لستُ شيعيّاً وأحبُّ السيّد مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان إحسان عطايا: السيّد في وجدان فلسطين سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم السيّد الحيدريّ: ارتباطي بالسيّد نصر الله ولائيّ وفقهيّ مع الإمام الخامنئي | أوّل دروس النبيّ : بنــاء الأمّــة* نور روح الله | تمسّكـوا بالوحدة الإسلاميّة* أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود* فقه الولي | من أحكام مهنة الطبّ

الشهيد على طريق القدس القائد علي بحسون (الحاج عادل)

نسرين إدريس قازان


الشهيد على طريق القدس القائد علي محمّد بحسون (الحاج عادل)
اسم الأمّ:
مريم رضا.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 5 أبناء.
تاريخ الولادة ومحلّها: طيردبا 11-2-1965م.
تاريخ الشهادة ومحلّها: الضاحية الجنوبيّة 04-10-2024م.


بكلمات ملؤها الحنين، وصفته كنّته أنّه: "والدٌ اهتمّ بكلّ تفاصيلنا، وكان ملجأً لنا في أمورنا، وإذا أردتُ أن أصفه بكلمة واحدة، فهو العادل"، قالت ذلك على عجالة وانسحبتْ قبل أن يصل ضيوفهم إلى مائدة إفطار المحبّين في شهر رمضان، رفاق درب الحاجّ عادل الذين توافدوا ليخبرونا بعضاً ممّا نجهله عنه، وما بقي طيّ الكتمان أكثر بكثير من الصفحات التي أفردوها لنا.

* إخلاص وسرّيّة
كان التساؤل حول ماهيّة الاختصاص الذي أوصل الحاجّ إلى ما هو عليه مُلحّاً، نظراً إلى أهميّة الملفّ الذي تولّى مسؤوليّته وحساسيّته لسنوات: "وحدة الأماكن"، أي أنّه كان المسؤول عن كلّ حيّز جغرافيّ للمقاومة الإسلاميّة فوق الأرض وتحتها، يقول ابنه: "كان عملُ الحاج على الأرض جامعتَه، وإنجازاتُه المبهرة شَهادتَه، وذكاؤُه المتوقّدُ طريقَه ومعلّمَه، فهو مهندس مع المهندسين، محامٍ مع رجال القانون، تاجر مع التجّار، يَعرفُ مداخل كلّ عملٍ كما يعرفُ خطوط يده". ويتابع رفيق دربه الحديث: "ما أخلص عبد لله عزّ وجلّ أربعين صباحاً، إلّا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، والحاجّ عادل كان عبداً مخلصاً لله، لم يقم بأيّ عمل إلّا وربطه بسؤال الله له عنه وماذا سيكون جوابه، ولا يُقدم على قول أو فعل إن لم يحط به علماً، وهو الذي يستيقظ لصلاة الصبحِ، ويتناول فطوره من الطعام الذي أعدّته زوجته، ليتوجّه مباشرة إلى مكتبه مع شروق الشمس غالباً، فدوام العمل عنده مقرون بما يستطيع أن يفعله الإنسان خلال نهاره، وليس بما حُدّد له من ساعات".

يقول ابنه: "كانت والدتي شريكةً في جهاد والدي في كثير من التفاصيل، ولم يحتج أن يشرح لها شيئاً أو يبرّر لها ما يقوم به، فلم تزعجه يوماً بسؤال أو استفسار، حفاظاً على سريّة العمل. وكان ذلك مساعداً له في تربيتنا لنكون نحن أيضاً مجاهدين منذ صغرنا من دون أن ندري، فلم نكن نعرف، مثلاً، أنّ النزهة العائليّة هي جزء من مخطّط ما، أو أنّ زيارة اجتماعيّة تأتي من ضمن ملفّات العمل، فقد كان يمزج عمله مع الحياة العائليّة من دون أن نعرف شيئاً عن ذلك، وأغلب ما عرفناه عنه كان بعد رحيله".

* صاحب تقوى
خلال الحديث عن الحاجّ عادل، كلّما أخبرَ أحدهم صفة عنه صدّق عليها الجميع، أمّا الصفة التي ذكرها كلّ الحضور حتّى من دون سؤال، فهي "التقوى"، بحيث إنّه كان دقيقاً جدّاً في كلّ التفاصيل، يقول أحدهم: "كان الحاجّ يسجّل "كيلومتراج" السيّارة ويضبطه إذا ما تداخلت رحلة عمل مع زيارة شخصيّة"، ويضيف آخر: "وحدة الأماكن هي المال والسلطة، التي اشتغل الحاجّ عادل على تطوير ملفّاتها، وتحسين مقدّراتها، والعمل على تقييم عملها باستمرار للكشف عن مكامن الخلل، كان يعرف كيف وأين يصرف كلّ مبلغ من المال"، ويكمل أحدهم في وصف (مكتب مسؤول وحدة الأماكن) المولج بتأمين المكاتب وأثاثها حسب مسؤوليّة كلّ فرد: "كان مكتبه عبارة عن غرفة صغيرة تتّسعُ لثلاثة أشخاص فقط، وبجانب كرسيّه المكسور رفوف عليها البريد الورقيّ، وقد تمّ تبديل الكرسيّ قبل الحرب بفترة قصيرة بعد إصرارنا عليه، لأنّ ظهره صار يؤلمه"، ويضيف ابنه: "كان والدي ينام أربعة ساعات فقطٍ أو أقلّ من ذلك، وغالباً ما ينام على الأرض من دون فراش، وذلك كي لا يرتاح جنبه ويأخذه النوم، بل يبقى على جهوزيّته على قاعدة أمير المؤمنين عليه السلام: (من نام لم ينم عنه). وقد سأله سماحة السيّد الأقدس عندما سلّمه هذه المسؤوليّة عن نظام عمله، وكان وقتها الحاجّ عماد حاضراً، فأجابه: (ليل نهار)".

* "واحد منّا"
يحدّثنا أحد الإخوة: "لم يعاملنا يوماً على أنّه المسؤول علينا، بل أشعرنا أنّه واحد منّا، حرص على أن يكون داعية لنا بغير لسانه. لقد تعلّمنا منه أبعاد التفكير وقراءة الأمور من زوايا مختلفة، والحرص الشديد على العمل، والتواضع والتعامل بلطف، والإنصاف، وهو أكثر ما حثّنا عليه: (كونوا منصفين ولو مع عدوّكم). كما كان لافتاً بمحبّته للجميع، وعمل جاهداً على احتواء أيّ أحد يخطئ".

ويذكّرهم رفيقهم مُتَبسّماً: "كاظم الغيط"، فيهزُّ مَن في الغرفة الرؤوسَ المحنيّةَ مع تنهيدة طويلة، ويقول: "كان كظمه للغيظ مستفزّاً لنا في بعض الأحيان، حتّى أنّنا في بعض المواقف كنّا نحرّضه لقول أيّ شيء، فيجيبنا بأن ما يخصّه على المستوى الشخصيّ يتسامح فيه، أمّا ما يمكن أن يردّ عليه هو فقط ما يمسّ العمل".

ويأتي صوت متحسّر: "تلك القدرة التي امتلكها في التكيّف مع الآخرين لافتة جدّاً، فعقله تعامل مع مختلف العقول والطباع، وقد أوصاني ذات يوم أن لا أجهد نفسي في تغيير آراء الآخرين، بل العمل على تدوير الزوايا دوماً، والقيام بالتكليف بما يرضي الله، والتكيّف مع المحيط وتطويعه لمصلحة العمل".

* عهدٌ مع الحاجّ عماد
نعود إلى بدايات الحاجّ عادل، إلى قريته طيردبا، حيث شبّ والشهيد القائد عماد مغنيّة، وكانا صبيّين يافعَين، يخبرنا ابنه: "كان همّ جدّي اللقمة الحلال، وورث أبي عنه هذا الهمّ، إذ كان يساعده في قطف بساتين البرتقال"، ويكمل ضاحكاً: "كان يأكل مئة برتقالة في النهار، وأقفاص الليمون تلك، هي التي صارت مستودعات للأسلحة الخفيفة والقذائف الصغيرة". ويكمل ابنه الأوسط: "كانت الحاجّة أمّ عماد -رحمها الله- تعلّمه والحاجّ عماد الأحكام الشرعيّة، وهما كانا ينقلانها بدورهما إلى الصبية في المسجد، وهناك، تعاهدا على البقاء معاً بعد أن قرآ خطبة الجهاد لأمير المؤمنين عليه السلام. وفعلاً، لم يفترقا عن بعضهما بعضاً إلّا حينما استشهد الحاجّ عماد".

يستذكر رفيق دربه تلك العلاقة النادرة جدّاً بين الحاجّ عادل والحاجّ عماد، إذ إنّ مستوى التوافق المنطقيّ والعقليّ يكاد يكون متطابقاً، وقد عملا معاً لسنوات في العمل الأمنيّ، وتشاركا في أغلب المهام الحسّاسة، إلى جانب العمليّات العسكريّة. وبسبب عمله، مُنع من التوجّه إلى قريته طوال سنوات. وبعد تحرير أيّار في العام 2000م، بدآ بتأسيس ملفّ الأماكن، وكان من أكثر الملفّات حساسيّة وخطورة ودقّة".

* ثقة السيّد
بعد رحيل الشهيد عماد، أكمل الحاجّ عادل المهمّة، ساعده في ذلك الثقة العالية التي نالها من سماحة السيّد الأقدس، ما منحه هامشاً كبيراً في العمل. وكثيراً ما رافقه السيّد إلى أماكن ليريَه ماذا نفّذ، ولم تكن هذه الثقة إلّا بناءً على ما رآه سماحة السيّد من رجلٍ كان يستمع إلى خطاباته عبر التلفاز وينتبه إلى كلّ كلمة ينطق بها، وكان يقول للإخوة: (خواطر الوليّ أوامر). ويضيف أحدهم: "كان ميقات كلام السيّد مقدّساً، فالمقاطعة ممنوعة، وعندما يحين وقتُ التلبية، يقف خلف مكتبه ويرفع قبضته صارخاً: (لبّيك يا نصر الله)".

يوم شهادة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في السابع والعشرين من شهر أيلول 2024م، أقلَّهُ أحدُهُم على الدرّاجة الناريّة إلى حارة حريك، وكان يقول طول الطريق: "يا الله، ما هذا الامتحان؟! يا زهراء! يا صاحب الزمان!". ولمّا وصل إلى المكان ليرشد الإخوة إلى مداخل منشأة السيّد الأقدس، جلس على الرصيف، ورفض الرحيل، كانت تلك من أشدّ الساعات وطأة على قلبه، وقد استذكر الإمام الحسين عليه السلام يوم العاشر لمّا قال للقاسم: "يعزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك".

* غفا إلى جانب من يحبّ
بعد تلك الليلة، حمل الحاجّ عادل همّ المحافظة على الروحيّة العالية بين الإخوة، وحثّهم على استكمال العمل، وصارت كلماته وصايا، حتّى كان يوم الارتقاء حينما كان مع سماحة السيّد هاشم صفي الدين وعدد من المجاهدين في منطقة المريجة، ليختم حياةً طويلة من الجهاد، تاركاً ظلّه الخفيف في زوايا مسجد الإمام زين العابدين عليه السلام في منطقة بعجور حيث كان يصلّي ويحيي ليالي القدر. وقد وجد رفاقه في مكتبه بعض الأغلفة التي نظّمها من خلال كتابة اسم كلّ فرد على الغلاف الخاصّ به، وبعض الأقراص الصلبة لدروس في تفسير القرآن، إذ كان يستمع يوميّاً إلى درس في التفسير ما إن يصل إلى مكتبه.

لقد كان كلّ عمل قام به صدقة جارية تخلّد ذكره كلّما مرّت الأيّام، فسلامٌ عليه وقد غفا جنبه حيث يحبّ ملتحقاً بمن يحبّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع