مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

قصة: عندما خذلني النهر


أم كلثوم السبلاني


أرفع رأسي من الماء. أنظرُ إلى السّماء، إلى التلّ، إلى النهر، أُنصت، أرى سُحُباً تعدو أمام أعين النجمات وتختفي وراء التّل. ليس من عادة النجوم أن تشيَ بالغيم، أطمئن وأتابع التقدّم.

وحيدان نحن هنا: "أنا"، كما كنت لأبويّ، و"النهر" كما كان لمعركةٍ مجنونةٍ مع تضاريس الطبيعة.

* وحيدان وسط السكون
وحيدان نحن هنا "أنا" و"النهر" وسط هذا السكون الحذِر. ليلٌ نيسانيٌّ باردٌ قد تواطأ مع القصب النّابت في المياه الضحلة، تعلق به، أثناء تحرّكي، قدماي المرتعدتان تارةً، ويداي المرتجفتان تارةً أخرى. يقطع السّكون صوت العِراك الذي ينشب بين الحبل الذي أُمسك به وبين تلك النباتات، أُسرع في فضّ النزاع، وإلّا اصطاد الصّقيعُ في الماء العكر.

أعلم أنّ الطّبيعة ليست أمّاً مهملةً أو ربّة بيتٍ فاشلة، لكن عجباً كيف نسيَتْ أمر تأديب هذا النهر؟!

الرمال من تحتي تشدّني إلى الأسفل. جسمي يرتعد. أطرافي قناديل جليديّة، دقائق تفصلني عن إنهاء المَهمّة، هذا هو الحبل الأخير. لا أعلم إن كان العدوّ الدّاعشيّ الرابض على قلب التلّ، "تلّ النبيّ مندو"، يتوقّع أنّنا سنخرج له من تحت "طقاطيق الأرض".

* عندما تآمر الصقيع
كنت الأصغر سنّاً بين المقاتلين في هذه المهمّة، لكنّ مقاوماً انتقاه "القائد" من حقيبة حسبانه، دون سواه؛ لينفّذ مهمّةً كهذه، سيفعل المستحيل ليحافظ على ماء وجه الاختيارات.

 لم يكتشف العدوّ أمر الجسر رغم أنف المعطيات. أمتارٌ قليلةٌ متبقّيةٌ لأصل إلى الضفّة المقابلة. أثبّتُ الحبل الأخير، وينتهي الجسر الذي ستعبره مجموعات الجنود المختبئين بين القصب خلف النهر. ولكنّ الصّقيع، الابن العاقّ لهذا النهر، تآمر على آخر شبرٍ في بئر الأمنيات.

أصابعي التي تمسك بالحبل، قد بصمت "بالخمسة" لبرودة النهايات، لقد تجمّدت عن بكرة كفّها وتخلّت عن الحبل. تجمّد الدّم في أنحاء جسدي كافّة، وتبرّأت جميع أعضائي منّي. لم أعد قادراً على الحركة!

قلبي صار آيلاً للسّكوت، كم تمنّيتُ لو أنّي شققتُ صدري لأمسك بهذا القلب فأصفعه كما يستحقّ، أو أن أجرّ الضفّة من عنقها وأسحبها باتّجاهي، وأطوي المسافات. رفعتُ ناظريّ إلى الأعلى، رمقتُ السّماء والتلّ والنجوم. "عذراً" قائدي، "عذراً" حاج حاتم، لقد خذلتك.

* كدميةٍ قماشيّة
لفظ قلبي دقّاته الأخيرة. زفرتُ آخر غيمتين كنتُ قد شهقتهما من سماء هذه البلاد، وخَرَجَت من أكمام سترتي العسكريّة الأقحوانات والشقائق التي تنبت على تخوم الربيع، وطفتُ على وجه الماء. انسابت جثّتي مع مياه النهر كدميةٍ قماشيّةٍ يجرّها طفلٌ يجوب الأزقّة وحيداً تحت المطر.

وحلّقَتْ روحي كسربٍ من الطّيور المهاجرة فوق الضفاف، فوق القرى المنتشرة على امتداد "نهر العاصي"، فصار الماء ممزوجاً بعطر أزهار الخنادق، وبكامل رونق الاعتذارات.


(*) قصّة استشهاد الشهيد السعيد حمزة غملوش، الذي استشهد نتيجة صقيع ماء النهر الواقع على تخوم موقع "تل النبيّ مندو"، خلال معركة تحرير أرياف القصير في 4 نيسان سنة 2013م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع