها، فقال لي بوضوح: "أنا لا أستطيع أن أتكلّم، لا يوجد مصلحة، فأريدك أنت أن تتولّى ذلك". كانت رؤيته واضحة في أن لا ينغلق في بيئته، لأنّ خطاب المقاومة إسلاميّ عالميّ، ويجب أن يكون حاضناً للجميع، وهي سمة جوهريّة في قيادته.
3. ما أكثر صفة كانت تلفتكم في شخصيّة سماحته؟
أبرز ما لفتني في شخصيّته، وكان نادراً جدّاً حتّى بين القادة الكبار، هو استماعه العجيب؛ كان مستمعاً مذهلاً، يصغي إليك بكليّته، لا يقاطعك، لا ينشغل عنك، لا ينظر في ساعته، ولا يقطع نظراته عنك، كأنّما أنت وحدك في هذا العالم. أحياناً، كنت أعرض عليه أحداثاً مضى عليها شهور، فيستمرّ الحديث لخمسين دقيقة أو ساعة من دون أن يصرف بصره، إلّا عندما أقول كلمة بلهجة عراقيّة محلّيّة فيسأل عن معناها بدقّة، وحتّى حين يكتب ملاحظة يسرع في كتابتها ليعود بكامل تركيزه إليك. أذكر مرّة أنّي طرحت عليه مسألة فأبدى رأياً، وبعد شهرين أو ثلاثة طرحت الموضوع نفسه، وقد تغيّرت المعطيات، فكانت إجابته مختلفة، فاستغرب أحد الإخوة الحاضرين قائلاً: "سيّدنا، هذا الموقف مختلف 180 درجة!"، فابتسم سماحته وقال: "نعم، مختلف، لأنّ المعطيات اختلفت". كان يعلم متى يثبت ومتى يتحرّك، ومتى يكون الموقف مبدأً ومتى يكون ظرفاً، وهي من صفات القيادة النادرة. كذلك كانت ذاكرته قويّة بشكل لافت؛ يستحضر كلمات أو مواقف قلتها له قبل سنوات، على الرغم مِن كثرة مَن يلتقي بهم وتعدّد الملفّات، فيقول لي مثلاً: "أنا قلت لك هذه الكلمة سابقاً"، أو "تذكّر تلك المسألة التي تحدّثنا عنها في وقت كذا"، ما يدلّ على دقّة متابعته واهتمامه بالتفاصيل على الرغم من مشاغله الكثيرة.
4. ما المعالم الفكريّة الأساسيّة التي تميّز بها والتي يمكن تقديمها كمرجعيّة فكريّة في شخص سماحته؟
أوّل ما يلفت النظر في سماحة السيّد الشهيد (رضوان الله عليه)، من حيث البُعد الفكريّ، هو ذكاؤه الحادّ، بل نبوغه الذي لم يظهر بالشكل الكامل بسبب الضغوط والمسؤوليّات الجسام التي كانت على عاتقه. كان قارئاً نهماً بشكل استثنائيّ، يتعمّق في المطالعة حتّى في أوقات المرض، بحيث يُنهي كتباً كاملة على الرغم من ظروفه الصحيّة. تميّز بثقافة موسوعيّة، فإلى جانب الفقه والأصول والتفسير، انفتح على الحقول الفكريّة والسياسيّة والاستراتيجيّة المختلفة، مستلهماً من فكر الإمام الخمينيّ قدس سره، وتجربة الإمام موسى الصدر (أعاده الله ورفيقَيه)، والشهيد السيّد عبّاس الموسويّ والشيخ راغب حرب (رضوان الله عليهما). شخصيّته الفكريّة لم تكن جامدة بل متجدّدة، تجمع بين العقيدة والسياسة، والفكرة والحركة، ما منحها شموليّة وعمقاً نادرَين، خاصّة مع تصاعد دوره الإقليميّ والدوليّ. كان من القلائل الذين يجمعون بين النظرة الشاملة والمعالجة الدقيقة، ويتعامل مع القضايا بعمق، يتوقّف عند كلّ كلمة، ويطلب الدقّة والمبنى، ما يجعل النقاش معه يتطلّب استعداداً وجديّة. ومع ذلك، كان إذا تحدّث يفعل ذلك بتواضع كبير، ويبسّط المعاني بلطف، وهي صفة نادرة.
