مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: الوعدُ الإلهيّ  أخلاقنا: النسل الصالح: رعاية وصيانة أمّهات مفقودي الأثر: عيدنــــا بعودتكم (1) الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*) احذر عدوك: العدوّ والفضاء الافتراضيّ(1)  اللقاح لا يغني عن الكمامة السيّاح الإسرائيليّون يفعلونها مجدّداً تطبيق "معاً" لتتبّع المخالطين 

قصة: عند التقاطع


(عن لسان صديق الشهيد السيّد عليّ زنجاني(*))
رقيّة كريمي


رآني من بعيد. كنتُ واقفاً خلف إشارة المرور عند التقاطع. ابتسم مسروراً. رأيت بريق الفرح في عينَيه المتعبتَين. أخذ عصاه محاولاً المرور من بين السيّارات، ووصل إليّ بصعوبة. نظرتُ إليه. كان يبحث داخل السيّارة. تلاشت البسمة عن وجهه المتعب. متعبٌ من الحرب. متعبٌ من الفقر. ضرب بأصابعه على النافذة. أنزلت الزجاج ونظرتُ إليه: "وين سيّد علي؟".

•شاري المناديل الورقيّة
عاد الألم مرّة أخرى إلى روحي، وطاف في كلّ كياني، ووصل إلى عمق عظامي. نظرت إليه وقلت والحزن يغمرني: "استشهد!..". تجمّد في مكانه للحظة، كأنّه لم يكن يريد أن يصدّق. لم يكن يحب أن يصدّق أنّ ذلك الشاب الذي كان دائماً يترجّل من السيّارة هنا، ويسأل عن حاله ويساعده، بينما كلّ السيّارات كانت تعبر من أمامه من دون حتّى أن ينظر سائقوها إليه، استشهد الآن! كم سنةً مرّت وهو يبيع المناديل الورقيّة بهذه العصا، وبقدمه المبتورة، عند هذا التقاطع؟! لا أعلم. کان "سيّد علي" يشتري دائماً كلّ مناديله. ذات مرّة ضحكت وقلت له: "ماذا تريد أن نفعل بكلّ هذه المناديل؟ لقد ملأتَ السيّارة بها؟!"، صار يضحك، ولم يقل أيّ شيء. وضع يديه المتعبتين على وجهه المرهق، وبدأ يبكي في الشارع. كنت أنظر إليه بصمت. دمعت عيناي. قلت في نفسي: "أنت لا تعرفه كثيراً وتبكي هكذا، فكيف عساي أبكي وأنا الذي أعرفه جيّداً؟". أعرف أنّك لست وحيداً. هل تعلم أنّ كلّ الفقراء في الكثير من شوارع حلب المزدحمة كانوا يعرفونه؟ عندما يرون سيّارته يركضون إليه مباشرةً وينادونه: "سيّد علي، سيّد علي". كان يترجّل من السيّارة ويكلّمهم جميعاً، وعندما يركب السيّارة من جديد، كنت أضحك وأقول له: "هل بقي شيء في جيبك؟! قريباً ستكون فقيراً مثلهم. يكفي. لو تستمرّ هكذا لن يبقى لديك شيء". كان يضحك. لست أنت فقط من بكى. أبو سليمان الذي كان يعمل في محطّة البنزين، أيضاً بكى. مَن كان يهتمّ بأبي سليمان وبملابسه المتّسخة ورائحة البنزين إلّا سيّد علي؟! من كان يهتمّ بأبي علي في المستودعات العسكريّة، القابع بين التراب والغبار، إلّا سيّد علي؟!

•كيف لا أبكي؟
أنت لا تعرفه وتبكي هكذا. كيف لا أبكي وأنا الذي قد رأيت صلاة ألف ليلة وليلة! حتّى عندما كنّا نعود في منتصف الليل من أصعب المهمّات، كنت أراه كيف يصلّي، بينما أنا لم أكن أستطيع أن أفتح عينَيّ أو أن أقف على قدمَيّ حتّى! كنت أبحث عن أوّل مكانٍ لأرمي نفسي فيه وأنام، ولو من دون تلك البطّانيّة القديمة. أنت لا تعرفه وتبكي هكذا. كيف لا أبكي وأنا الذي عرفت أنّه في كلّ يوم يقرأ سورة الأنعام في السيّارة، في الطريق، وقت الاستراحة، بعد الصلاة، وقبلها؟ كيف لا أبكي، وأنا الذي كنت أراه كلّ يوم يصلّي صلاة جعفر الطيّار مرّتين: مرّة بعد صلاة الليل، ومرّة بعد صلاة الظهر. هل تعلم ماذا تعني صلاة جعفر الطيّار؟ ربّما يصعب علينا أن نصلّي هذه الصلاة مرّة واحدة في كلّ حياتنا. أمّا هو، فقد كان يصلّيها مرّتين في اليوم! هل تصدّق؟! لقد كانت هذه وصفة أحد العلماء لمن كان يبحث عن الشهادة.

كنت أنظر إليه من نافذة السيّارة، كان الشاب يبكي بصمت، وكنت أشاهد ملابسه القديمة والمتّسخة. شعرت أنّه يحمل على كتفَيه الضعيفتَين جبلاً من الهمّ والتعب. تعب أيّام الحرب والدمار، تعب الفقر والإهانة في شوارع حلب المزدحمة، من أجل رغيف الخبز. وكنت أتذكّر ابتسامة "سيّد علي" وملامحه الجميلة. للحظة نسيت أنّني في التقاطع وعند إشارة المرور. أخرجتني من أفكاري أصوات أبواق السيّارات من خلفي. أحدهم أخرج رأسه من السيّارة وقال: "هل نمت وسط الشارع؟!". تركته وعصاه ومناديله الورقيّة في الشارع، لكنّني ما زلت أراه من مرآة السيّارة الصغيرة جالساً على حافّة الرصيف، وكتفاه تهتزان من شدّة البكاء.


(*) استشهد في سوريا، بتاريخ 28/2/2020م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع