الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة المراسم الحسينية في البقاع.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ من انتصر في الحرب؟ «حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم المبادرات الفرديّة في الأزمات...جبهةٌ أخرى (2) أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ

«حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم

د.فاطمة خشّاب درويش


“هم ليسوا أرقاماً... هم أطفال لهم عائلات، وأمّهات، وآباء. كلّ قصّة فيها جرح، ومأساة، ومعاناة، وألم. إنّنا نذكرهم لكي نقاوم وننهض، ولأخذ العبر وشحذ الهمم وتبيان الحقيقة». بهذه الكلمات لخّص وزير الصحّة اللبنانيّ الدكتور ركان ناصر الدين جوهر مبادرة “حبّات القلوب»، خلال حفل إطلاقها، وهي مبادرة اختارت أن تفتح ملفّ الأطفال الذين استشهدوا خلال العدوان الإسرائيليّ 2023م- 2026م، ولكن من زاوية مختلفة؛ زاوية تعيد الإنسان إلى قلب الرواية، بعيداً عن اختزال الضحايا في أرقام وإحصاءات. تلخّص المبادرة رسالتها بشعارها: “نتذكّر. نقاوم. ننهض”؛ فالتذكّر هنا يعني حفظ الأسماء والقصص، والمقاومة هي حماية الذاكرة والرواية، أمّا النهوض فيرتبط بإبقاء مساحة للأمل والتعافي والحياة.

*من معرض صور إلى منصّة توثيق
لم تبدأ مبادرة «حبّات القلوب» كمشروع توثيقيّ متكامل، بل انطلقت خلال العدوان من فكرة إقامة معرض للصور، بهدف الإضاءة على الجرائم التي طالت المدنيّين، والمساهمة في معركة الرواية والسرديّة المرتبطة بالحرب.

لكنّ الفكرة سرعان ما تجاوزت حدود المعرض، بعدما لاقت تفاعلاً واسعاً بين الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ. بدأت الصور والأسماء تصل، وظهر متطوّعون مستعدّون للمساهمة في جمع المعلومات والتحقّق منها وتنظيمها، لتتحوّل المبادرة تدريجيّاً إلى مشروع توثيقيّ ومنصّة إلكترونيّة تعمل على حفظ أسماء الأطفال وقصصهم.

يوضح الدكتور حسام مطر، صاحب المبادرة، أنّ البداية كانت بسيطة، لكنّ حجم التفاعل كشف عن حاجة حقيقيّة إلى مشروع منظّم، خصوصاً بعدما ظهر أنّ عدداً كبيراً من الأطفال الذين استشهدوا لم يحصلوا على التغطية الإعلاميّة الكافية، لا سيّما في المناطق البعيدة عن مراكز المدن، حيث تضيع أحياناً تفاصيل الأسماء والقصص.

*لماذا «حَبّات القلوب»؟
يحمل اسم المبادرة دلالة تتجاوز التسمية، فهو يعكس المكانة التي يحتلّها الأطفال في وجدان عائلاتهم ومجتمعهم المقاوم. فهؤلاء الأطفال، الذين توثّق المبادرة أسماءهم وصورهم وقصصهم، ليسوا مجرّد ضحايا في سجلّ الحرب، بل هم «حبّات القلوب»؛ أبناء وإخوة وأصدقاء، لكلّ منهم عالمه الخاصّ وحضوره الذي ترك أثراً في محيطه. من هنا، جاءت فكرة «أنسنة القصّة»، أي إعادة تقديم الطفل بوصفه إنساناً كاملًا له حياة سبقت شهادته.

فالطفل، كما يوضح د. مطر، ليس مجرّد اسم يضاف إلى قائمة الشهداء، بل إنسان له حياة كاملة سبقت لحظة استشهاده؛ له أحلامه وألعابه واهتماماته وشخصيّته وذكرياته مع عائلته ورفاقه. من هنا، جاءت فكرة إعادة تقديم هؤلاء الأطفال عبر الموقع الإلكترونيّ Habbat. عليها السلام عليهم السلامg من خلال قصصهم، لا من خلال إحصاء أعدادهم فقط، مؤكّداً أنّ «جوهر المبادرة لا يرتبط بالموت وحده، بل بالحياة والقصص التي عاشها هؤلاء الأطفال، لأنّ الهدف هو أن يعرف الناس من كانوا قبل أن يصبحوا ضحايا، وأن تستعيد أسماؤهم معناها الإنسانيّ».

ويشير مطر إلى أنّ «الطفل يختلف في موقعه داخل أيّ حرب، لأنّ الأطفال لا ينتمون إلى ساحات القتال، ولا يحملون مسؤوليّة المواجهة، ولذلك، فإنّ استهدافهم يحمل أثراً إنسانيّاً خاصّاً؛ لأنّهم يمثّلون الفئة الأكثر براءة والأبعد عن أيّ عمل عسكريّ».

*تحويل البيانات إلى ذاكرة
خلف هذا المشروع التوثيقيّ جهد تطوّعيّ شارك فيه عدد من الأشخاص الذين انخرطوا في جمع المعلومات، وتدقيقها، ومراجعتها، في محاولة لبناء قاعدة بيانات دقيقة للأطفال الذين قتلهم العدوّ الصهيونيّ خلال العدوان.

ويشرح القائمون على المبادرة أنّ عمليّة التوثيق لم تعتمد على مصدر واحد، بل مرّت بمراحل عدّة بدأت من اللوائح الرسميّة الصادرة عن وزارة الصحّة، مروراً بما نشرته وسائل الإعلام والمواقع الإخباريّة ومنصّات التواصل الاجتماعيّ، وصولاً إلى عمليّات التحقّق المباشر مع العائلات وأبناء البلدات التي وقعت فيها الاعتداءات، بهدف تصحيح المعلومات الناقصة أو غير الدقيقة.

وقد تمكّنت المبادرة من إنجاز ما يقارب 90% من عمليّة توثيق بيانات الشهداء الأطفال بين عامَي 2023م و2026م، وفق المعايير التي اعتمدها فريق العمل، مع توفير معلومات أساسيّة عن كلّ طفل، تشمل: الاسم، والعمر، والصورة، ومكان الاستشهاد، والبلدة، والجنسيّة، إضافة إلى تفاصيل أخرى مرتبطة بكلّ حالة. وقد أحصت المبادرة حتّى الآن أكثر من700 طفل شهيد منذ خريف العام 2023م، من اللبنانيّين والسوريّين والفلسطينيّين.

*أكثر من قاعدة أسماء
يضمّ الموقع عدداً من الأقسام التي تعكس رؤية المبادرة، من بينها قسم خاصّ بالعائلات التي فقدت أكثر من طفل، بهدف إبراز البُعد الإنسانيّ للقصص الجماعيّة التي خلّفها العدوان، إلى جانب قسم الإحصاءات الذي يحوّل البيانات المجمّعة إلى مؤشّرات رقميّة يمكن الاستفادة منها في الدراسات والأبحاث.

كما يخصّص الموقع مساحة تحت عنوان “قصص لا تُنسى”، تُروى فيها حياة الأطفال قبل رحيلهم، من خلال الكتابة عن شخصيّاتهم وأحلامهم وتفاصيلهم اليوميّة، بما يعيد تقديمهم كأشخاص لهم حضور وذاكرة.

ولا تتوقّف المبادرة عند توثيق أسماء الشهداء الأطفال والمعلومات الخاصّة بهم، بل تخصّص أيضاً مساحة خاصّة بالأطفال الجرحى تحت عنوان “درب التعافي”، انطلاقاً من رؤية تعتبر أنّ الحكاية لا تنتهي عند لحظة الإصابة. ويسعى هذا القسم إلى تسليط الضوء على تجارب الأطفال الذين نجوا من العدوان، ومراحل تعافيهم، وقصص قدرتهم على تجاوز آثار الحرب واستعادة حياتهم، لأنّ المجتمع يحتاج إلى رؤية مسارات النهوض والأمل، إلى جانب معرفة حجم المأساة.

*توثيق يخدم الذاكرة والملاحقة القانونيّة
بالإضافة إلى كلّ ما سبق، تسعى مبادرة «حبّات القلوب» إلى بناء مرجع توثيقيّ يمكن الاستناد إليه في الدراسات والأبحاث والإحصاءات المتعلّقة بالأطفال الذين فقدوا حياتهم خلال العدوان.

فالمعلومات التي جمعتها المبادرة، بعد مراحل من التدقيق والتحقّق، تشكّل قاعدة بيانات تحفظ تفاصيل كلّ حالة، بما يسمح للباحثين والإعلاميّين والفنّانين والجهات الحقوقيّة والقانونيّة بالعودة إليها عند دراسة آثار الحرب أو توثيق الانتهاكات، بما يشكّل جزءاً من مسار المساءلة، إذ تحتاج الجهات القانونيّة والحقوقيّة إلى بيانات دقيقة وأسماء موثّقة وشهادات مرتبطة بكلّ حالة عند العمل على إثبات انتهاكات العدوّ الصهيونيّ وملاحقة المسؤولين عنها. وبهذا، تتحوّل المبادرة من مشروع إنسانيّ لحفظ قصص الأطفال إلى أرشيف مفتوح للذاكرة والبحث والحقوق.

*«ولادنا مش أرقام»... شهادات من العائلات
أمّا بالنسبة إلى العائلات التي فقدت أطفالها، فلا تبدأ الحكاية عند لحظة الاستشهاد، بل تمتدّ إلى كلّ التفاصيل التي صنعت حياة هؤلاء الشهداء قبل رحيلهم.

يرى الحاج أبو علي زيعور، والد الشهيدين جهاد وفاطمة، أنّ أهميّة المبادرة تكمن في أنّها أعادت للأطفال حضورهم الحقيقيّ، بعدما أصبحوا في كثير من الأحيان مجرّد أرقام عابرة في سياق أخبار الحرب.

يقول زيعور إنّ ابنه جهاد وابنته فاطمة كانا طفلين لهما اسم وحياة وشخصيّة وأحلام ومستقبل. فـ»جهاد»، على سبيل المثال، كان طفلاً محبوباً ومجتهداً في المدرسة، وناشطاً في الكشّافة، وصاحب شخصيّة مرحة ومميّزة.

ويضيف: «لقد ساهمت هذه المبادرة في خلق قصّة عن هؤلاء الأطفال الشهداء، بحيث بات الناس يعرفون أنّ لكلّ واحد منهم عائلة وحياة وأحلام».

*«ما رأيت إلّا جميلاً»
من جهتها، تروي السيّدة نغم حمود، والدة الشهيدة مريم، التي ارتقت وعمرها لا يتجاوز خمس سنوات ونصف، تجربة الفقد ومعنى أن تبقى قصّة الطفل حاضرة رغم الغياب، وتقول: «إنّ الإنسان منذ ولادته يتربّى على مبادئ وقيم، ونحن تربّينا على مدرسة أهل البيت عليهم السلاموثورة كربلاء، فتعلّمنا مواجهة المواقف الصعبة والصبر على الابتلاءات»، مضيفة:»لقد خسرت ابنتي على يد أشرار العصر (إسرائيل وأمريكا) من دون ذنب. الفقدان صعب وأنا أمّ، ولكنّ السيّدة زينب تبقى حاضرة في ذهني؛ فكلّما اشتعل قلبي شوقاً وألماً، رددت قولها (ما رأيت إلّا جميلاً)».

وترى حمود أنّ مبادرة «حبّات القلوب» تكتسب أهميّتها في أنّها تعيد للأطفال أسماءهم وحضورهم، وتُوصل صوت العائلات التي فقدت أبناءها إلى العالم كلّه، وهي تشكر القيّمين على هذه المبادرة التي تكشف بوضوح عن وحشيّة هذا العدوّ.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع