أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ فقه الوليّ | من أحكام تذكية اللحوم (2) نور روح الله | بالدموع الحسينيّة قضينا على الاستكبار* ‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1)

مشهدُ الطّاعة في ميدان الابتلاء

د. محمد دكير


من يقرأ القرآن الكريم، يكتشف أنّ الابتلاء سُنّة إلهيّة جارية في حياة الأفراد والمجتمعات، لا يُستثنى منها مؤمن أو كافر، غنيّ أو فقير، حاكم أو محكوم، عالِم أو جاهل. وقد تحدّث القرآن عن هذه السُنّة بوصفها محطّة للتربية الإيمانيّة، والتمحيص، والكشف عن حقيقة الإيمان وصدق العبوديّة، ومدى الثبات والإخلاص، والاستعداد للتضحية في سبيل الله والحقّ والطاعة والاستقامة.

*سُنّة الابتلاء في مسيرة الأنبياء عليهم السلام
لم يكن الأنبياء والرُّسل بمعزل عن هذه السُّنّة الربّانيّة، بل كانوا في طليعة من تعرّضوا لأشدّ صور الابتلاء والاختبار، باعتبارهم القدوة والأسوة، فهذا إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، تعرّض لابتلاءات متعدّدة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: 124)، ويوسف عليه السلام، الذي أُلقي في غيابات الجُبّ وبيع بثمن بخس، ليدخُل السجن بعد ذلك ظلماً وعدواناً: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (يوسف: 35). وهذا موسى عليه السلام وقد واجه ظُلم فرعون وعلوّه في الأرض، رضيعاً وشابّاً ونبيّاً مُرسلاً، وقد تعرّض لابتلاءات شتّى. وكذلك أيوب عليه السلام، الذي ابتُلي في جسده وماله وولده: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)، وعيسى ابن مريم L، الذي تآمر عليه اليهود لقتله وصلبه، لولا أنْ رفعه الله إليه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: 55). أمّا رسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله P، فقد تعرّض لشتّى أنواع الابتلاءات، من التكذيب، والحصار، والتشريد، إلى الهجرة، وما تبعها من حروب ومُؤامرات لقتله، ما جعله يقول: «ما أُوذيَ نبيٌّ مثلما أُوذيتُ»(1). إنّ هذه النماذج كلّها تُظهر أنّ الابتلاء طريق الأنبياء، ومدرسة الصالحين، ومنهج لترسيخ الإيمان والتسليم.

*الابتلاء في التربية الإيمانيّة
في مشهد عظيم من مشاهد العبوديّة والطاعة، يُصوّر لنا القرآن الكريم حادثة عظيمة، تجلّت فيها معاني الفداء والتّسليم، والتجرّد من جميع التعلّقات الدنيويّة، واقتران الإرادة البشريّة بالأمر الإلهيّ؛ إنّها رؤيا الذبح، التي عُرضت على قلب نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، فاستجاب لها بقلبٍ مُطمئن، ويقينٍ راسخ، وشارك فيها –أيضاً- ابنه إسماعيل عليه السلام، بقلب سليم، وعزيمة الصابر المُنيب. يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102).

1. اختبار التعلّق القلبيّ: لم يكن ما رآه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام مُجرّد رؤيا، بل وحياً إلهيّاً يقتضي تصديقه تأويلاً، حيث أدرك عليه السلام أنّ فيها دعوة للتّجرُّد من كلّ حُبٍّ في قلبه سوى حُبّ الله، واختباراً لما تبقّى من تعلّق قلبيّ، وإنْ كان ذلك منسجماً مع فطرة تعلُّق قلب الأب بولده الحليم، هذا الولد الذي رُزق به بعد طول انتظار. ولم يكن إسماعيل بغافل عن هذا المعنى، بل أدرك أنّ عليه هو أيضاً، أن يرتقي في مدارج الطاعة، ويقدّم نفسه قرباناً لله، طاعةً وامتثالاً، فاستسلم كلاهما، وكانا مثالاً في الإيمان والتضحية والتسليم. يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ*وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ *وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: 103- 107).

2. التسليم المطلق: هنا، تتجلّى عظمة الإيمان، حين يبلغ العبد منزلة التسليم الكامل لأمر الله، من دون اعتراض أو تردُّد، حتّى في أعظم ما تملكه النفس: الأهل والولد، إنّه البلاء المبين، كما وصفه الله في كتابه: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (الصافات: 106). لكنّ إبراهيم وابنه L نجَحا في هذا الابتلاء المُبين، فاستحقّا الفداء والتكريم، والذِّكر الحَسن في العالمين، وتحوّل ابتلاؤهما إلى شعيرة دينيّة عالميّة، وصارت المِحْنة مَكرُمة، وانتهى الامتحان بنيل إبراهيم عليه السلام، درجة الإمامة والإحسان والخُلّة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124)، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: 125).

أمّا إسماعيل عليه السلام، فقد شهد له القرآن بصفات جليلة؛ النبوّة والرسالة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم: 54)، ومقام الرِّضا الإلهيّ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: 55)، ومقام الصابرين الصالحين: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنبياء: 85)، ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنبياء:86).

لقد خلّد الله هذه الحادثة في كتابه الكريم، وجعلها مَعْلَماً في مناسك الحجّ، وشعيرة عظيمة تتكرّر كلّ عام في عيد الأضحى، إذ تُذبح ملايين القرابين تذكيراً بذلك القُربان الأعظم.

*دروس مُستفادة من مدرسة القُربان
انطلاقاً من هذا السرد لقصّة ابتلاء النبيّ إبراهيم عليه السلام، يمكن الاستفادة من مجموعة دروس، أهمّها:

أوّلاً: محطّة ارتقاء
إنّ رؤيا إبراهيم عليه السلام وحادثة الذبح والفداء، لم تُعرض علينا في القرآن الكريم لمجرّد السّرد التاريخيّ، بل هي خطاب تربويّ لكلّ مؤمن ومؤمنة، في كلّ زمان ومكان، بأنّ الطريق إلى المقامات العليا محفوف بالابتلاءات، وأنّ الامتحان والابتلاء قد يبلغ ذروته، حين يُطلب من الإنسان أن يُضحّي بأعزِّ ما عنده، بنفسه وماله وولده، في سبيل الله وطاعته. لكنّ النتيجة مضمونة؛ فمن نجح في الامتحان رفعه الله.

ثانياً: الابتلاء سُنّة إلهيّة مُطّردة
إنّ من أعظم الدروس التي نتعلّمها من قصّة رؤيا إبراهيم عليه السلام، هي أنّ الابتلاء سنّة إلهيّة ماضية في حياة الناس جميعاً، وعلى رأسهم الأنبياء والمؤمنين. «سُئِلَ رسولُ اللهِ: أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً في الدنيا؟ فقال: النبيّون ثمّ الأمثلُ فالأمثلُ. ويُبتلى المؤمن بعدُ على قدرِ إيمانِه وحُسنِ أَعماله، فمن صَحَّ إيمَانُه وحَسُنَ عملُه اشتدَّ بلاؤه، ومن سَخُفَ إيمانُه وضَعُفَ عملُه قَلَّ بلاؤه»(2).

إنّ الابتلاء في حياة الأنبياء والأتقياء، لا يكون عقاباً أو دليلاً على سخط الله، بل هو اختبار لإيمانهم وصدقهم وصبرهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك: 2)، وأحسنُ العمل عند الابتلاء، هو التسليم والرّضا بالقضاء والقدر، والصبر والشكر، وعدم الجزع، والاسترجاع: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156).

*ثالثاً: الابتلاء مدرسة للتّمييز والتّمحيص
من أهمّ الدروس المستفادة من مدرسة الابتلاء، أنّه يُعلِّمنا أنّ التضحية في سبيل الله، قد تكون بكلّ غالٍ ونفيس لدى النفس، وهذا يُلامس جوهر التربية الإيمانيّة في القرآن الكريم، إذ يُظهر كيف أنّ الابتلاء ليس اختباراً للإيمان فحسب، بل وسيلة لصقل النفس، وبيان صدق العبوديّة والاستعداد للتضحية والطاعة مهما كان الثمن.

وبحسب طبيعة الاستجابة للابتلاء، يتمّ تمييز المؤمن القويّ من الضعيف، والصادق من الكاذب أو المدّعي، ومن يستمرّ على الإيمان والاستقامة، ومن ينقلب على عقبيه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾(العنكبوت: 3). إنّ الفائز الحقيقيّ في هذه الحياة، ليس من نجا من الابتلاء، أو مَنْ لم يُبتلَ ولم يُمحَّص، بل مَنْ نجح في جميع محطّات الابتلاء والاختبار المُستمرّة، وخرج منها أقوى إيماناً وطاعة وامتثالاً، وأنقى قلباً، وأقرب إلى الله عزّ وجلّ.


(1) كشف الغمّة، العلامة الإربليّ،ج 3، ص 346.
(2) الكافي، الشيخ الكلينيّ، ج 2، ص 252.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع