مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى* نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة* فقه الولي | من أحكام الصوم الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد

آخر الكلام | عابدُ بغداد والحافي

نهى عبد الله

 

أيقظَ ليلَ بغدادَ بسهراتهِ الصّاخبةِ، وكعادتهِم، حضرَ ضيوفُهُ ليُغدِقَ عليهم بالطّعامِ والشّراب، وتعالتِ الضّحكاتُ وأصواتُ المُغنّياتِ والمعازفِ من منزلِه.
جالَ الوجيهُ بنظرِه على ضيوفِه، وهو متمدّدٌ بتراخٍ في مجلسِه بينهم، يُحدّث نفسه: جمعتُ كلّ الملذّاتِ حولي، جمعتُ كلّ التّجّارِ والوجهاءِ، أفعلُ ما يحلو لي، فَلِمَ أشعر بالخواء والكدر؟ أهذه هي السّعادة؟ تعساً!
نظرَ في كأسِه الخاويةِ بيدِه، صاحَ بجاريتِه لتسكبَ له ما يُخدّر عقلَه، ذلك الشّرابُ الّذي صارَ ملاذَه الوحيدَ لإخراس الأسئلةِ المُزعجة. لم تحضرِ الجاريةُ، صاحَ بأعلى صوتِه منادياً إيّاها، ازدادَ غيظُهُ لتأخّرِها، فأفكارُه تتسلّلُ لتسلبَه الرّاحةَ كلّما استفاق، إنّه كابوسُ اللّيل؛ حيث بدت ضحكاتُ اللّاهينَ حولَه أكثرَ استفزازاً، وصوتُ المعازفِ يهدرُ في رأسِه بلا هوادة.
حضرتِ الجاريةُ معتذرةً: سيّدي، عندما خرجتُ لرمي بقايا الطّعام، رأيتُ رجلاً تبدو عليه ملامحُ الوقارِ والهيبةِ وهو في طريقِه إلى المسجدِ لصلاةِ الفجر، وقف فجأةً وطرحَ عليّ سؤالاً: هل سيّدُك حرٌّ أم عبد؟ دُهِشتُ، فالأسيادُ كلّهم أحرارٌ لا عبيدَ مثلَنا. لم يفهمْ مبتغى العابد، حتّى استدركت: عبارته حيّرتني، إذ قال: «صدقتِ، لو كان سيّدُك عبداً لأطاعَ مولاه».
وإذ بصعقة أصابته بعمق، ما عادَ يسمعُ صخبَ من حولِه، تذكّر لحظاتِ ضيقِه ولجوءَه إلى مولاه، اللّحظات القليلة الّتي سرعانَ ما نسيَها لكثرةِ انفراجاتِ حياتِه. استيقظَ في داخلِه عطشٌ قديمٌ، لا ترويه ملذّات الدّنيا كلّها. طلبَ من الجاريةِ أن تدلَّهُ على الاتّجاهِ الّذي سارَ فيه العابد، لم يكن يعرف طريق المسجد، ولا إجابات أسئلته، ولكن للمرّة الأولى، أخذ يعدوه حافياً بنهمٍ، خلفَ منقذِه؛ الإمامِ موسى بن جعفر عليه السلام، مواجهاً أسئلته لا هارباً منها(1).

1. قصّة بشر الحافي وجيه بغداد الّذي تاب على يد الإمام الكاظم عليه السلام.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع