نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

شهيد الدفاع عن المقدَّسات حسين صلاح حبيب

 

نسرين إدريس قازان


اسم الأم: سهام الطفيلي
محل وتاريخ الولادة: بعلبك 20/4/1984
الوضع الاجتماعي: متأهل وله ولدان
رقم السجل: 701
تاريخ الاستشهاد: 14/4/2013.



ورنّ الهاتف برقمه ذات ليلة بعد غياب.. فسابق القلبُ الأثير ليسمعَ همسة تُطَمئن البال المسكون بالقلق. وما إن جاء الصوتُ كزعيقٍ في الفلاة، أطبق السكون على الوجود، واكتسى الانتظار حلّة المرارة. لقد وقع حسين أسيراً في أيدي التكفيريين الذين احتاروا كيف ينكّلون به بما يزيدُ من حرقة قلب أهله، غير مدرِكين أنّ هذا المجاهد، إنّما سمّاه والده "حسيناً" -متجاوزاً التقاليد الاجتماعية بتسمية البكر على اسم الجدّ- عشقاً للإمام الذي قدّم رأسه لأجل أن يستقيم دين الله.

*ربيب البيئة المقاومة
حسين ابنُ العائلة الملتزمة وربيب البيئة المقاومة، نشأ وإخوته الصبية تحت رعاية أبيهم الجنديّ في الجيش اللبنانيّ، والذي دأب على تدريبهم منذ صغرهم على ما ينمّي عندهم روح الشجاعة والإقدام والتضحية، فما يلاقونه في البيت من راحة وحنان، يُنحتُ في الوعر بخشونة الحياة وشظف العيش، حيث لا ضمادة للجرح، ولا وسادة للتعب، فمن يرزح جزءٌ من وطنه تحت وطأة الاحتلال لا بدّ له من جيل مقاوم.

*عباءة السيّد عبّاس
وللمقاومة مع حسين قصةُ حبٍّ منذ صغره لم يفقهها أحد، فهو لم ينظر إليها كما يراها الصِّبية؛ مجموعة تحمل السلاح وتقاتل، وترافق ذلك مغامرات وتشويق تحفُّ بالموت؛ بل رآها تُشبه تلك العباءة التي كان يجلسُ في أحضانها؛ هي أرض وسماء، ومحراب صلاة، وعشقٌ إلهيّ، هي رصاصةٌ من لحمٍ ودم.. إنها عباءة الأمين العام لحزب الله الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ قدس سره، الذي كان ما إن يدخل الحاج صلاح مع أولاده إلى المسجد في بعلبك، حتّى يفتح عباءته ليُجلس حسيناً على ركبته ويُدثِّره بها. وقد استغرب كثيرون هذا التصرّف الدائم مع حسين، ولم يكن السيّدُ ليفصح عن مكنونات نفسه تجاه هذا الصبيّ إلّا بما تدركه عقول مَنْ حوله، فما بين القلوب والعيون أسرار لا يدركها إلّا العاشقون.

وأيّ حزنٍ أصاب هذا الفتى عند استشهاد سيّده؟ لقد تصدّعت روحه وتزلزل كيانه، واشتاق أن يمضي إليه، ولكن السبيل إلى ذلك بعيد، ودربه صعب وشاقّ إلّا على الذين عزموا على ذلك.

*مراقبة دائمة للنفس
كان حسين صاحب شخصية محبّبة منذ صغره. أجاد حَبْكَ علاقات اجتماعيّة من دون أن يقتصر ذلك على أترابه، بل رافق الكبير والصغير، وتميّز بكرمه الزائد. فمنذ صغره كان عندما يزورهم أحد يُربك والدته بكثرة طلباته. ولم يجد في إقراء الضيف منذ لحظة وصوله شيئاً معيباً، بل على العكس، يجب إكرامه منذ لحظة دخوله المنزل إلى لحظة خروجه.

"التفاصيل"، هي أكثر ما كان حسين يهتمّ به، إذ وضع نفسه تحت مجهر المراقبة الدائمة، فكان يحسب لكلّ خطوة وكلّ كلمة حساباً، خصوصاً وأنّ شخصيّته أثّرت كثيراً في الآخرين، فترى رفاقه والمقرّبين منه، يحاكون بتصرفاتهم ما يقوم به عن غير قصدٍ منهم، فهو قد وضع لكلّ شيء برنامجاً، وكان يخطّط لكلّ ما ينوي القيام به، وقد حرص على أن لا يعاتبَ أحداً على ما يعتبره كلّ الناس تقصيراً.

*حياة مهاجر إلى الله
بهذه الشخصية الملتزمة الواعية التحق حسين بصفوف المقاومة. وكان لا يزالُ صبيّاً، وكبر في هذه الطريق التي اختارها وشجّعه عليها والده الذي احترم كثيراً السريّة التي أحاط بها عمله، وخصوصاً، بعد أن أنهى دراسته وبدأ العمل في صفوف المجاهدين، حيث أوكلت إليه بداية أعمال مكتبيّة إداريّة، لم يفوّت فرصة حينها للتخلّص منها، فمن كان مثله لا يتحمّلُ جلوس المكاتب، بل يسكنُ الوعر ويعيش حياة المهاجرين إلى الله في المحاور، فاقتنص الفرصة الأولى ما إن لاحت ليلتحق بعملٍ تسكنُ فيه نفسه.

تزوّج حسين ورزق بولدين، وكما عامل نفسه، عامل زوجته وولديه على صغر سنّهما، فثمّة برنامج عباديّ لا بدّ من الالتزام به، ليخفّف عن النفس عبء المسير. وكان قدوةً لمن حوله في التزامه وحرصه الشديد على دينه، ومثلاً يُحتذى بالمواظبة على صلة الرحم، في زمن قلّت فيه زيارات الناس بعضها لبعض. وكان يرى في تلك الزيارات ما هو أبعد من الجلوس والحديث، وكأنه يُدرك أنّ ما يقوله أو يفعله إنما سيبقى ذكرى في النفوس وربما يكون حافزاً للقيام بفعل يرضي الله سبحانه وتعالى.

*وتجدّدت كربلاء
كان من الطبيعيّ جدّاً أن يلتحق حسين بالمجاهدين في سوريا، ولم يكن ليترك أيّ شكّ عند أيٍّ من والديه وإخوته وعائلته أنّه قد يكون هناك. فالغموض الذي يكتنفُ المعركة في بدايتها، فرضَ السريّة في العمل.

لم تكن المعركة في سوريا معركة عادية، بل كانت كربلاء متجدّدة برز فيها خيرُ المجاهدين ذوداً عن حُرَم رسول الله، وتضحية فداء لصاحب الغيبة الكبرى.. كان مشهداً يؤلم القلوب تلك الغربة التي اكتنفت أرضاً لطالما وسعت القاصي والداني. وقد ذبلت الحياة ويبست الأرض، حتى المآذنُ كساها صمت رهيب. وقد دمعت عينا حسين ذات مرة عندما رأى مئذنة مسجد لا يبعد كثيراً عن مكان وجودهم، وقال لرفيقه: "لو كان هذا المسجد تحت سيطرتنا لما منعناهم من دخوله للصلاة إن كانوا يؤدّون الصلاة!".

*أنْسَت رزيّتكم رزايانا
أيام قليلة مرَّت على ترك حسين عائلته وأهله مُخفياً مسيره، حيث وجهته كانت سوريا، حيث خاض مواجهة مع التكفيريين استشهد على أثرها وأُسر جثمانه المبارك. وقد ضجَّت مواقع التواصل الاجتماعيّ التابعة لهم بخبر أسره، وتمَّ نشر صوره ظنّاً منهم أنّ هذا الأمر يشكّل نصراً لهم، غير مدركين أنّ مَنْ تخرَّج من مدرسة كربلاء يحفظُ عن ظهر قلب: "أَنْسَتْ رزيتكم رزايانا التي سلفت وهوّنت الرزايا الآتية". وبعد أشهر على استشهاده استُرجع جثمانه المبارك ليوارى في ثرى الأرض التي عشقها، فهنيئاً له فقد نال بما صبر جنات تجري من تحتها الأنهار.
 

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع