مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

الشهيد المجاهد أسامة رضا حمودي (باقر)

نسرين إدريس‏

 




اسم الأم: فاطمة نور الدين‏
محل وتاريخ الولادة: صريفا 9/8/1972
مكان وتاريخ الاستشهاد: الشهابية 4/4/1992

بين جبهته السمراء وتربة السجود مدّ ياسمين العشق أطرافه صوب السماء ليفوح عطر أنفاسه العابقة بأريج تراب الجنوب الندّي من دماء الشهداء وعرق المجاهدين... وغرَّدت عصافير الجنّة بصوته الشجي المودَعِ في أفئدة كل من عرفه، يترنم بأجمل أنشودةٍ قالها: "أمي وداعاً يا ضياء عيوني، لا تحزني إن ما سمعت أنيني"... وغاب أسامة في لحظات اشتعال الأنين، غير أنه حتى في أوقات غيابه، يحفظ الجميع كلماته التي ما فتئت تضغط على الجرح: "سعادتي أن ألقى سيد الشهداء مرفوع الرأس مخضباً بالدماء"...

هذا هو أسامة... ربيب المحاور مذ كان في سن الثامنة، يكاد يكون السلاح أطول منه، ولا يأبه لبردٍ أو قيظ، ولا تهفو نفسه لنومةٍ عميقة، بل كان يتدرب ويتعلم أن يكون مجاهداً... وقد رآه إخوته في المنزل كيف كبر قبل أوانه، وكان يجلس بينهم ليفهم ويعي مجريات الأمور السياسية على الرغم من أنه بعمرٍ لا يمتُ لمرحلة البحث عن الانتماء وتكوين الذات بصلة... وصارت والدته تنظر إليه بدهشة عندما يخرج معها إلى السوق لمساعدتها، كيف أن الأخوة المجاهدين كلما رأوه اقتربوا منه ليسلموا عليه، وهو فتى في العاشرة، ويحملونه ويقبلونه ويتحادثون معه كأنه شاب عشريني... ولم يؤثر مكوثه في المحاور على تميزه في دراسته، فقد وازى بين دراسته وبين تطوير مستواه العسكري، وما تميّز به الشهيد أسامة صراحته بمجاهرته بالانتماء للمقاومة الإسلامية في الزمن الصعب، بالمقابل لم يعرف أحد ماهية عمله في المقاومة إلا بعد استشهاده، فقد كان من أبرز المشاركين في العديد من العمليات العسكرية والنوعية منها، ودليلاً لمجموعات المقاومة في الداخل المحتل انذاك، وقام بزرع العديد من العبوات وشارك في الكمائن... وعندما كان يعود من الجنوب وتجتمع العائلة حوله ليسألوه عن عملية ما سمعوا عنها في الإذاعة ويكون هو من المشاركين فيها، يتنهد وكأن في قلبه حرقة، ويقول: "وكيف أصل إلى مقام أولئك المجاهدين، فأنا لا أكاد استحق أن أكون خادمهم أؤمن الطعام والمياه لهم"...

كان أسامة شاباً متميزاً محبوباً من الصغير والكبير، فهو بين أصحابه الرفيق المرح صاحب الابتسامة التي لا تغيب والضحكة التي تبعث في القلب أملاً رقيقاً، وقد كان من بين أربعة مجاهدين هو خامسهم، أبرموا العهد سوياً على المضي قُدماً في طريق الجهاد والاستشهاد. أما في الجنوب، حيث قرر المكوث بعد أن أنهى المرحلة الثانوية واثر العمل على المحاور عوض الانتساب إلى الجامعة التي كانت حلمه، فكان المحور مكانه؛ حيث يُصلّي على التراب ونجوم السماء تُضي‏ء تقلبات كفيه في ليل المتهجدين، هناك، في دنيا مجاهدي المقاومة الإسلامية عاش أسامة عند بدايات تفتح زهرة شبابه حيث نحت روحه برؤوس أقلام الرصاص المدوي في سبيل اللّه... وعندما بدأ الغياب يُملي بحبره على صفحات الوجود، وأفلت الرفاق أيديهم واحداً تلو الآخر من أيدي بعضٍ، ليتسابقوا نحو الحبيب الأوحد؛ وجد أسامة نفسه وحيداً يمشي نحو مسجد الإمام الرضا في بئر العبد ليؤدي صلواته الخمس كما تعود طوال فترة تواجده في بيروت، وقد غاب عنه الشهداء الأبرار رفاق دربه؛ سليمان صبرا، علي نور الدين، أحمد الزين... وبقي هو في إحدى زوايا المسجد يشكو من وحشةٍ مُرة، متمنياً في كل لحظة أن تكون هذه صلاته الأخيرة في المسجد الذي تميّز بعلاقة غريبة معه، وما خفف من ألم الفراق هو بقاء رفيقه أحمد دبوق، في قرية خربة سلم. بعد استشهاد الشهيد علي نور الدين، اقترح والد أسامة عليه أن يسافر إلى سويسرا ليؤمن مستقبله، ولم تُجدِ معارضة أسامة للسفر شيئاً، فحزم الحقائب على مضض وسافر تاركاً روحه في بئر العبد... وبعد أحد عشر شهراً عاد أسامة إلى بيروت وقد حسم خيار البقاء في محاور الجنوب حتى آخر يوم في حياته.

بعد عودته إلى المحاور بدأ أسامة بتدوين مذكراته اليومية بهدف مراقبة نفسه، فدوّن أدق التفاصيل التي حصلت معه خلال الأيام في دفترٍ صغير يرافقه أينما ذهب، وصار يكتب مقتطفات من وصاياه أو أبياتاً من الشعر التي يؤلفها على كل أقصوصة ورقة بيضاء تقع تحت يده ويمهر إمضاءه عليها، أو يحفرها على الخشب وكأنه بذلك أراد أن يترك العديد من الذكريات لأهله. اللقاء الأخير مع أهله كان في إحدى أمسيات شهر رمضان المبارك، وقد تلّون وجهه بإيحاءات غريبة لم يستطع أحد أن يعرفها... بعد يومين حزم حقيبته وودع أمه وغادر، وكانت تلك المرة الأولى التي تخرج فيها الأم إلى الشرفة وتراقبه وهو يبتعد قليلاً ثم يستدير ويلوح لها بالوداع، حاولت جهدها أن تدخل قبل أن يغيب عن ناظريها ولكنها لسبب جهلته بقيت متسمرة على الشرفة حتى بعد أن اختفى بين الأبنية والأزقة... كانت مهمة أسامة الأخيرة الدخول إلى عمق المناطق المحتلة كدليل لثلاثة مجاهدين مكلفين بعملية عسكرية، وكان يومياً ينسحب ليؤمن لهم الطعام والشراب ويعود إليهم. بعد ثلاثة أيام كان أسامة فيها بغاية الإرهاق، استيقظ باكراً بعد نومة قصيرة وأدى صلاة الصبح قبل الانطلاق إليهم، وطلب إلى رفيقه أن يصحبه إلى قرية الشهابية في مهمة صغيرة مكلف بها قبل أن يدخل إلى الداخل المحتل، وخلال الطريق أخبر أسامة رفيقه بأنه عندما يعود سينام نوماً عميقاً. استغرب الأخ لمعرفته بأن أسامة يجب أن يلتحق بالمجاهدين الثلاثة، وأثناء عودتهما، تعرّض أسامة لحادث سير مروع فبقي في المستشفى في غيبوبة دامت سبعة أيام، وفي يوم عيد الفطر، وبعد خيوط الفجر الأولى استشهد في المستشفى، وفي اليوم نفسه قام الطيران الإسرائيلي بقصف الأحراج في الجنوب ما أدى إلى استشهاد المقاومين الثلاثة الذين كان أسامة دليلهم، فكأنما تواعدوا مكلَّفين بمهمة واحدة العروج إلى اللّه سوياً، فهنيئاً لهم تلك الشهادة الميمونة ؟

* من وصيته:
"استعينوا بالصبر والصلاة واملأوا المساجد لأنها متاريسنا ومنها المنطلق، وقدموا ما بوسعكم لإزالة الجرثومة السرطانية إسرائيل، واسلكوا النهج الصحيح الذي يوصلكم إلى السعادة، هو النهج الذي أوصينا به منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله؛ نهج الدفاع عن القدس والأماكن المقدسة؛ وهو نهج حزب اللّه والمقاومة الإسلامية المظفرة".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع