مقابلة: في رحاب وليد الكعبة عليه السلام الإعلام الحربي: ذاكرة المقاومة العدسة بعبق الشهادة الإعلام المقاوم: المفهوم والتأسيس مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*) أخلاقنا: الذرّيّة الصالحة..حياة(*) الحاج قاسم سليماني عن قـرب الشهيد المهندس.. في القلب والذاكرة

شهيد الدفاع عن المقدّسات خضر نصر الله نصر الله (رضا)

نسرين إدريس قازان


اسم الأم: زهرة كرشت.
محل الولادة وتاريخها: قانا 1/1/1983م.
رقم القيد: 118.
الوضع الاجتماعي: متأهل وله ولد.
تاريخ الاستشهاد: القصير 28/5/2013م.


وضربت الأمُّ كفّاً بكفّ.. وأطبق قلبها على همٍّ أغمّها، فقد حملت في وقت كبُر فيه أولادها قليلاً، والحرب تنهش الأيام، والفقر يسكنُ أعتاب الأبواب، وكادت أن تتمنّى لو لم تُرزق به لولا أنّ لسانها لهج بالدعاء بأن يكتب الله هذا الجنين من الصالحين كما كتَب اللطف الإلهي له الحياة.

* ولادة وشهادة
في أقصى لحظات عدم استقرار الأوضاع الأمنيّة، حان موعد قدوم خضر إلى الحياة، فزارت الأمُّ أهلها في قريتهم "قانا" لتضع مولودها، هرباً من الأحداث الدامية في بيروت، على أن تعود إلى بيتها في الشياح ريثما تهدأ الأوضاع التي سرعان ما تدهورت إثر اجتياح العدو الصهيوني لبيروت.. وعوض أن تنتظر والدة خضر وأبناؤها قدوم زوجها للاطمئنان عليهم، انتظروا نعشاً أودع فيه شهيداً مظلوماً إثر القصف الإسرائيلي لبيروت..

يتيماً صار ابن الأشهر القليلة.. ووحيداً بين أخواته البنات بعد وفاة أخيه الأكبر فجأة، وبين فكّي كمّاشة الوجع والخوف، مكثت الأم مع أولادها في القرية بعد أن تبرّع أحدهم بغرفة صغيرة اتّسعت لتكاتفهم ولصبرهم وعزّة نفسهم إلى أن تدبّروا أمورهم..

* طفولة في ظلّ رضا وكفاف
فتح خضر وعيه على تعبِ أمّه وسكوتها وابتسامة رضىً لم تغادر شفتيها. فأولادها من حولها أنسوْها همّ الحياة وهي تخيطُ الثياب لتؤمّن كفاف يومها. وقد أوصت أولادها بعدم قبول أيّ مساعدة من أحد، ولكن إذا ما دسّ بعض المحبين خلسة مصروفاً لخضر في جيبه وهو طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره، كان يقصد الدكّان المجاور ليشتري لأمّه ما تحتاج إليه من أغراض للمنزل. ولأنّه ابن شهيد مدنيّ قتله العدوّ الصهيوني، فقد ترعرع في كنف مؤسّسة الشهيد التي كانت داعماً له في حياته الشخصيّة والدينيّة والجهاديّة. وقد بقي في ظلّ رعايتها حتّى انخرط في صفوف المجاهدين. ولم ينسَ خضر أبداً لحظة لقائه الأمين العام سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) حينما كان ضمن وفد أبناء الشهداء، يومها لاطفه سماحة السيد بأنّه يحمل الشهرة ذاتها.

* لا يهاب المخاطر
هذا الطفل الواعي منذ صغره، المدلّل كيفما دار، لم يترك فكرة من اللعب واللهو والشيطنة تعتبُ عليه، فكان مبدعاً في اختراع الألعاب، وخصوصاً تلك الخطرة التي يتباهى بها أمام أقرانه، فإنْ خرج خضر للعب، ترى الجيران يصطفّون على الشرفات للنظر إليه ومراقبته؛ خوفاً عليه من أذية نفسه، فالكلّ يحبّه ويحنو عليه..

متمردٌ وحرٌّ أحبّ أن يكون، ولكنّ خوف أمّه عليه دفعه إلى تغيير شخصيته، ورضخ لمراقبتها الدائمة له، بدءاً من الفرائض العبادية الواجبة وحتّى أصغر تفصيل في تعامله مع الآخرين.

* في خدمة الناس دائماً
تميّز خضر بفكره الوقّاد وذكائه الذي ترجمه في الأعمال العديدة التي أتقنها ووضعها في خدمة الناس، فبعد أن ترك المهنيّة التي درس فيها سنة "هندسة إلكترونيك" بحث عن عمل يُتقنه، فكانت الدراجة النارية التي ادّخرت ثمنها أمّه لتفرحه بها نافذة إبداعه، فسرعان ما تحوّلت إلى قطع متناثرة ليجرب إعادة جمعها ونجح في ذلك، ما دفعه لفتح محلّ إصلاح الدراجات، ولكن كان أكثر عمله قربة إلى الله تعالى، لا يأخذ أجرة على عمله، وهذا ما دفعه إلى إغلاق محلّه باكراً.

ومن إصلاح الدراجات إلى الطلاء، وأعمال الديكور، وتمديد الكهرباء، وهواية إصلاح الأدوات الإلكترونيّة وخصوصاً الصعبة، ومعالجة نشّ السطوح، كلّها مهن لم يعمل بها ليقتات منها، بل كان هدفه أن يخفّف عن الفقراء ورفاقه المجاهدين من دفع تكاليفها.
 

* أريده أن يستشهد بعزّة وكرامة
هي الشهادة تورث الجهاد.. ومن حُرم من كلمة "أبي" قبل أن تفكَّ شفتاه حروفه الأولى، أدرك باكراً جداً أن لا حياة عزيزة ما لم يُبذل الغالي والنفيس، فالعدوّ ذئب متربّص، ولكن مَن مثل "خضر" يتيم ووحيد والدته، لا أمل له في قبول طلب انتسابه إلى قافلة المجاهدين، وما إن أخبر خضر أمه برفض طلبه، حتّى أخذت بيده والغضب يعلو تقاسيمها الجنوبية، وذهبت بنفسها وأصرت على مناقشة موضوع ابنها مع المسؤول في مركز التعبئة الذي برّر لها سبب الرفض، فسألته بحدّة: إذا اجتاحت إسرائيل فهل ستترك ولدي ولن تأسره أو تقتله، لأنّه وحيدي؟ فلما أجابها بـ: "لا"، قالت: دعوا هذا الفتى ينخرط معكم وليستشهد بعزّة وكرامة..

التحق خضر بصفوف المجاهدين، وخضع للعديد من الدورات العسكريّة التي تميّز بها لمهارته العالية في تنفيذ التدريب ما أهّله سريعاً أن يصبح واحداً من المدرّبين. وقد حمل خضر شخصيتين مختلفتين، ففي العمل هو الجادّ والصارم الملتزم بالقوانين، وفي أوقات الفراغ هو المازح المرح الذي يتحيّر كيف يخدم رفاقه، يحضّر لهم طعام على المائدة ويظلّ واقفاً لكي يخدمهم ويلبّي حاجاتهم.

* في ميدان التفاني والإيثار
في حرب تموز 2006، التحق خضر بمكان عمله حيث كانت مهمته نقل الأسلحة والعتاد، وقد أصيب بآلام قوية في رقبته لازمته بقيّة حياته.

وعندما تزوّج خضر ورزق بولد، تعلّق قلبه بطفله الصغير الذي كان يرى في عينيه اليتم قبل أن يمضي إلى الأجل الذي يريد، فمع اندلاع المواجهات مع التكفيريين، حزم خضر حقائبه للالتحاق بالمجاهدين، ولكنّ طلبه قوبل بالرفض؛ لأنه وحيد أمه، فلم يقنع بالجواب، وذكّرهم بأن أمّه هي التي ساعدته على الانضمام إليهم، فأثمر إصراره قبولاً، وبعد مشاركات عديدة، كانت معركة القصير، الميدان الذي أبدع فيه، فكان التفاني والإيثار والشجاعة. وقد أذاق العدوّ طعم رصاصاته المرّ إلى أن استشهد ومجموعة من رفاقه بعد استهدافهم بالقذائف المحرّمة دولياً.

استشهد خضر بطلاً عزيزاً كما أرادته أمه... وسيكبر طفله يتيماً مثله ليكون بطلاً عزيزاً..

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع