مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

شهيد الدفاع عن المقدّسات علي الهادي أحمد حسين (جهاد)

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: إيمان الموسوي.
محل الولادة وتاريخها: جبشيت 6/3/1999م.
الوضع العائليّ: عازب.
محلّ الاستشهاد وتاريخه: خان طومان 16/6/2016م.


رغم حداثة سنّه، وبإصرارٍ شديد، راح يبحثُ عن فرصة ليلتحق بالجهاد في جبهة سوريا. وزادَ إصراره في شهر رمضان المبارك. فأيّ شيء كان يبتغيه هذا الشابُّ من ذلك السفر؟

* تمّ الأمر
لم تمنعه القوانين ولا الإجراءات، فنداء الشهادة في قلبه كان أقوى من أيّ صوت، وراح يتنقّل بين والديه ليقنعهما بالسماح له بالمشاركة. وذات عشية، عرف أنّ مجموعة من المجاهدين المتوجّهين إلى حلب في سوريا تحتاجُ إلى مسعفٍ، فذهب إلى والده وأخبره بذلك وقال وهو يضرب على صدره بحماسة: «والمسعف موجود»، وبريق عينيه يسطع بنور سعادة المنتصر. ربّما كانت تلك من أكثر اللحظات التي شعر فيها بأهميّة اختصاصه في التمريض، فوافق والداه بعد أن أكّد لهما أنّ غيابه لن يؤثّر على دراسته للعلوم التمريضيّة في مستشفى الشيخ راغب، وحجز بذلك مكاناً له في الإسعاف الحربيّ.

* رسالة رجاء
تلألأت عيناهُ كفوانيس شهر رمضان المعلّقة على طول الطريق الذي مشاهُ وهو يحمل حقيبته على ظهره، وقدماهُ تكادان لا تلامسان الأرض من شدّة الفرح، فهو ذاهب إلى كربلائه في شهر ضيافة الله، وذلك كان بحدّ ذاته توفيقاً لافتاً، أوَليس هذا ما تمنّاهُ؟ أوَليست الحقيبة المتدلّية على ظهره أقصى أمنياته، بعد أن كان يرى بعض رفاقه الذين يكبرونه سنّاً يتسابقون إلى ساحات الجهاد، ومنهم من استشهد، فيما هو سجين تاريخ الولادة؟!

لم يكن علي الهادي شاباً يافعاً أغرتهُ الجبهة، أو استهوته الصور الفوتوغرافيّة وهو يحمل السلاح بالقرب من الآليّات العسكريّة، ولا فكرة البطل، بل هو عاشق ذاب في حبّ محبوبه، وشابٌّ خاطَبَ سيّدته العقيلة زينب  عليها السلام بكلماتٍ كتبها قبل سنتين من استشهاده، وهو يشكو همّه إليها ويودع عندها الأماني والأحلام ويعقد عهده لها باستشهاده دفاعاً عن مقامها/مرقدها في سبيل الله. مهر تلك الرسالة بتوقيع «ذو الفقار المستقبليّ»، متوسلاً بسيّدة نساء العالمين لقضاء حاجته تلك، خاتماً رسالته للسيّدة زينب برجاء أن تنتظره في الجنّة، مع أمّها فاطمة عليهما السلام وجدّها النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

* الشهيد كفاح: الشرارة الأولى
كان علي الهادي، وهو بكر والديه، فتى يضجّ بالحيويّة والنشاط، تراهُ يركضُ مع أخيه الذي يصغره بسنتين في أزقّة بلدة جبشيت حيث تربّى حتّى سنّ الحادية عشرة من عمره، يلعبان كرة القدم في ملعبها، ويعود إلى المنزل ووجهه ملطّخ بالعرق والوحل، ولا يعني كثرة الركض أو اللعب على الدرّاجة الهوائيّة أنّ التعب سينال منه، لا، بل كان دائم الخشية أن يفوته شيء إذا ما أغمض عينيه.

ولكنّ ذلك اللعب المفعم بالسعادة، لم يغيّبه عن مجريات الأحداث ومحاولة فهم كيف تجري الأمور. وقد تكون حرب تمّوز 2006م هي أوّل تساؤل دار في خلده الصغير؛ لأنّها أوّل حرب يشهدها. ومع كلّ الدمار والتهجير والشهداء، كان استشهاد زوج عمّته الشهيد كفاح شرارة مؤثّراً فيه، ومعه بدأت تلوح في قلبه علاقة خاصّة بينه وبين الشهداء، خصوصاً وأنّه من بيت مجاهد، فكان لا بدّ من أن يتناهى إلى سمعه الكثير من حكايات الجهاد، التي غذّت مخيّلته، وأيقظتْ في نفسه رغبة الانتماء الواعي إلى هذه المسيرة.

