عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟ إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين اعرف عدوك: "إسرائيل" وقضيّة أطفال اليمن أسرتي: مهر المرأة: مفاهيم خاطئة أول الكلام: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)

شخصية العدد: السيّد عبد العظيم الحسنيّ...غريب الريّ


الشيخ تامر حمزة


هو السيّد عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن حسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، من علماء السادة الحسنيّين، ينتهي نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بأربع وسائط. ويعدّ من كبار المحدّثين، وقد عاصر أربعةً، بل خمسة من أئمّة الشيعة عليهم السلام في القرنين الثاني والثالث الهجريَّين.

•ولادته ونسبه
اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ سنة ولادته كانت عام (173هـ)(1)، بعد أن اختلفت في تاريخ ولادته.

وأمّا الأب فهو عبد الله بن الحسن بن زيد ابن الإمام الحسن عليه السلام، وأمّه هي هيفاء بنت إسماعيل(2)، وقد تزوّج بابنة عمّه خديجة بنت القاسم بن حسن الأمير، فأنجبت له محمّداً وأمّ سلمة(3).

•ظروف سياسيّة قاهرة
عاصر السيّد عبد العظيم الحسنيّ تسعة ملوك من بني العبّاس، وهم: هارون المتوفّى سنة 170هـ، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكّل، والمنتصر، وآخرهم المعتزّ، الذي هلك في العام نفسه الذي رحل فيه السيّد عبد العظيم سنة 252هـ.

إنّ معاصرته لهؤلاء الظلمة، ولا سيّما في الثلث الأخير من عمره الشريف، حيث تزامنت مع خلافة المتوكّل العباسيّ، صنعت منه رجلاً عالماً مهاجراً صامتاً. والجدير ذكره أنّ المتوكّل، والذي دام ملكه من عام 232هـ حتّى 247هـ، كان يعدّ من أخبث الخلفاء السابقين واللاحقين؛ لأنّه جاهر بمحاربة أهل البيت عليهم السلام، وناصبهم العداء، وعمل على إجبار الناس في البلاد كلّها على وجوب ترك المذهب الجعفريّ إلى غيره.

•معاصرته الأئمّة عليهم السلام
اختلفت كلمة علماء الرجال والفقهاء والمؤرّخين حول عدد الأئمّة الذين عاصرهم السيّد عبد العظيم الحسنيّ. وأقول: من خلال إجراء مقارنة بسيطة بين تاريخ ولادته ووفاته مع تاريخ وشهادة الأئمّة عليهم السلام، يتبيّن لنا أنّه قد عاصر خمسة من الأئمّة الأطهار عليهم السلام من الإمام الكاظم حتّى الإمام العسكريّ عليه السلام، بملاحظة أنّ تاريخ ولادته كان سنة (172هـ) ووفاته سنة (252هـ) وهو محلّ وفاق وإجماع عندهم. وعندما ننظر في تاريخ مواليدهم أو شهادتهم، نجد أنّ شهادة الإمام الكاظم عليه السلام كانت سنة (183هـ)، وشهادة الإمام العسكريّ عليه السلام كانت سنة (260هـ)، للهجرة. وبناءً عليه، حين شهادة الإمام الكاظم عليه السلام، كان له من العمر تسع سنوات، وحين وفاته كان عمر الإمام العسكريّ عليه السلام عشرين سنة؛ لأنّ ولادته عليه السلام كانت عام 232هـ، وبعدها بثماني سنوات؛ أي عام (260هـ)، كانت شهادة الإمام العسكريّ عليه السلام. وهكذا، ممّا لا شكّ فيه أنّه قد روى عن ثلاثة من الأئمّة، وهم: الرضا والجواد والهادي عليهم السلام، سواء بواسطة أو مباشرةً.

•رسولُ الرضا عليه السلام ومستودع أسراره
تشرّف السيّد عبد العظيم بلقاء الإمام الرضا عليه السلام، وفاز بأن يكون مستودع أسراره، وهو شابّ يافع يقارب الثلاثين من عمره.

عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال له: "يا عبد العظيم، أبلغ عنّي أوليائي السلام، وقل لهم أن لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلاً، ومرهم بالصدق في الحديث، وأداء الأمانة، ومرهم بالسكوت..."(4).

•تلميذُ الجواد عليه السلام وجليسه
روى السيّد عبد العظيم عن الإمام الجواد عليه السلام -بلا واسطة وبواسطة- روايات عدّة وفي مسائل مختلفة قد أشكلت عليه، منها ما رواه الصدوق عنه بقوله: دخلت على سيّدي محمّد بن عليّ الجواد عليهما السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أو غيره؟ فابتدأني فقال لي:

"يا أبا القاسم، إنّ القائم منّا هو المهديّ الذي يجب أن يُنتظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي. والذي بعث محمّداً بالنبوّة، وخصّنا بالإمامة، إنّه لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جَوراً وظلماً..."(5).

•وكيلُ الهادي عليه السلام وثقته
روى الشيخ الصدوق بسند ينتهي إلى عبد العظيم الحسنيّ: دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد عليه السلام، فلمّا بصر بي قال لي: "مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت وليّنا حقّاً"، قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، إنّي أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّاً ثبتُّ عليه حتّى ألقى الله عزّ وجلّ، فقال: "هات يا أبا القاسم"، فقلت: إنّي أقول إنّ الله تبارك واحد ليس كمثله شيء خارج من الحدّين؛ حدّ الإبطال وحدّ التشبيه... وإنّ محمّداً عبده ورسوله خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، وإنّ شريعته خاتمة الشرائع، فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة، وأقول: إنّ الخليفة ووليّ الأمر من بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ الحسن والحسين عليهما السلام، ثمّ عليّ بن الحسين عليه السلام، ثمّ محمّد بن عليّ عليه السلام، ثمّ جعفر بن محمّد عليه السلام، ثمّ موسى بن جعفر عليه السلام، ثمّ محمّد بن عليّ عليه السلام، ثمّ أنت يا مولاي، فقال عليه السلام: "ومن بعدي الحسن ابني. فكيف للناس بالخلف من بعده؟"، فقال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟ قال: "لأنّه لا يرى شخصه، ولا يحلّ ذكره حتّى يخرج، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً"، قال: فقلت: أقررت(6).

•لماذا اختار الريّ؟
الجواب لسببين رئيسين:

الأوّل: لبعدها عن مركز السلطة، ما يتيح له التخفّي عن أعينهم، ولوجود أفراد محبّين لأهل البيت عليهم السلام فيها.

الثاني: وهو الأهمّ، وجود بيئة حاضنة للشيعة، وكان فيها الحسن الذي ثار ضدّ النظام العباسيّ المجرم عام 250هـ، وهذا الثائر هو الحسن بن زيد بن محمّد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، وهو يشترك معه في صلب الحسن بن زيد بن الحسن.

•كيف كانت هجرته إليها؟
لم نعثر على نصّ تاريخيّ يُظهر لنا في أيّ سنة كانت هجرته من سامراء إلى الريّ ولأيّ سبب، ولكن ربّما بالتحليل نتوصّل إلى النتيجة الآتية:

إنّ المدة التي عاصر فيها زمانَي المتوكّل والإمام الهادي عليه السلام (وهو آخر إمام صاحبه) هي من سنة 232هـ حتّى 247هـ، باعتبار أنّ ولاية الإمام الهادي عليه السلام من سنة 220هـ حتّى 245هـ؛ ففي هذا القاسم الزمانيّ المشترك بينهما كانت هجرة السيّد عبد العظيم إلى الريّ، وعلى أكثر تقدير، فلو هاجر في بداية ملك المتوكّل عام 232هـ، لكان له من العمر 59 سنة، وهذا ما يؤهّله لأن يشكّل مرجعيّة للشيعة في ناحيته، ويدلّ عليه ما رواه أبو حمّاد الرازيّ: دخلت على عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام بسرّ من رأى، فسألته عن أشياء من الحلال والحرام، فأجابني فيها، فلمّا ودّعته قال لي: "يا حمّاد، إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك، فسل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ، وأقرئه منّي السلام"(7)، وقيل أيضاً إنّه انتقل إلى الريّ بعد انتقال الحكم إلى المعتزّ.

•كيف كانت إقامته في الريّ؟
أورد النجاشي في فهرسته عن أحمد بن خالد البرقيّ قائلاً: كان عبد العظيم ورد الريّ هارباً من السلطان، وسكن سرباً في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي، فكان يعبد الله في ذلك السرب، ويصوم نهاره ويقوم ليله، وكان يخرج مستتراً فيزور القبر المقابل قبره، وبينهما الطريق، ويقول: هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر عليه السلام، فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب، ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حتّى عرفه أكثرهم(8)، وأقام بينهم بقيّة عمره حتى وفاته ودفنه هناك.

•وفاته وقبره
كانت وفاته على الأغلب في الخامس والعشرين من شهر شوّال عام 252هـ. وأمّا قبره حيث مقامه الآن، فقد روى المحدّث النوري أنّ رجلاً من الشيعة رأى في المنام كأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنّ رجلاً من ولدي يحمل غداً من سكّة الموالي، فيُدفن عند شجرة التفاح في بستان عبد الجبّار بن عبد الوهّاب"، فذهب الرجل ليشتري الشجرة، فقال له: لأيّ شيء تطلب الشجرة ومكانها؟ فأخبره بالرؤيا، فذكر صاحب الشجرة أنّه كان قد رأى مثل هذه الرؤيا، وأنّه قد جعل موضع الشجرة مع جميع الباغ (الكَرْم أو البستان) وقفاً على الشريف والشيعة يدفنون فيه(9).

•ثواب زيارة قبره
روى الشيخ الصدوق بسنده عن محمّد بن يحيى العطار عمّن دخل على أبي الحسن عليّ الهادي عليه السلام من أهل الريّ، فقال له: "أين كنت؟"، قلت: زرت الحسين عليه السلام قال: "أما إنّك لو زرتَ قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار الحسين بن عليّ عليهما السلام"(10).


1.الذريعة، الطهرانيّ، ج7، ص169.
2.عمدة الطالب، ابن عنبة، ص94.
3.جنّة النعيم، الواعظ الكجوري، ج3، ص190.
4.الأنوار البهيّة، عبّاس القمّي، ص222.
5.كمال الدين، الصدوق، ص377.
6.أمالي الصدوق، ص419.
7.مستدرك الوسائل، النوري، ج17، ص321.
8.رجال النجاشي، ص248؛ بحار الأنوار، المجلسي، ج99، ص268.
9.خاتمة المستدرك، النوري، ج4، ص405.
10.ثواب الأعمال، الصدوق، ص99.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع