الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة المراسم الحسينية في البقاع.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ من انتصر في الحرب؟ «حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم المبادرات الفرديّة في الأزمات...جبهةٌ أخرى (2) أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ

تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ

تحقيق: نور رضا

على مدى أعوام إقامتي المتتالية في إيران، كنت أقصد ساحة الثورة أو ما يُعرف بالفارسيّة لدى كثيرين بـ”ميدان انقلاب”، للمشاركة في شتّى المناسبات التي كانت تُقام هناك؛ ومنها: ذكرى انتصار الثورة الإسلاميّة، حيث تُفرش خيم النشاطات المتنوّعة على جانبي الطريق الممتدّ من ساحة الثورة وصولاً إلى ساحة الحريّة (ميدان آزادي)، وكذلك يوم العاشر من المحرّم، وغيرها من المناسبات الدينيّة والثقافيّة.

*شوارع طهران تحتضن المحبّين
كان لـ”ميدان انقلاب” هذه المرّة نكهة مختلفة؛ فبينما كنّا سابقاً نرتاده لتشييع شهداء الجمهوريّة الإسلاميّة، فترتفع أصواتنا عالياً ونحن نردّد كما في العاشر من المحرّم: “لبّيك يا حسين”، إذ بنا نشيّع هذه المرّة شخصاً مختلفاً. حالي كحال الكثيرين في إيران العزيزة وخارجها، إذ لم أتخيّل يوماً أن أمشي في تشييع نائب وليّ الله الأعظم الإمام الخامنئيّ الذي كنّا في كلّ مرّة نلتقي فيه نصرخ بأعلى أصواتنا: “روحي فداء لك يا قائدي”.

كلّ من كان في طهران ومشهد وقمّ وشارك في مراسم الوداع الأخير، ذرف دموع الفراق والشوق على ذاك القائد الزاهد، صاحب النعل الممزّق الذي التقطته عدسات المصوّرين في بعض اللقاءات -وهو ما يدلّ على تواضعه وزهده الشديدين-، مجدّدين العهد والوعد بالثأر لدماء وليّ أمر المسلمين.

لقد شارك الملايين في تشييع القائد العزيز، وهو حدث أيقظ عشرات الآلاف من الضمائر وأحيا الكثير من القلوب. كانت الشوارع ومحطّات المترو والباصات تعجّ بالناس والصلوات المحمديّة، بشكل لا تكاد أصداؤها تتوقّف في أرجاء الجمهوريّة.

في خضمّ هذا التشييع المهيب، من الطبيعيّ أن يكون ثمّة تدافع بين المشيعيّن بسبب الاكتظاظ الكبير. وما إن تنظر في عيونهم، حتّى تجدهم قد غابوا بدموعهم وحزنهم عمّا يحصل حولهم، فتهون عليهم الصعوبات ويذوبون في أجواء التشييع.

وعلى الرغم من حرّ الشمس، كان المنظّمون يرشّون رذاذ الماء البارد لمساعدة الجماهير على تحمّل المشقّة. قد تؤلمنا أقدامنا طوال المسير، لكنّنا، أبناء مسيرات الأربعين، قد اعتدنا ذلك، فنمضي في حبّ من نحبّ ولا نعبأ بالظروف والصعاب.

تلك كانت حال المحبّين في شوارع طهران يومها.

*دموعٌ وحبٌّ واعتذار
رفضت ريحانة، ابنة العشرة أعوام، البقاء في المنزل على الرغم من صعوبة الرحلة، فقد كان عليها أن تجتاز بضعة كيلومترات لتستطيع الوصول إلى مصلّى طهران حيث الوداع الأخير مع القائد الحبيب. وقد أذهلني ما قالته: “لم أعد صغيرة، وأنا هنا لأطالب بالثأر لدم القائد”. لقد تعجّب والداها من شدّة صبرها؛ فهي عادة ما ينفد صبرها بسرعة. لكنّها طلبت منهما المشاركة في التشييع المهيب ووعدتهما أنّها لن تخذلهما ولن تتذمّر ولو بكلمة، وستصبر على التعب والطقس الحارّ، ولن تبالي بالصعوبات كلّها. وما ريحانة إلّا مثال بسيط على البصيرة النافذة والإخلاص لخطّ الولاية.

أمّا علي رضا، الشابّ الثلاثينيّ الذي لم تجف دموعه طيلة مسيره، فكان يبكي ويقول متأسّفاً: “ما عذري يا سيّدي، ونحن لم نقدّرك أو نعرفك كما ينبغي؟ لقد غُرّر بنا ودُفعنا لمعارضة الثورة ومعارضتك، كم كنّا متسرّعين! اقبل عذري اليوم، وسامحني”. لم يكن علي رضا النادم الوحيد على مواقفه السابقة، بل كان مشهد المعتذرين جليّاً.

في مقلب آخر، تجد بهار، الفتاة العشرينيّة التي تضع حجاباً أسود أثناء المسيرة لإعلان موقفها، وتبكي، فتقول: “قالوا لنا إنّ النظام الإسلاميّ يسلب حرّيّاتكم ويجبركم على الحجاب. إنّها كذبة! لقد قتلوا قائدنا وأبانا. أيّ حرّيّة يدّعون؟! أنا اليوم أعاهدك سيّدي القائد أن ألتزم الحجاب وأدافع عنه أيضاً، هذا خيار السيّدات الإيرانيّات اليوم”.

*15 مليون مشيّع
لم يتجلَّ حجم المشاركة في ملايين المحتشدين فحسب، بل انعكس أيضاً في الضغط غير المسبوق الذي تعرّضت له البنية التحتيّة العامّة في مختلف أنحاء إيران. في طهران مثلاً، حيث احتشد الملايين لتوديع الإمام القائد الملهم، سجّل نظام النقل العام أرقاماً تاريخيّة. فقد نقل مترو طهران وحده أكثر من 11 مليون راكب خلال فترة الجنازة، بما في ذلك نحو 7 ملايين رحلة في الساعات الأولى من المراسم.

في الوقت نفسه، سجّلت شبكة الحافلات العامّة في المدينة (BRT) أكثر من 6 ملايين رحلة، ليصل إجمالي رحلات النقل العام إلى ما يزيد على 17 مليون رحلة. تكشف هذه الأرقام عن حجم التعبئة الهائل. فلم يكن الأمر مجردّ تجمّع جماهيريّ، بل كان جهداً لوجستيّاً وطنيّاً ضخماً شارك فيه ملايين الأشخاص عبر مدن عدّة.

تمثّل هذه البيانات رحلات المترو والحافلات فقط، ولا تشمل الملايين الذين وصلوا بواسطة المركبات الخاصّة أو الذين قطعوا مسافات طويلة سيراً على الأقدام للانضمام إلى مسارات التشييع. ولتسهيل حركة كبار السنّ وذوي الإعاقة، نُشرت 1,500 مركبة خدميّة أنجزت أكثر من 300,000 عمليّة نقل.

*توحيد جبهات المقاومة
لم يقتصر التشييع على إيران فقط، وإنّما كان ثمّة جولة في العراق أيضاً. وقد أُفيد عن مشاركة أكثر من 2.3 مليون مشيّع في النجف الأشرف، فيما قُدّرت أعداد الحضور في كربلاء بأكثر من 4 ملايين شخص.

وقد قدّرت مصادر إيرانيّة وتقارير دوليّة عدد المشاركين بين 12 و15 مليون مشيّع على امتداد مسار الجنازة، وقد شاركت وفود رسميّة وشعبيّة من نحو 100 دولة، ولا سيّما دول الجوار، مثل العراق ولبنان وباكستان وأفغانستان والبحرين والكويت وغيرها. كما سافر الملايين إلى قم ومشهد، حيث أقيمت مراسم تأبين في مواقع دينيّة كبرى، لتتوّج عند مرقد الإمام الرضا عليه السلام حيث وُوري سماحة الإمام القائد قدس سره الثرى بجواره.

*شهادة الإمام عزّزت القوّة
تكشف هذه الحشود جميعها عن عِظَم هذا الحدث الإقليميّ التاريخيّ، ومدى الحبّ الذي تكنّه هذه الشعوب لسماحة لإمام القائد قدس سره، هو مشهد لم يتحمّله الأعداء الذين كانوا يعملون على تحريض الشعوب المؤمنة، سدىً.

كان الهدف من اغتيال سماحة الإمام القائد قدس سره إضعاف الجمهوريّة الإسلاميّة ومحور المقاومة، لكن الواقع أظهر عكس ذلك؛ فدماء سماحته ضاعفت من التفاف الناس حولها، وعزّزت قوّة المحور، ووحّدت الصفوف أكثر من أيّ وقت مضى.

لذلك، فإنّ هذه الأرقام كلّها على امتداد المساحات الجغرافيّة المختلفة إلى ما هو أبعد من حدود إيران، تؤكّد أنّ الحدث بالغ الأهميّة ومتعدّد الأبعاد، وأنّ رمزيّة هذه الشخصيّة العظيمة النادرة في التاريخ قادرة على قلب المعادلات، وإن غيّبها الثرى.

أضيف في: | عدد المشاهدات: