مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: الوعدُ الإلهيّ  أخلاقنا: النسل الصالح: رعاية وصيانة أمّهات مفقودي الأثر: عيدنــــا بعودتكم (1) الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*) احذر عدوك: العدوّ والفضاء الافتراضيّ(1)  اللقاح لا يغني عن الكمامة السيّاح الإسرائيليّون يفعلونها مجدّداً تطبيق "معاً" لتتبّع المخالطين 

مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقـيّ(2)

آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ
 

متى كانت المعرفة في قديم الدهر حجاباً مانعاً؟

أنت وإن كنت غائباً عنّي، إلّا أنّني أنظر إليك

أنت أملي، بل أنت غاية رغبتي

فلن أفقد الأمل بك حتّى أعلق بذيلك(1).

في هذا المقال استكمال لما بدأنا الحديث عنه في العدد السابق، حول شروط الحقيقيّ الانتظار.

•الانتظار الأسمى
إنّ أسمى نحوٍ من أنحاء الانتظار هو ما كان ممتزجاً بروح المنتظِر، بحيث يسري في كيانه كلّه، إلى أن يغلب عليه نور العقل الذي يرفع عنه كلّ أشكال ظلمات الغفلة أو الذهول عن الظهور، ويسلّم قلبه إلى من يحوّل هذا القلب بإذن الله على سنّة قوله تعالى: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: 73). إنّ هذا المنتظر الواعي يشعر بحلاوة السعي في طريق الانتظار، فلا يؤثّر في قلبه أيّ حادث يحصل له في هذا الطريق العذب في الدنيا قبل الآخرة: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: 62).

ولعلّ أفضل طريق لنيل هذا المقام العظيم هو أن يكون الإنسان مترقّباً لأمر غيبيّ لعلّه يصيب نسيماً عليلاً يكشف عن ستار عالم الشهادة، فينال شهود ما وراء الستار.

لقد كشف أولياء الله عن ستار الغيب، ثمّ أشاروا إلى ما يوجد من علم مغيّب عنّا، وهو ما كان عليه أئمّتنا عليهم السلام، إلّا أنّه لا يمكن لنا -نحن العاجزين- أن ننال هذا الكشف والشهود بأنفسنا. نعم، غاية ما يمكننا فعله هو أن تكون لنا عيون مفتوحة، وأن نبتعد عن نوم الغفلة، وأن نقبع قبالة الستار؛ لعلّنا نصيب نسيماً يرفع من أمامنا هذا الستار، لنشهد ما يقع خلف الستار: "إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها"(2).

•شهود الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ومشهده
إنّ شهود جمال طلعة المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف البهيّة أمل المشتاقين ورجاء المنتظرين جميعاً. فمن أجهد نفسه وتحمّل ألوان المشاقّ والرياضات ليلاً ونهاراً في سبيل الوصول إلى نيل هذه السعادة القصوى، قال بلسان الحال والمقال: "اللّهمّ أرني الطلعة الرشيدة"(3). إلّا أنّ من المشتاقين من كان من ذوي المعرفة، فيتوجّه وجهه لشهود الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيكون مشهوداً لوجوده المبارك حتّى ينال مقام: "ترانا ونراك"(4).

ويرى الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف جميع أعمالنا بإذن الله، بما في ذلك أعمال الجوارح والجوانح؛ لمكان أنّه قلب القلوب وروح الأرواح. إلّا أنّ هذا الوجود المبارك وإن اطّلع على كلّ شيء، إلّا أنّه لا ينظر إلى المغضوب عليهم؛ ولذا فهو يمثّل مظهراً لتجلّي قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (آل عمران: 77).

فمن رأى نفسه في محضر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ومشهده، سعى جاهداً إلى أن يكون لائقاً بنيل نظرةِ تشريفٍ منه عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهذا المقام هو الذي يضمن النجاة من الوقوع في الزلّات والعثرات. وينال مَن حصل على هذه النظرة نحواً من التوفيق والتسديد، وإلّا فإنّ مجرّد رؤيةِ جمالٍ لا تضمن نيل السعادة. كما أنّ عدداً كثيراً من الصحابة عاصر نبيّ الإسلام الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أو أحداً من الأئمّة الكرام عليهم السلام واستمعوا إلى كلامهم، إلّا أنّهم لم ينالوا شيئاً من ذلك الفيض.

•دليل الانتظار الحقيقيّ
لا شكّ في أنّ الانتظار الحقيقيّ يمهّد الطريق إلى ظهور صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما أنّ هذا الانتظار جديرٌ بالإنسان أن يسعى إلى طلبه وتحقيقه. وفي إطار التمهيد لبزوغ شمس الظهور، يكون للمحافظة على مصباح الوحي مضيئاً مع الدفاع عن حريمه النصيب الأكبر. ولا يتحقّق هذا الهدف المنشود إلّا بالسعي إلى إنارة الأرواح بمصباح العقل. وعليه، يجب أن يتسلّح غير واحد بسلاح العقل للدفاع عن ثقافة الوحي وردّ حملات المغرضين على هذا الحريم، من خلال إنارة عقول الشباب وقلوبهم، وإقامة البراهين العقليّة القطعيّة، وقطع الطريق على من يسعى إلى نشر الأوهام من قبيل القول بالقراءات المتعدّدة للدين وإلقاء الشبهات والمغالطات.

إنّ العقل أقوى وسيلةٍ، بل هو حجّة الله على العباد، كما تشير إلى ذلك الرواية الواردة عن ابن السكّيت حين سأل الإمام الرضا عليه السلام عمّا لو ادّعى غير واحدٍ لنفسه الإمامة والخلافة والولاية، فمن يكون حجّة الله على الناس؟ فأجابه الإمام الرضا عليه السلام أنّه العقل. وعندها قال ابن السكّيت في محضر الإمام عليه السلام: هذا والله هو الجواب(5).

والغرض، أنّه يلزم على المنتظرين الحقيقيّين لبقيّة الله عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يكونوا من أُولي الألباب وأُولي البصائر والأبصار حتّى يكونوا ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ (هود: 116). والمراد من أُولي بقيّة أصحاب البقاء، وهم الذين ثبّتت الذات الإلهيّة المقدّسة بقاءهم؛ أعني العلماء العاملين.

•أرجحيّة انتظار أهل العلم والمعرفة
مَن عرف حقيقة الانتظار كان منتظراً حقيقيّاً، فتعلّق قلبه بصبح اللقاء بإمام زمانه، وأجهد نفسه في طريق الإعداد إلى ظهوره. إلّا أنّ هناك امتيازاً لانتظار رجال العلم والثقافة على مسار أطياف المنتظرين، فهم في حال انتظارٍ دائمٍ واعٍ لإمامهم، فإن ظهر كانوا تحت إرادته التامّة؛ لغرض المساهمة في تحقيق الأهداف الإلهيّة المنشودة حتّى يُقام على أيديهم بناء صرح التحوّل المهدويّ العظيم.

كما أنّ هؤلاء يقتدون بإمامهم في العلم والعمل، فتتعالى في كلّ لحظة أفكارهم العمليّة ودوافعهم العمليّة بمسارٍ تصاعديّ، وصولاً إلى استعدادهم التامّ لعصر الظهور؛ ولذا ينحون برغبة تسوقهم جميعاً منحى القسط والعدل، وتصفو أرواحهم، فتستغني عمّا سواه، وتتكامل علومهم وعقولهم.

وهؤلاء العلماء المنتظرون تلامذة الوجود المبارك لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهم الذين تعلّموا في مدرسته ونالوا من فيضه وعناياته ما لم ينله غيرهم.

(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الثاني- الباب الثاني- بتصرّف.
1.ديوان سعدي، رقم 406.
يقول: معرفت قديم را، بُعد حجاب كى شود؟
ﮔرچه به شخص غايبى، در نظرى مقابلم
آخرِ قصَد من تويى، غايت جهد و آرزو
تا نرسم، ز دامنت دستِ اميد نـﮔسلم
2.بحار الأنوار، المجلسي، ج68، ص221.
3.البلد الأمين، الكفعميّ، ص83- الصلاة يوم الجمعة.
4.إقبال الأعمال، ابن طاووس، ص607- دعاء آخر بعد صلاة العيد.
5.الكافي، الكليني، ج1، ص25.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع