مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

تسابيح جراح: فيض الروح سرى في عروقي


لقاء مع الجريح المجاهد محمّد عجاج مرتضى (علي الحسين)
حنان الموسويّ

 

كانت جبال القلمون تستعر جمراً. كلّ منطقةٍ فيها كبركان، ميقات ثورانه تحدّده سواعد رجال الحكمة والمدافعين عن الحياة وكرامتها. المعارك هناك باتت على أوجها في كلّ بقعةٍ تمركز فيها الشرّ. وأمّا مهمّتنا، فتحدّدت بأن نطهّر منطقة "الثلّاجة" من الدواعش. وكأيّ مسؤول مجموعة، كان عليّ استطلاع المكان الذي حللنا فيه. طلبتُ من المجاهدين الاستتار والتخفّي، بينما تقدّمتُ قليلاً على ساتر أحد المواقع، وبحذرٍ رحت أتفقّد حال العدوّ ودشمه. ثوانٍ فقط واجتاحتني فوضى الصمت، طلقة ماكرة اخترقت رأسي وغادرته، فوقعتُ أرضاً ملطّخاً بالأحمر القاني.

* أولى الإصابات
معركتي الأولى كانت في تلّ "مندو"، حيث كان الهدف تحرير القرى المحيطة بالتلّ، بعد تحريره من أيدي الدواعش. خلال المعارك، وبعد إنجاز المهمّة وطرد التكفيريّين، وأثناء التجوال على ظهر الدبّابة في منطقة "السغمانيّات" بعد تطهيرها، قام مسلّحون في قريةٍ مقابلة بإطلاق النار علينا. أُصبت ومن معي بجروحٍ سببها شظايا قذائف مدفع الـ23. توزّعت الشظايا في جسدي ويديّ، ما أدّى إلى بتر إبهامي، وإصابتي بجراحٍ عميقةٍ في زندي نزفتُ كثيراً جرّاءها، ما سبّب مكوثي في مشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مدّة شهر. بعدها، أُصيبت يدي بعدوى جرثوميّة، استدعت العلاج لأشهرٍ أيضاً، الأمر الذي منعني من متابعة المشاركة في حرب "القصير".

* الإصابة القاضية
لبثتُ في بطن حوت الغياب عن الثغور أربعة أشهرٍ، وكأس الشوق رَاوَدَت أضلعي خلالها حتّى ظمئت. وقد مرّت بحمد الله هذه المدّة وعدت إلى "القلمون"، حيث تطهيره ومنع انتقال الاعتداءات إلى لبنان كان المرام. كانت الأجواء حماسيّة؛ تراتيل ملوّنة بالآه رغم الخطر. كنّا نجتمع ونقوم بنشاطاتٍ ترفيهيّة، أليس الجهاد سياحتنا نحن؟ رحلة الجمر المقدّر للعشّاق هوايتنا. أشعلنا ناراً وتحلّقنا حولها. احتسينا الشاي وأمضينا وقتاً يغيظ الأعداء ويؤرّقهم. في اليوم التالي، حين نزّ الصبح ضوءاً يملأ العروق حميّة، أُمرنا بتطهير تلّة "موسى"، العقدة الكبرى لإسقاط المنطقة، لكن عند وصولنا، وجدنا أنّ الإرهابيّين قد أخلوها، وانتقلوا إلى قرية "الثلّاجة"، لذا توجّهنا إليها بعد أن ثبّتنا قوّاتنا على التلّ. كمن الدواعش في "الثلّاجة"؛ وما إن وصلنا، حتّى بدأت الاشتباكات. اتّخذتُ ومجموعتي ساتراً للاحتماء من وابل النيران الذي صُبّ علينا. بعدها، تقدّمتُ لتفقّد مصادر النيران. ما إن خطوتُ حتّى اخترقت رأسي طلقة BKC من ناحيةٍ لأخرى، أوجزت باختراقها كلّ رغائبي. وقعتُ أرضاً ساكباً دلاء شوقي للقاء الله، فاقداً ذاكرة تلك الأيّام مع دمي الذي سال!

* عمرٌ متأرجح
تعذّر على رفاقي سحبي مباشرةً لضراوة الاشتباكات التي ما توقّفت. بزغ الفجر وما زلتُ طريح التراب، والعمر يسير فوق جبيني متأرجحاً. ظنّ الجميع أنّي استُشهدت، فهيّأوا لي رصيف الغياب. فيض الروح حرّك أحد أصابعي، ما أعطى رفيقي إشارةً أنّ الحياة ما زالت تسري في عروقي، فأوعز إلى الجميع بضرورة نقلي إلى المشفى بسرعة. سحبني الرفاق إلى آليّة الـ PMB بصعوبة. وأثناء المسير، استهدفها التكفيريّون بالقصف فتعطّلت، فنُقلتُ إلى مشفى قارة بآليّةٍ أخرى، حيث ضمّدوا جراحي وأجروا لي فحوصات مخبريّة. بعدها، نُقلت إلى مشفى دار الحكمة، ومنها إلى مشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في بيروت. أجروا لي صوراً شعاعيّة، وبعدها خضعتُ لجراحةٍ في الرأس. بقيتُ مدّة خمسة عشر يوماً فاقد الوعي، لأنقل بعدها إلى غرفة العناية الفائقة. خضعتُ لأربع جراحات ترميم لعظم الرأس وزراعة طرفٍ بلاستيكيّ بدل ما فُتّت، كجراحة تجميليّة، وجراحة لسحب الدم أيضاً، وأخرى لترميم الكاحل. مكثتُ في المشفى أربعة أشهر. فقدتُ النطق، وأصبتُ بشللٍ رباعيّ بسبب التلف الدماغيّ. ما زلتُ حتّى اليوم أتلقّى العلاج عن طريق جلسات فيزيائيّة شبه يوميّة لكامل جسدي. استعدتُ النطق بحمد الله، وبعدها استطعتُ تحريك يديّ من جديد، واستعدتُ القدرة على السير لكن باستخدام الـ"الووكر Walker"، ولن أستكين حتّى أعود كما كنت؛ كي أعبر من جديد إلى تلك الثغور الحبيبة.

* صلاة الحبّ
غابت بعض الأمور عن فكري، وأهمّها كيفيّة أداء الصلاة. لقد تاهت تلك الحبيبة عن ذاكرتي! احتجتُ والدي كثيراً، فقد أدّى الصلاة تكراراً أمامي حتّى أتقنتها مجدّداً وأدّيتها بشكلٍ صحيح.

عدتُ للقريب من الزمان، ورجعتُ إلى المنزل، أهلي جميعاً وزوجتي كانوا بخدمتي، وضمّدوا المكسور في وجه المرايا. لم يتركوني لثوانٍ، صبروا وتحمّلوا معي الأسى كما تحمّلت، ما هانوا ولا استكانوا، إنّما كان كلّ الأسى والأوجاع بعين الله، ومواساةً لأهل البيت عليهم السلام. الحمد لله على هذه النعمة التي رزقني إيّاها، فهي تمثّل لي كلّ الفخر، ووسام عزٍّ لي أمام الله، فغداً يوم المحشر سيأتونني بقارورة مُلئت من دمي، وسيُقال لي: هذا ما قدّمته في سبيل الله، نلتَ لقاءه الجنّة.

* لؤلؤة التقرّب
أقول للسيّدة زينب عليها السلام: سيّدتي، ما قدّمته من الدم قليل قليل، وإنّي على استعدادٍ لآتيك حاملاً بيدي لؤلؤة التقرّب، فأقدّم نفسي، وعائلتي، وأولادي فداءً لكِ. وأنا يا أميرة القلب طبّقت كلام القائد دام ظله، بأنّ الجميع يعودون من الحرب إلّا الجريح؛ لأنّه يعيش المعركة يوميّاً، وقد تركت جزءاً منّي في الجبهة؛ كرمى لكِ.

أمّا لسيّدي إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، أدعو الله أن يعجّل فرجك وفرجنا بك. وأنا يا مولاي يقتلني الحنين إليك. نحن جنودك الممهّدون لك. إنّنا نندبك كلّ جمعة كعائلةٍ بكامل أفرادها، ومنذ ولادة أبنائنا ندرّبهم على أنّهم موجودون لأجلك ولنصرتك، وكذا فعلتُ مع ولدي "عليّ" حين نذرته لك.

* بَوح الروح
لسماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله): يا سيّدي، أنت الأب وحبيب الروح. نفخر بك يا قائدنا. نحن رهن إشارتك، إن أمرتنا بالذهاب إلى الحرب على الكراسي المتحرّكة، ذهبنا.

إلى أصدقائي الجرحى أقول: شدّوا عزيمتكم وكونوا أقوياء. ملامح آلامكم لا تبارحني. أكملوا علاجكم لكي تكونوا قادرين على خدمة هذا الخطّ أكثر. لا تستسلموا، فأنتم الشهداء الأحياء القادرون على كسر الصعاب، فإنّ الإصابة لن تثنيكم عن عملكم مهما كانت مهمّاتكم.

لمؤسّسة الجرحى: أشكركم شكر من قام بالعين معانقاً، لما تقدّمونه للجرحى من خدماتٍ ورعاية.

للمجاهدين أقول: أنتم الآن أملنا، عزّنا، وفخرنا، يا ليتنا كنّا معكم، فحبّ الجهاد حقّ لا حدود له، وآخره الفناء في سبيل الله. ليتكم تعلمون كم أنّ العزوف عن سوح الجهاد مرٌّ لا يُطاق!


الجريح: محمّد عجاج مرتضى.

الاسم الجهاديّ: علي الحسين.

تاريخ الولادة: 24/8/1990م.

مكان الإصابة وتاريخها: القلمون 15/5/2015م.

نوع الإصابة: شلل رباعيّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع