د. أحمد الشامي
من المنتصر الحقيقيّ في هذه الحرب؟ سؤال يفرض نفسه بقوّة اليوم، لأنّ سرديّة الانتصار باتت تهيمن على المشهد العامّ. فمن جهة، يعلن الأمريكيّ ومعه الإسرائيليّ بأنّ النصر كان حليفهما في الحرب، بينما من جهة ثانية، لا يكتفي محور المقاومة بإعلان النصر فحسب، بل يصفه بالاستراتيجيّ أيضاً. وهذا ما يفتح الباب على سؤال يستحقّ الإجابة: من يحقّ له إعلان النصر؟
*الحقّ معيار النصر
تكمن أهميّة الإجابة عن السؤال المطروح في ابتعادها عن أسلوب المناقشة الكيديّة من أجل تبرير رفع شارة النصر، لأنّها غيمة آنيّة سرعان ما تنقشع لتفرض السؤال المطروح من جديد، لا سيّما، إذا كانت تداعيات هذه الحرب كبيرة وعميقة الأثر على المستوى الإنسانيّ.
مع الأسف، يجري الآن تنميط الوعي على التسليم بأنّه يحقّ لطرفَي الحرب -المعتدي والمعتدى عليه- ادّعاء النصر. وسرعان ما يدعَّم هذا الطرح بالمعيار المادّيّ أساساً له، فيقال: إنّ ذلك يحدث عندما تكون الحرب غير متكافئة عسكريّاً؛ فيوصف الطرف القويّ بالمنتصر لأنّه يقتل ويدمّر قدرات الخصم أو يسيطر على مناطقه، بينما يوصف الطرف المقابل، على الرغم من ضعفه العسكريّ، بالمنتصر أيضاً لأنّه صمد، وحافظ على وجوده، ومنع خصمه من تحقيق أهدافه الأساسيّة.
وعلى الرغم من أهميّة المعيار المادّيّ، إلّا أنّه ليس الأساس في تحديد القويّ من الضعيف في صراع المعتدي والمعتدى عليه، بينما الحقّ هو المعيار الأهمّ، والذي يُبنى عليه من انتصر وهُزم. وهذا يعني أنّ من ينصر الحقّ ينتصر، سواء أَغلب عسكريّاً أم هُزم، لأنّه شتّان بين أن تدفع الأثمان الباهظة للحرب على مستوى الإنسانيّة من أجل أهداف محقّة، وبين أن تدفعها لأهداف باطلة.
*شارة النصر المرفوعة
يأتي هذا التوصيف في وقت يعلن فيه معسكر المقاومة، المعتدى عليه، انتصاره في الميدان العسكريّ. وحتّى لا يقال إنّ تقديم هذا الطرح جاء للتعمية على الحقيقة، فمن المفيد التذكير بأنّ التأكيد نفسه قد قُدّم في العام 2024م، وحينها، لم تكن موازين القوى لمصلحة المقاومة؛ ومع ذلك، فقد رُفعت شارة النصر. بل إنّ الهدف من هذا الكلام يتجاوز الميدان، إلى إعادة تصويب ما يجري تنميطه في الوعي، لترسيخ يقين مفاده أنّ الحقّ هو الحليف الأبديّ والأصيل للمظلوم والمعتدى عليه.
من هنا، نجد أنّ كثيرين تعاملوا باستخفاف مع مقولة سيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) عندما قال: «عندما ننتصر ننتصر، وعندما نستشهد ننتصر». ولكن في الحقيقة، ما كان لهذا القول أن يفعل فعله في الوعي لو لم يجرِ تثبيت القاعدة الأساسيّة: «ألسنا على الحقّ؟»، وهي المدخل الذي يعطي المشروعيّة لإعلان النصر، بصرف النظر عن النتائج العسكريّة، أو الأثمان التي دُفعت.
نتيجة لذلك، يمكن القول إنّ أمريكا والعدوّ الإسرائيليّ أمام هزيمة استراتيجيّة، لأنّهما بالأصل ظالمون ومعتدون، وقد جاءت الغلبة في الميدان لتجعل لهذا النصر أبعاداً استراتيجيّة.