ومن المؤسف أنّ موقعه كأمين عام وسيّد للمقاومة حرمه من تقديم فكره الغزير لجمهور أوسع. لم يكن لديه متّسع من الوقت لإعطاء الدروس أو المحاضرات، على الرغم من كثافة مطالعته. وقد طلب منه بعض العلماء الكبار البدء بمشروع تفسير قرآنيّ يوميّ صباحيّ عبر الإنترنت، وقال أحد العلماء الكبار: "أنا وحدي أضمن ألفَي طالب يتابعونه يوميّاً"، لكنّه –على الرغم من إبلاغي له بهذا– كان يرى صعوبة الأمر لانشغالاته. كان خجولاً أمام الحوزات، يعتذر غالباً عن المشاركة في مؤتمراتها، وقال لي مرّة: "أنا أخجل أمام العلماء والمراجع". احترم الحوزة والعلماء احتراماً بالغاً، لدرجة شعوره بالتقصير تجاههم. أمّا إذا طلب منه الإمام الخامنئيّ دام ظله أيّ شيء، كان يعدّه واجباً دينيّاً وأخلاقيّاً لا يمكن التراجع عنه. وقد قال السيّد الشهيد ممازحاً عن أحد العلماء الذي اقترح عليه أمراً أمام السيّد القائد: "هو يعرف نقطة ضعفي"، فأجابه الإمام: "جيّد جيّد، هذا أمر مطلوب".
5. هل كان توسّع دور السيّد حسن نصر الله من قيادة محليّة إلى إقليميّة نتيجة ضرورات سياسيّة، أم امتداداً طبيعيّاً لرؤية دينيّة وفكريّة؟
المقاومة، في جوهرها، مبدأ ومفهوم إسلاميّ أصيل، كانت تُعرف بالجهاد، وترتكز على مواجهة الظالمين والنهي عن المنكر، كما جاء في الآيتين: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ (هود: 113) و﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (طه: 24). هذه المفاهيم القرآنيّة والروائيّة تشكّل أصلاً من أصول الإسلام، وتحقيق العدل الإلهيّ لا يتمّ بوجود الظالمين. إنّ قيام الإمام الخمينيّ قدس سره بثورته المباركة، واستلهامه ذلك من حركة الإمام الحسين عليه السلام وسيَر الأنبياء، يؤكّد أنّ مقاومة الظلم واجب دينيّ. أمّا تأسيس حزب الله، فجاء كردّ فعل مشروع على الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين ولبنان، والوجود الأميركيّ في العراق وسوريا، ولم يكن السلاح هدفاً، بل ضرورة فرضها الواقع. المقاومة ليست فعلاً عشوائيّاً، بل تستند إلى قيم قرآنيّة راسخة. وقد عبّر بعض العلماء عن جوهر المقاومة بربطها بـ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ (الفاتحة: 7) و﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (القصص: 17). وكان سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) من المؤسّسين لمفهوم المقاومة كعنوان شرعيّ وسياسيّ وميدانيّ متكامل. وقرارات كدخول سوريا، ودعم طوفان الأقصى، والتدخّل في العراق بعد سقوط الموصل، لم تكن عشوائيّة، بل نابعة من مبادئ واضحة، كما تجلّى ذلك في تجربتي معه، خصوصاً بعدما ألقى خطاباً حماسيّاً في مجمع سيّد الشهداء عن اليمن قال فيه: "إن لم يكن شعب اليمن من العرب، فمن العرب؟"، على الرغم من التحذيرات التي وُجّهت إليه بإيقاف بثّ قناة المنار إن توجّه بذاك الخطاب، فردّ: "افعلوا ما شئتم"، وبالفعل، قُطع البثّ لاحقاً عبر بعض الأقمار الصناعيّة، ما يدلّ على التأثير الكبير لهذا الخطاب.
شخصيّة السيّد حسن نصر الله تتميّز بالشجاعة المصحوبة بالحكمة، ما جعله قائداً فريداً في محور المقاومة. لكنّه لم يكن مجرّد قائد ميدانيّ أو سياسيّ، بل مفكّر المقاومة ومؤسّس أيديولوجيّتها. لم يرَ المقاومة كردّ فعل أو تكتيك، بل كمبدأ راسخ من تعاليم الإسلام والقرآن وسيرة الأنبياء، خاصّة نهضة الإمام الحسين عليه السلام. وقد ميّز رؤيته بمصطلح "محور المقاومة" بدل "جبهة المقاومة"، لإبراز شموليّتها الدينيّة والقوميّة والإقليميّة، ما يعكس وعيه بأهميّة توسيع الإطار الفكريّ والسياسيّ لمواجهة الاحتلال والظلم في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن.
6. لماذا حملت المقاومة السلاح؟ ولماذا انكفأت في مواقف معيّنة؟ ولماذا تحرّكت في ساحات أخرى؟
لم تحمل المقاومة السلاح، أو تصمت في مواقف، أو تتحرّك في ساحات أخرى مثل سوريا واليمن والعراق تبعاً للظروف أو الحوادث العابرة، بل انطلقت من حسابات عميقة ومدروسة، قائمة على مبادئ وقيم ثابتة، وفهم دقيق للمصلحة الوطنيّة والإسلاميّة. كلّ قرار اتُّخِذ كان مبنيّاً على دراسة متأنّية للأبعاد السياسيّة والعقائديّة، وهو ما يفسّر التناغم الكبير بين أدوار المقاومة عبر السنين. فالمقاومة التي يقودها السيّد حسن نصر الله ليست وليدة لحظة، بل امتداد لمبادئ الإسلام الخالدة، ورسالة الأنبياء الذين جابهوا الظلم والطغيان، من إبراهيم وموسىL، إلى ثورة الإمام الحسين عليه السلام، التي شكّلت نموذجاً خالداً للمقاومة، ما منح حزب الله ومحور المقاومة بُعداً أخلاقيّاً وروحيّاً متفرّداً.
ويمتاز سماحة السيّد بموهبة فريدة في الجمع بين تبسيط الخطاب وتأصيله، إذ يخاطب الجماهير بلغة مفهومة، ويغوص في عمق النصوص والآيات والروايات، ما جعل فكره يصل إلى فئات واسعة من الشباب والعامة، ويجعلهم يشعرون أنّ المقاومة ليست شعارات بل قضيّة حياة وكرامة وقيم. وهذا التوازن بين العمق الفكريّ والبساطة في الخطاب، جعله شخصيّة فريدة، قادرة على التواصل مع العلماء والمفكّرين والشباب، وقد ترك أثراً كبيراً في محاور المقاومة كافّة.
7. كيف أمكن توحيد ساحات متمايزة كالعراق ولبنان، مع الحفاظ على خصوصيّاتها؟ وكيف نجح سماحة السيّد في ترسيخ هذا المفهوم وشرحه بوضوح؟
المنشأ الأوّل لوحدة الساحات هو الإسلام، وهذا ما يجسّده سماحة السيّد حسن نصر الله من خلال ارتباطه الشرعيّ الواضح، لا العاطفيّ أو الشخصيّ، بما يتجاوز الخلافات والمناطق. هذا الارتباط ينبع من ولاية الفقيه، التي تمثّل نيابة الإمام المعصوم وقيادة المسلمين، وهي نظرة يحملها السيّد بعمق، ويرى فيها الحدّ الأدنى في النظر إلى الولاية. من هنا، نشأ حزب الله بفتوى ولائيّة متينة في العام 1982م، عندما توجّه تسعة أشخاص إلى الإمام الخمينيّ قدس سره، فحصلوا على الشرعيّة للقتال. فالبنية التحتيّة لحزب الله ولسماحة السيّد تقوم على ولاية الفقيه، والساحات المختلفة (لبنان، العراق، اليمن) وهي تعبّر عن تكاليف شرعيّة متمايزة ضمن وحدة العقيدة والتوجّه. كما أنّ ارتباط السيّد بالمقاومين ضدّ أميركا و"إسرائيل" في أماكن مثل فنزويلا وأفريقيا والعالم العربيّ يعكس بُعداً آخر لوحدة الساحات، منطلقاً من أنّ العدوّ مشترك.
وقد تمكّن السيّد أن يستوعب هذا التنوّع بفضل لغته العربيّة وقدرته على التواصل، فمثّل صوت المقاومة الجامعة. وكان خطابه، أحياناً، "خطاب مقاومة" لا "إسلاميّاً صرفاً"؛ لأنّه يُدرك أنّ واقع الساحات يفرض هذا. أمّا أنا، فرغم أنّي لست عضواً في حزب الله، إلّا أنّ ارتباطي بسماحة السيّد هو ارتباط شرعيّ وولائيّ يقوم على الالتزام ببناء المقاومة والوطن. وقد رأيت مدى حرصه على ترسيخ مفهوم الولاية، وتوضيح العلاقة مع الإمام الخامنئيّ دام ظله، من خلال لقاءات طويلة ناقش فيها أخطاء وتحليلات وتصويبات، مؤكّداً أنّ الولاية هي المرجعيّة الدينيّة والسياسيّة الثابتة.
8. كيف تقيّمون شخصيّة السيّد حسن نصر الله الولائيّة في ضوء ولاية الفقيه وتجلّيها المعاصر في الإمام الخامنئيّ دام ظله؟
بحسب شهادتي المتواضعة، لم أرَ بين كبار العلماء والقيادات في إيران أو في جبهة المقاومة من يمتلك ولاءً وذوباناً وفناءً في سبيل القضيّة، كما هو حال سماحة السيّد حسن نصر الله الذي يدعو للولاية بوضوح. وهو يرى ولاية الفقيه جزءاً من عمليّة التمهيد للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويتعامل معها كطاعة مبنيّة حتّى على الاحتمال. هو لا ينتظر ما "يحتمله القائد"، بل يقول: "الاحتمال عندي مُنجِّز"، ويعدّ ذلك واجباً شرعيّاً.
سماحة السيّد متخصّص جدّاً في قضيّة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومتعمّق فيها، وكان يتحدّث بذلك في محاضرات شهر المحرّم وعبر لقاءات خاصّة. أمّا سقف السيّد في الاعتقاد، فهو أعلى من مجرّد النظر إلى الوليّ الفقيه كقائد لجبهة المقاومة أو للأمّة، بل يربط الذوبان في الوليّ بطريق مضمون لنصرة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويقول بوضوح: "تعال آمن، تعال اعشق، تعال أطع، حينها أنت مضمون عندي".
9. ما رسالتكم للشباب ولكلّ من يسير في طريق المقاومة بعد شهادة سماحة السيّد؟
في إحدى الاستشارات، توسّلت باللّه أمام سماحة السيّد، فاستجاب بردّ أشبه بتفاعل قرآنيّ، مستحضراً الآية: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (النّور: 37). هو كثير الذكر للموت، من مدرسة "أكثروا ذكر هادم اللذّات"، وقد أخبرني أنّه حتّى لو صرخ مليون شخص "لبيك يا نصر الله" أو "الموت لنصر الله"، فلن يغيّر فيه شيئاً لأنّ ارتباطه ليس بهذا العالم. كان حاضراً معنا جسداً، لكنّه شهيد قبل استشهاده.
في آخر لقاء لي معه، نصحني بنصيحتين: "الإخلاص لله"، و"البكاء والتوسّل، فالدموع تفتح البركات". كان عبداً بكلّ ما تعني الكلمة، كثير السجود، طويل الصلاة، دائم التوسّل، يذكر الموت باستمرار. كان قدوة روحيّة، تحدّث عن العرفان علناً منذ التسعينيّات، ومثّل بعد الإمام الخامنئيّ دام ظله قدوةً في الإيمان والسلوك. لم يكن صالحاً في الخفاء فقط، بل علناً في خطبه وسلوكه، بثقة كبيرة في الشباب ورغبة صادقة بالإصلاح. بعد كلّ ما تقدّم، رسالتي إلى الجميع: فلنقتدِ بهذا القائد العظيم.