* الشهيد كرار: الشرارة الثانية
عندما كان علي الهادي طفلاً صغيراً، كان يمسك بيد والده ويرافقه إلى مسجد جبشيت لأداء الصلاة، حتّى إذا ما كبر قليلاً، صار يترافق وأخيه إلى هناك، بموازاة التحاقه بكشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث بدأت تتبلور ملامح شخصيّته. وقد لفت الأنظار إليه بمثابرته على أداء العمل الموكل إليه مهما كان، ومواظبته على حضور الأنشطة، فلم تفتر همّته يوماً، بل على العكس، كان يبادر إلى القيام بأيّ عملٍ، سواء في مجالس العزاء أو الاحتفالات، إلى أن صار لاحقاً قائداً كشفيّاً. ولكن أكثر ما كان يبادر إليه هو المشاركة في تشييع الشهداء، وقد واظب على قراءة زيارة عاشوراء ودعاء العهد يوميّاً.

انتقل علي الهادي مع عائلته إلى منطقة كفر جوز، ونقل نشاطاته معه إلى هناك، ولكنّ جبشيت وروضتها ظلّتا مرتع أنسه. ومع بدء حرب الدفاع عن المقدّسات، زادَ اهتمامه بمتابعة أخبار المعارك، حتّى جاء المنعطف الثاني المهمّ في حياته، وهو استشهاد زوج عمّته الثانية الشهيد المخرج حسن عبد الله (كرار)، فلم تمرّ هذه الشهادة على قلب علي الهادي مرور الكرام، فالشهيد حسن كان في أوج نجاحاته العمليّة على صعيد الإخراج، ولكنّه اختفى فجأة مع بداية الحرب في سوريا، ليتخلّى عن كلّ شيء في سبيل الالتحاق بالجبهة. حتّى بعد أن أصيب إصابة بالغة، لم يكن يريد من الشفاء إلّا تذكرة عودة للقتال، إلى أن ارتفع شهيداً... كما أحبّ.

* الأخ الحريص والحنون
وجد علي الهادي أنّ مشاركاته في الدورات الثقافيّة والتأهيلات العسكريّة المتناسبة وعمره قد تسرّع في التحاقه بالتعبئة العسكريّة. ولم يقتصر تميّزه في التقييمات العمليّة فقط، بل أيضاً في سلوكه ودماثة أخلاقه ولطفه. وكما كان يملأ البيت ضحكاً ومرحاً، كذلك كان بين رفاقه، إذ كان حبّهُ يقع في القلوب مباشرة. لم يشعر والداه يوماً أنّه بحاجة إلى أيّ متابعة، حتّى في عمر المراهقة، وقد حمدا الله على تلك النعمة التي رفعت عنهما عبء ذلك العمر. هذا وقد ساهم وعيه وعلاقته بإخوته الصغار في حمل العبء معهما وتحمّل المسؤوليّة.

وكدليل على علاقته بإخوته، تحكي جارتهم أنّها لم تكن تعرف علي الهادي، وقد رأته ذات يوم يقف أمام المدرسة بطريقة تُبيّن أنّه ينتظر أحداً، فراقبته حتّى قرّرت التوجّه إليه وسؤاله عن سبب وقوفه، ولكن ما إن أصبحت على مقربة منه حتّى أكملت طريقها من دون أن تنبس ببنت شفّة، إذ بمجرّد أن رأته حتى توسمت في ملامحه طهارةً ونقاء دفعاها للاطمئنان إليه، ليتبيّن لها لاحقاً من يكون، وأنّه كان بانتظار أخته ليرافقها إلى البيت.

* لائحة الشهداء
قبل أن يتوجّه علي الهادي إلى حلب بشهرين، رأى في المنام صديقه الشهيد أحمد مشلب، فطلب إليه أن يكتب اسمه في لائحة الشهداء التي تخصّ السيّدة فاطمة عليها السلام ، فطمأنه أحمد أنّه رأى اسمه في اللائحة.

على الرغم من أنّ كلّ تصرّفاته تشير إلى أنّه ليس من أهل الدنيا، ولكنّ أحداً لم يخطر في باله أن يكون رحيله سريعاً هكذا، وأنّه سينتقل إلى الضيافة الإلهيّة. فأثناء حضوره في منطقة خان طومان بحلب، دارت معركة مع التكفيريّين، أدّت إلى إصابته، ليُستشهد في العاشر من شهر رمضان المبارك صائماً محتسباً. وعندما علم والداه بنبأ استشهاده، تذكّرا المنام الذي رآه والده أثناء حمل أمّه به، أنّها أنجبت صبيّاً ولكنّه توفّي، فحمله أبوه إلى مكانٍ خاصٍّ بأمير المؤمنين عليه السلام، حيث دفنه ووضع راية على قبره. وها هو تأويل هذه الرؤيا قد تحقّق بعد سبعة عشر عاماً. ورجع «الملاك» ليرتاح في المكان الذي يحبّ، روضة جبشيت التي سكنت روحه منذ الطفولة.

استشهد علي الهادي، ولكن سيبقى صدى كلماته: «يُشرّفنا أن تُقطع رؤوسنا وأيدينا وأرجلنا وتؤكل أكبادنا كي نتشرّف بالحقّ والشهادة»، قبساً لا يخبو. 
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع