منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر خيرٌ من ألف شهــر وإليــــك يـــا ربِّ مدَدْتُ يــدي التربية الإيمانيّة فــي الصحيفـــة السجّاديّــة هل الدعاء يردُّ القضاء؟ ادعوني أستجب لكم الدعاء في كلمات الإمام الخامنئـيّ دام ظله  مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*)

تسابيح جراح: ولا زلنا نضحك


لقاء مع الجريح المجاهد محمّد عبد الله خير الدين (فلاح ياسين)
حنان الموسويّ


"دعه يطوف في فلك الشهادة، لن تصدّق يا رفيقُ عدد المرّات التي أصيب بها ولم تزهق روحه، كلُّ جراثيم العالم لا ترهقه، النزف والكسر والنار لا تؤثر به، ربّما إصابته هذه المرّة تكون الأخيرة، فيستكين بضجعته ويلقى وجه الكريم". بذا خاطب صديقي المسعفَ، ثمّ انفرجت شفتاه عن ثناياه بضحكةٍ، بعد أن قام وباقي المجاهدين بسحبي وسط حزامٍ من القصف والشظايا لا معنى للسكون في منهاجه.

تبسَّمتُ ضاحكاً من قوله، فلم تذهلني إصابتي عن الانتباه لمجموعة المجاهدين خلفي. كنت أسوس الخوف بعيداً عنهم بجهدي للمحافظة على وعيي. كالحلم في الحلم أشهق عطراً ثقيلاً أرهق رئتيَّ. دغدغة الهواء تلك لم تسعفني، فقد عصف الشلل في عروقي، كمن عرقله ظلّه فهوى يغشاه النعاس، حتّى صوتي بالكاد كان يُسمع.

•موج الذكريات
كبرت مع كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. عطر أنفاسي فاح من زهرِها في الثامنة من عمري. بعدها انخرطت في صفوف التعبئة وخضعت لدورة مقاتل، ثمّ التحقت في السادسة عشرة من العمر بوحدة الرضوان، وخضعت للعديد من الدورات العسكريّة.

مع بداية الأحداث في سوريا، كنّا في محيط حضرة العقيلة زينب عليها السلام تحمينا لا نحميها. هويت أن أكون عند أعتابها لأتشرّف بلثم تراب مرقدها قليلاً. بعدها انتقلنا إلى القصير، فشاركت في معاركها منذ بدايتها وحتّى النهاية. هناك حزت وسامي الأوّل، حيث زُرعت الشظايا في كامل جسدي. بعدها توجّهنا إلى حمص وقمنا بتطهيرها. عزف العدوّ على معصمي طلقةً أصابتني في اشتباكٍ. تخطّيتها، وأعادني الشغف إلى ساح القتال، حبْواً على الأشواق.

انتقلنا إلى معارك القلمون. في البريج كانت إصابتي الثالثة. سلكنا بالخطأ طريقاً مزروعاً بالعبوات. حلّقت الآليّة بنا. وصلتُ على مكان التقاء الورد بالسماء، حيث حدود الموت. دخلت في غيبوبة دامت ثمانية وعشرين يوماً. عدتُ سيرتي الأولى بعد احتراق جسمي وكسر عمودي الفقريّ وحوضي، واستئصال طحالي، مضافاً إلى جرثومة سكنت دمي لردحٍ طويل، وبقيت أوجاعها تحت حاجِبَي الذاكرة تنبت بصمت. تماثلت للشفاء وعدت أرتق ابتسامات النهار في سوح الجهاد سريعاً، وهذه المرّة في الزبداني، حيث احتشد أبناء الطلقاء وخاضوا لعبة نارٍ.

•حدسي يُنبئني
كانت مهمّتي، كقائد مجموعة، استطلاع مبانٍ عدّة عند أطراف المدينة، تساعد في قطع الطريق بين الزبداني ومضايا، ممّا يحدّ من تحرّك المسلّحين، وفتح ممرّ وسط قواعد الدواعش. ولتحقيق ذلك عليّ البدء بالمبنى الأوّل.

أوحى إحساسي لي بأنّ حدثاً ما سيحلّ بي، ودائماً ما يصدُق. فقام رفيقي بالتقاط صورٍ لي للذكرى، بعد أن أنبأني ممازحاً أنّهم سيذبحونني في الداخل، فالمهمّة دنت خطورتها إلى حدّ الهلاك.

حان الوقت، أُمرنا بالتقدّم مع باقي المجموعات في الوقت عينه. اقتحمنا المباني. لم يتخلّل مسيرنا أيّ إطلاق نار أو تحرّكٍ من المسلّحين، إلى أن طهّرنا ٤ مبانٍ. بعد ذلك، حدث اشتباك كثيف، استمرّ وقتاً طويلاً. حوصرنا من الجهات كلِّها. لم نستطع التّقدم أو التّراجع. كان الحلّ أن نقتحم المبنى الأخير، ونتّخذه ساتراً ومقرّاً للانطلاق نحو النقاط التالية. ما إن هممنا بالركض، وقبل وصولي إليه بنحو مترٍ واحدٍ، شعرتُ بروحي سُلخت منّي، وأنّ ضيق الكون سكن صدري. لم أستطع التنفّس، ووقعت أرضاً وبدأ خدَر أعضائي. أخبرت القيادة أنّي أصبت، وبقيت نحو ٢٠ دقيقة ممدّداً حتّى سحبني المجاهدون إلى المبنى الخلفيّ؛ لكثافة النيران.

كنت واعياً حين قدم المسعف يشدّ العزم بثوب جسدي لأقوم. أخرج رصاصاتٍ ثلاثاً من بطني. وبعد أن ضمّد جروحي، نقلني الرفاق إلى الإسعاف. كان "أبو علي رضا" يطبع كفّه صافعاً وجهي لأحافظ على وعيي باستمرار.

•حدّ الهلاك
تلك الطلقــات أصابت الكلية والكبــــد والعمود الفقريّ، والجرح وشمَ جبيني. قامـــــوا بتصوير شعاعيّ لبطنـــــي، ونظّفوا جرحي في مشفى بهمن السوريّ. حين وصلت إلى محلّة ضهر البيدر، اتّصلت بأحد أقاربي وأخبرته أنّي أصبت بجروحٍ طفيفة، لم أشأ إخبار والديّ مباشرة، فإنّ فؤاديهما مولّهان كليلان لإصابتي القديمة.

تجمّع الأقارب، وقدم أهلي إلى مشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. خضعت لجراحةٍ بعد يومين من إصابتي؛ لأنّ ضغط دمي لم يكن مستقرّاً. لم أدرِ بوضعي حتّى استفاقت عيناي. كانت قدماي تصعقانني ألماً. بقيت مدّة عشرة أيّام في العناية، بعدها انتقلت إلى غرفة للمتابعة. تقبّل أهلي إصابتي باحتساب وصبر، فأن تكون في ربيع العمر وجسر عبورك في الحياة مشلولاً، يترك أثراً عظيماً في النفس. تلك الطلقة التي نفذت إلى عمودي الفقريّ، لامست النخاع الشوكيّ وضغطت عليه، وقد قطعت بعض الأعصاب المحيطة به، ما حرمني القدرة على السير مجدّداً.

آراء الأطبّاء أنّ العلاج الفيزيائيّ يساعد العضلات على الاسترخاء ويمنع الانقباضات، ممّا يجنّبني أوجاعاً لا تُحتمل، لكن لا سبيل لجراحة أو علاج يمكّنني من المشي من جديد. ولأنّ طريق الجهاد يحتاج إلى تضحيات جثام، تقبّلت وضعي المستحدث، ورقص قلبي نافضاً عنه نهر الأسى، فهذا القليل لا يحتسب في ميزان معاناة أهل البيت عليهم السلام وآلامهم.

منذ الإصابة معاناتي لا حدّ لها؛ مشاكل صحيّة صامتة تضجُّ جزعاً. نبت لي كيس التهاب لاصق عظم الحوض، أرقدني في المشفى مدّة شهرين وما زال جرحه مفتوحاً حتّى الآن ولمّا يلتئم بعد مضيِّ سنوات أربع. خضعت لقرابة ثلاثين جراحة، منها واحدة في إيران، وما زلت أعاني من عقورٍ في جسدي لا تُشفى، وبين الحين والآخر تعيدني غيبوبة تلو أخرى إلى المشفى، إحداها بسبب تجلّطٍ في الرئتَين.

•سباق البهجة
كان المتنفّس في باحة المشفى بعد نومٍ قاسٍ أعتق الأرواح. جميع الجرحى فيها من معارفي، كلّنا أُصبنا في الزبداني تقريباً. حشد الجنون بدأ عند قيامنا بسباق على الكراسي المتحرّكة، ما يؤكّد أنّنا لا نعرف معنى للاستسلام واليأس. الضحك والمزاح والمعنويّات العالية من سمات الشخصيّة القويّة، فحياة الإنسان قصيرة ترنو إلى سبك السكون والرفاهية، طبيعته ميّالة إلى الراحة، وإذا ما اعترضها بلاء فهي الهلوعة.

ثمّة حالات بيننا صعبة جدّاً؛ فمنهم مبتور القدمين أو اليدين، أو الاثنين معاً، أو فاقد العينَين. كنّا نغازل بعضنا بعضاً بجراحنا، وكلٌّ يشجّع الآخر.

•نُصحٌ وأمنية
أقول لكلّ الجرحى: حافظوا على أمّهاتكم، ولا تخسروهنّ كرمى لأحدٍ في هذه الدنيا؛ فهنَّ السندَ والترياق من بعد الله، ومن يخذل والدَيه كمَن خذل رفاقه وتخلّى عنهم في ساحة المعركة.

وأمّا للمجاهدين: النصر قدرنا بإذن الله. مررنا بأصعب الظروف، وفُرِض علينا الحصار وما كُسِرنا ولم نركع. قاوموا بكلِّ ما أوتيتم من عزم. أدعو الله أن يمكّنني من مزاولةِ عملٍ جهاديٍّ. عشقي لعملي أصيب بالشقاء جرّاء البعد. أتوق إلى العودة إلى تلك الأجواء، فكلُ معاناتي لا تداني الشهادة التي لطالما تمنّيتها.


الجريح: محمد عبد الله خير الدين.

الاسم الجهاديّ: فلاح ياسين.

تاريخ الولادة: 25/11/1993م.

مكان الإصابة وتاريخها: الزبداني 24/7/2015م.

نوع الإصابة: شلل نصفي.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع